إعلان

نقطة ضعف ترامب تجاه إيران... أردوغان

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يصافح نظيره التركي رجب طيب أردوغان، تشرين الثاني 2019 - "أ ب"
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يصافح نظيره التركي رجب طيب أردوغان، تشرين الثاني 2019 - "أ ب"
A+ A-
منذ ثورة 1979، لم يوقع أيّ رئيس أميركيّ أضراراً بإيران كما فعل دونالد ترامب، أكان على مستوى العقوبات أم على مستوى الضربات العسكريّة. فالريال الإيرانيّ في أسوأ أحواله منذ الثورة، وقد خسر في 2020 فقط 50 في المئة من قيمته أمام الدولار. وانكمش الاقتصاد الإيراني 6.1 في المئة السنة الماضية وفقاً لـ"معهد التمويل الدوليّ". ووصلت نسبة البطالة إلى ما يقارب 40 في المئة.

ربّما كانت الضربة العسكريّة التي وجّهها الرئيس الأسبق رونالد ريغان إلى البحريّة الإيرانيّة بالغة القساوة إذ دمّرت واشنطن نصفها في بضعة أيّام، ردّاً على انفجار أحد الألغام الإيرانيّة البحريّة بمدمّرة أميركيّة سنة 1988. لكن إصدار ترامب الأمر باغتيال قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني قد يكون أقسى، لأنّه يصعب تعويض القيادات العسكريّة البارزة، على عكس الأصول العسكريّة القابلة للتعويض والتجديد. وإلى اليوم، لم يثبت اسماعيل قآني أنّه قادر على أن يحلّ مكان سلفه.

كما تلقّت إيران ضربات قاسية أخرى في 2020 مثل التفجيرات الغامضة التي استهدفت منشآتها العسكريّة والنوويّة الصيف الماضي والتي قد تكون إسرائيل شنّتها بموافقة وربّما بمساعدة من الأميركيّين. وانتهت تلك السنة باغتيال كبير علماء إيران النوويّين محسن فخري زاده. وما ينطبق على المنشآت العسكريّة ينطبق أيضاً على عمليّة الاغتيال المعقّدة.

ومع جميع المشاكل الداخليّة التي تعاني منها إدارة ترامب، لا تزال الأخيرة مركّزة على الملفّ الإيرانيّ مع مواصلة فرض عقوبات على طهران، وآخرها الأربعاء. فقد أدرجت وزارة الخزانة الأميركيّة 16 كياناً وثلاثة إيرانيّين ضمن قائمتها السوداء. ومن ضمن الكيانات مؤسّستان خاضعتان مباشرة لحكم المرشد الإيرانيّ الأعلى علي خامنئي. على الرغم من جميع هذا التشدّد "الترامبيّ" ثمّة نقطة واحدة في الملفّ الإيرانيّ أبدى فيها الرئيس المنتهية ولايته تساهلاً غير معهود وغير متوقّع: مساعدة تركيا إيران على الالتفاف حول العقوبات.


"الجهاد الاقتصاديّ"
بين 2012 و 2013، ساهم رجل الأعمال التركيّ الإيرانيّ الأصل رضا ضرّاب بدفع إيران إلى الاستفادة من مخطّط بقيمة 20 مليار دولار عبر التهرّب من العقوبات المفروضة عليها. وأُوقف ضرّاب في آذار (مارس) 2016 في ميامي وهو رجل ثريّ يعمل في تجارة الذهب. كما أوقفت الولايات المتّحدة أيضاً النائب السابق لرئيس "بنك خلق" التركيّ محمّد هاكان أتيلا في آذار (مارس) 2017. وأمضى الأخير عقوبته في السجن لمدة 32 شهراً.

وفي السنة نفسها، ذكرت صحيفة "زمان" أنّ الشبكة التي أسّسها ضرّاب لهذه الغاية عملت على "تشفير الحسابات الخاصّة بعائدات النفط والغاز الطبيعي الإيرانيّ في بنك خلق وتقديمها إلى الحكومة الإيرانيّة". واتّهمت السلطات الأميركيّة البنك بالمساهمة في إنجاح هذا المخطط عبر تزوير المعاملات وتقديمها على أنّها مرتبطة بالسلع الغذائيّة والطبّيّة غير الخاضعة للعقوبات.

كان والد ضرّاب مقرّباً من الرئيس الإيرانيّ السابق محمود أحمدي نجاد، كما أنّ ضرّاب نفسه مقرّب من الرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان. وعمل الأخير، كما زوجته أمينة، على التواصل مع إدارة الرئيس السابق باراك أوباما لإطلاق سراح الرجلين لكن من دون جدوى. وذكر "مشروع تتبّع الفساد والجريمة المنظّمة" أنّ ضرّاب تعهّد "الجهاد الاقتصاديّ". علماً أنّ خامنئي كان قد أعلن 2011 سنة "الجهاد الاقتصاديّ".

في 2017، وُصف ضرّاب بأنّه "قنبلة أردوغان الموقوتة". لكن طوال السنوات الأربع الماضية، نجح الرئيس التركيّ في إيقاف عدّادها. في الحقيقة، كان أردوغان ناجحاً إلى درجة أنّه دفع ترامب إلى إقالة مدّعيين عامّين ناظرين في هذا الملفّ.


أسباب
سلّطت مجلّة "فورين بوليسي" الأميركيّة الضوء على مفارقة تعاطي ترامب مع هذه القضيّة. ونقلت الأسبوع الماضي عن مستشار ترامب السابق لشؤون الأمن القوميّ جون بولتون ووزير خارجيّته السابق ريكس تيليرسون أنّ ترامب لم يفهم تماماً حجم ومضمون القضيّة التي كان يضغط من أجل إيقافها، على الرغم من أنّ الرجلين سعيا إلى تفسير ذلك للرئيس. يقول بولتون للمجلّة إنّ ترامب كان معجباً بالقادة المتسلّطين بينما كان يتمتّع بنظرة مقايضة إلى السياسة الخارجيّة: خدمة في مقابل خدمة.

حدث كلّ ذلك علماً أنّ شهادة ضرّاب تشير إلى أنّ مخطّطه الذي بدأ في أواخر 2012 تمّ بحضّ من أردوغان. ويقول الاتّهام إنّ أردوغان والمقرّبين منه "وجّهوا تعليمات إلى بنك خلق لاستكمال المخطّط، فوافق بنك خلق". وضغط ترامب على وزراء العدل كما أقال في 2020 المدّعي العام الثاني في المنطقة الجنوبيّة لنيويورك.

لا شكّ في أنّ الصداقة بين ترامب وأردوغان لعبت دوراً محوريّاً في حماية أنقرة من التبعات السياسيّة لمخطّطها. وقد يكون أيضاً للبرجين اللذين يملكهما ترامب في اسطنبول والذي حضر أردوغان افتتاحهما سنة 2012 دور آخر في تقريب الرجلين من بعض، ولو على حساب المصلحة الأميركيّة. 

العدّاد يستأنف عمله؟
ثمّة الكثير من الأمثلة الأخرى التي تظهر تساهلاً أميركيّاً كبيراً من ترامب تجاه تركيا من بينها إعادة نشر قوّاته في شمال شرقي سوريا بناء على اتّصال هاتفيّ من أردوغان (كانون الأوّل 2018) كي يشنّ الأخير توغّله لإبعاد المقاتلين الأكراد عن حدوده. وشكّلت حماية ترامب لأردوغان من دعوات الجمهوريّين والديموقراطيّين في الكونغرس لفرض عقوبات على تركيا بسبب منظومة "أس-400" الروسيّة مثالاً آخر على "الخدمة الشخصيّة" التي قدّمها ترامب، بالرغم من حساسيّة الموضوع بالنسبة إلى الأمن القوميّ الأميركيّ. ولم يفرض ترامب عقوبات متوسّطة على تركيا بسبب شراء المنظومة الروسيّة إلّا في كانون الأوّل (ديسمبر) 2020.

على أيّ حال، يمكن أن تكون هذه الفرصة قد وصلت إلى خواتيمها. وعدّاد "القنبلة الموقوتة" قد يستأنف عمله من جديد بوصول جو بايدن إلى البيت الأبيض. ففي آذار (مارس) المقبل، ستنطلق المحاكمات في نيويورك حول مخطّط حماية إيران من العقوبات الأميركيّة. وهذه المرّة، قد لا يجد أردوغان آذاناً صاغية في واشنطن من أجل التدخّل في عمل القضاء. من غير المستبعد أن تكون هذه القضيّة أحد أبرز دوافع الرئيس التركيّ كي يخفّف التصعيد مع الغرب. وكان ذلك واضحاً في عدد من التصريحات التركيّة الهادئة مؤخّراً والموجّهة إلى حلف شمال الأطلسيّ والاتّحاد الأوروبّيّ وإسرائيل. فهل تساعده هذه الانعطافة في تفادي أو تخفيض حدّة العاصفة القانونيّة المقبلة؟
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم