إعلان

"أزمة القصيدة" بين طهران وأنقرة: سوء فهم عاطفي أم بداية مرحلة جديدة في العلاقات؟

المصدر: النهار العربي
سركيس قصارجيان
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال حضوره عرضا عسكريا في باكو
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال حضوره عرضا عسكريا في باكو
A+ A-
 
فجّرت القصيدة التي ألقاها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال عرض عسكري في باكو لمناسبة انتصار أذربيجان في حرب ناغورني كراباخ ضد أرمينيا، أزمة دبلوماسية بين الجارتين، تركيا وإيران، المتعايشتين بمعادلة "الصداقة اللدودة" منذ عقدين من الزمن.
 
ولم تقف تداعيات "أزمة القصيدة" عند استدعاء متبادل للسفراء. وفي حين حاولت الدبلوماسية التركية استعمال لغة أكثر براغماتية في تفسير المغزى من الكلمات التي تفوّه بها "السلطان"، وتبريرها، توالت الخطوات التصعيدية الإيرانية بالتزامن مع وصول الاستقطاب السياسي الداخلي إلى أقصى حد قبيل الانتخابات المرتقبة منتصف العام القادم.

ما هي "أزمة القصيدة"؟
 
القى أردوغان الذي تصاعدت شعبيته في أذربيجان على خلفية دخوله الحرب إلى جانب باكو في أيلول (سبتمبر) الماضي، ولعبه دوراً كبيراً في تحقيقها الانتصار عبر مدها بمسيرات "البيرقدار" وطلعات مقاتلات الـ أف-16 التركية ونقل المرتزقة السوريين، اضافة لمشاركة الكومندوس التركي في المعارك، من على منبر الاحتفال في ساحة الحرية في باكو قصيدة للشاعر الشعبي الأذري بختيار وهاب زاده، المعروف بقصائده وكتاباته القومية، يصوّر مقطعها الأول حنين الشاعر لـ "لاتشين"، التي تربط اقليم ناغورني كراباخ بأرمينيا (خسرتها أذربيجان في حرب 1992)، فيما يعبّر في المقطع الثاني، وهو بيت القصيد، عن حزنه "للفصل القسري لضفتي نهر أراز" (الذي يفصل الحدود الإيرانية-الأذرية)، في إشارة إلى ما يعرف في الأدبيات القومية الأذرية بـ "أذربيجان الجنوبية تحت الاحتلال الإيراني" (محافظتي أذربيجان الغربية والشرقية الإيرانيتين).
 
أتهمت إيران الجار التركي، الذي استدعت سفيره لديها (موجهة اليه رسالة شديدة اللهجة)، باستهداف السيادة الإيرانية ووحدة أراضيها، فردت عليها أنقرة بالمثل عبر استدعاء السفير الإيراني والتعبير عن "استيائها إزاء ادعاءات لا أساس لها" وجّهتها طهران بحقّ الرئيس رجب طيب أردوغان.
 
وفي حين أكدت الخارجية الإيرانية في بيان لها أن "مرحلة الأطماع التوسّعية ولّت، وأن ايران لن تسمح لأي طرف باستهداف وحدة أراضيها، ولن تتنازل عن أمنها القومي، ولن تتوانى لحظة عن الدفاع عن أمنها"، نشر وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف تغريدة على حسابه على تويتر تهكّم فيها على أرودغان بالقول: "يبدو أنه لم يتم إخبار أردوغان بأن الشعر الذي ردّده في باكو بشكل خاطئ يتعلّق بالفصل القسري لمناطق شمال أراز عن الوطن الأم إيران"، متسائلاً في التغريدة نفسها :"ألم يفهم (أردوغان) أنه تحدّث ضد استقلال جمهورية أذربيجان؟ لا أحد يستطيع الحديث عن أذربيجاننا العزيزة (في إشارة إلى المحافظتين الإيرانيتين)" وذلك تأكيداً للفرضية التي تدافع عنها إيران بكون جمهورية أذربيجان الحالية جزءاً من أراضيها التي تم اقتطاعها على مرحلتين بموجب كل من معاهدتي تركمنجاي (1826) وغولستان (1913) وضمها لروسيا القيصرية بداية والاتحاد السوفياتي لاحقاً.
 
ولم تفلح جهود مسؤول الإعلام في القصر الرئاسي التركي، فخر الدين التون، في تبرير الموقف وتهدئة الجانب الإيراني بالقول أنه "تم اخراج قصيدة ألقاها أردوغان بشكل عاطفي كتعبير عن رفض الاحتلال الأرميني (إشارة إلى لاتشين) من دون ذكر أسم إيران، عن سياقها" فقد أصدر 225 نائباً من أصل 286 في البرمان الإيراني بيان استنكار وإدانة "لاستخدام الرئيس التركي لغة انفصاليية مفاجئة وغير متوقعة، في الوقت الذي يفترض فيه العمل من أجل حسن الجوار، ووحدة العالم الإسلامي، وإحلال السلام والاستقرار في المنطقة".
 
وليس بعيداً من منبر القاء القصيدة، شهدت مدينة تبريز، عاصمة محافظة أذربيجان الشرقية الإيرانية فجر الأحد، ترديد سكان من الغالبية الأذرية،شعارات قومية من الشرفات تحيي جمهورية أذربيجان وتندد بمبغضيها، قابلتها تظاهرات خرجت صباحاً، رداً على الاحتجاجات الليلية، مرددة عبارات تؤكد وحدة إيران وتدعو بالموت لأميركا وإسرائيل.

حماسة عاطفية أم فعل مقصود؟
 
أثارت "قصيدة" أردوغان المفاجئة والمستغربة في توقيتها وخلفيتها، تفسيرات وتحليلات عديدة، أرجع بعضها كلمات الرئيس التركي إلى عدم معرفته بأصل القصيدة أو معناها، في حين أكد آخرون وجود القصد والنية المسبقة وراء فعله، وربطوا حملته بالمستجدات الإقليمية والدولية.
 
وفي رأي يتماهى مع ما ذهب إليه ظريف، أعرب الكاتب والصحافي التركي المختص بالشأن الإيراني البتيكين دورسون أوغلو في تصريح الى "النهار العربي" عن اعتقاده بأن "الرئيس التركي ألقى كلمته التي من المحتمل ان يكون كتبها أحد مستشاريه، بشكل حماسي مشيداً بتحرير الأراضي الأذرية من الإحتلال الأرميني، من دون الالتفات إلى الأسطر اللاحقة من القصيدة التي يعبّر فيها الشاعر عن رفضه سلخ أذربيجان من الوطن الأم (إيران) وليس العكس".
 
وأضاف أوغلو، الخبير في ملفات الشرق الأوسط:"لذلك فإن ربط ما حدث برسائل أو مستجدات سياسية، سيؤدي برأيي إلى نتائج غير واقعية".
 
في المقابل رأى الصحافي والأكاديمي التركي الخبير في الشأن الإيراني سافاش بورغهام، في تصريح الى"النهار العربي"، أن "تركيا، التي تدخلت عسكرياً في نزاع كراباخ وتزيد من نفوذها في المنطقة، لن تكون راضية عن تطور العلاقات الإيرانية-الأذرية وزيادة أنشطة إيران في القوقاز. لذلك، يجب أخذ هذه المعطيات بالاعتبار عند تقييم سبب قراءة أردوغان القصيدة".
وأوضح أن "انفصال منطقة القوقاز، بما في ذلك أذربيجان وكراباخ، عن الأراضي الإيرانية في القرن التاسع عشر، له معان متناقضة في أذهان القوميين من الأتراك الأذريين والفارسيين". 

غضب إيراني غير مسبوق
 
ليست حملة أردوغان الوحيدة المفاجئة في طبيعتها وتوقيتها، بل أن رد الفعل الإيراني الغاضب بدا مباغتاً أيضاً، فطهران معتادة على تجاهل تصريحات الرئيس التركي الذي دأب على انتقاد سياسات طهران الإقليمية الدينية، لا سيما في ما يخص الملف السوري، بطريقة استعراضية في السابق، حتى وصل أحد هذه الانتقادات إلى حد تناول المرجعية الدينية الأعلى في البلاد، لكن دائماً ما كان الرد الإيراني يتسم بالإستيعاب والهدوء وتأكيد "الصداقة وعلاقات حسن الجوار والتنسيق والقيم الإسلامية المشتركة للبلدين الخ..".
 
جاء رد الفعل الإيراني هذه المرة خارجاً عن السياق المعهود، ما فتح الباب على مصراعيه للتكهنات التي ذهبت بعيدة بالحديث عن تصدعات في علاقة الجارتين المسلمتين.
 
واعتبر دورسون أوغلو أن "رد فعل ظريف القاسي على قصيدة أردوغان مرده الى الضغوط المتزايدة للتيار المحافظ في داخل إيران على الحكومة، وسط انتقادات لسياساتها الخارجية، لا سيما في ما يخص التعامل مع الاستفزازات الأميركية والإسرائيلية، من اغتيال قاسم سليماني إلى محسن فخري زاده وغيرهما، وهو ما بات ينعكس حتى في الإعلام الرسمي الإيراني".
 
وأضاف:"أراد ظريف قطع الطريق أمام منافسي تياره من استخدام ورقة جديدة للانتقادات، فقام بنشر التغريدة في رسالة للداخل مفادها إظهار مواقف قوية وحازمة ضد أي إساءة، وهي رسالة مؤثرة للإيرانيين الذين يستعدون للتوجه إلى صناديق الاقتراع بعد 6 أشهر".
 
انتصار أذربيجان الأخير في كراباخ، وتوسيع سيطرتها في مناطق محيطة وحتى داخل حدود الإقليم، ينذران بخلل في التوازنات العرقية الداخلية لإيران. ومع الأخذ بعين الاعتبار الاحتجاجات التي شهدتها مدن إيرانية عدة مع بداية الاشتباكات في كراباخ ضد سياسة إيران تجاه أرمينيا، يمكن الجزم بأن طهران اعتبرت "قصيدة أردوغان" مسألة سيادة وأمن وطني، وهو ما يفسر حرصها على الرد بشكل مختلف، بعيداً عن الحسابات الانتخابية الداخلية فقط.
 
وفي هذا السياق، لفت بورغهام إلى "وجود نحو 40 مليون تركي أذري في إيران، واحتفاظ التيار التركي/الانفصالي القوي والعميق الجذور بوجوده وفعاليته بينهم. لذلك، ترى إيران دائماً في هذه القضية تهديداً لوحدة أراضيها وتبدي ردود فعل إزاءها، كما أن ظروف المنطقة تزيد من هذه الحساسية"، لافتا الى أن "السياق العرقي،عامل لا يمكن اغفاله في تحليل رد فعل طهران الأكثر حدة اليوم".
 
بفضل تدخلها المباشر في الحرب الأخيرة في ناغورني كراباخ إلى جانب باكو، وصل الوجود العسكري التركي إلى أقصى شرق إيران التي تشترك مع كل من أذربيجان وأرمينيا بحدود برية، وبالتالي، تنظر إيران إلى تركيا في ملف ناغورني كراباخ، بحسب بورغهام، "كطرف أصيل في الصراع لا كدولة مجاورة".
 
ويعتقد بورغهام أن "مع استمرار موقف أردوغان من كراباخ/أذربيجان على هذا النحو، ورفعه من حدة انعكاس هذا الموقف في خطاباته، ومع الأخذ بعين الاعتبار التوازنات الداخلية لإيران عشية الانتخابات الرئاسية، فقد تحدث أزمة بين البلدين مستقبلاً، ولكن ليس على المدى القصير".
وقال:"تعتبر إيران ان زيارة وزير الخارجية الأذري جيهون بيرموف طهران واعلان رسائل إيجابية لجهة تطوير العلاقات الثنائية، أزعجت تركيا والرئيس أردوغان، لذا ترى أن قصيدة أردوغان تهدف إلى تخريب العلاقات الإيرانية-الأذرية".
 
في وقت تشعر فيه تركيا بالحاجة إلى ارسال إشارات مطمئنة إلى واشنطن مع وصول بايدن القريب إلى البيت الأبيض، وتزايد الحديث عن تقارب محتمل بين الرياض وأنقرة بعد "غزل متبادل"، قد تشكل إيران أحد أهم عوامل جعل تركيا تغيّر سياستها الخارجية غير المحببة دولياً، نظراً الى حساسية الملف بالنسبة الى كل من الخليج والغرب، وسهولة المناورة فيه مقارنة بقضايا أكثر تعقيداً بالنسبة الى أنقرة كحقوق الغاز في شرق المتوسط أو العلاقة مع موسكو بأبعادها العسكرية والاقتصادية الكبيرة.
 
في المقابل، فإن أي انحسار لسياسة "الصغط الأقصى" الأميركية بحق طهران، سيحررها من الحاجة إلى تركيا التي تعتبر حالياً أهم متنفس لها من أجل الالتفاف على العقوبات وتأمين العملة الصعبة والذهب، وبالتالي يمكن توقّع مواقف أكثر حدية وشراسة ونهجاً أقل تحملاً لاستعراضات أردوغان الكلامية تجاهها، ما ينذر بحقبة من العلاقات المتوترة من دون وصولها إلى حد الصدام، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار فعالية اللغة القومية في الخطاب السياسي لأنقرة بالتزامن مع شدة التقارب الأذري-التركي، لأول مرة في تاريخ البلدين، على الداخل الإيراني.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم