إعلان

"النهار العربي" تقصّى خلفيات استقالة صهر أردوغان وانعكاساتها في "قصر السّلطان"

المصدر: النهار العربي
سركيس قصارجيان
اردوغان وصهره
اردوغان وصهره
A+ A-
أثارت استقالة وزير المالية التركي بيرات البيرق ضجة كبيرة في الرأي العام التركي، ليس من ناحية شكلها وتوقيتها فقط، بل لكون المستقيل "الصهر المدلل" للرئيس التركي رجب طيب أردوغان و"صندوقه الأسود"، بحسب تأكيد الإعلام التركي. وبرغم أن هذه الاستقالة ليست الأولى في هيكلية "حزب العدالة والتنمية" الذي شهد انسحابات مماثلة من شخصيات وازنة في مجلسه التأسيسي وتاريخه السياسي القصير، بدءاً من الرئيس عبد الله غول مروراً بوزير الخارجية ورئيس الوزراء أحمد داود أوغلو  ونائب رئيس الحكومة ووزير الاقتصاد في حقبة الرخاء الاقتصادي علي باباجان، وصولاً إلى رئيس البرلمان السابق بولنت أرينج قبل أقل من شهر، إلا أن خلفية البيراك العائلية والانشقاق الداخلي في عائلة أردوغان يجعلان من هذه الاستقالة الأهم بين كل ما ذُكر سابقاً.
 
بعد تقصٍ وبحث لمدة شهر، تمكّن "النهار العربي" من الوصول إلى معلومات عن كواليس  استقالة البيرق وخلفياتها تنذر بهزات سياسية في تركيا، التي بدأت فيها بوادر عودة المافيا إلى الساحة السياسة مجدداً، في ظل تراجع حاد في الهيكلية المؤسساتية للدولة، وتسرّب شهادات محرجة بحق الرئيس التركي وحلفائه من مسؤولين ورجال أعمال واستخبارات سابقين عن "الحقبة السوداء" لسياسة أردوغان في العقد الأخير.

أسباب الاستقالة المفاجئة شكلاً وتوقيتاً
 
كشف مصدر تركي خاص تحدث الى "النهار العربي"، شرط عدم الكشف عن اسمه، أن "مسيرة الاستقالة بدأت قبل أكثر من 6 أشهر باجتماع رموز من "العدالة والتنمية" مع الرئيس التركي، مشتكين من تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد، وحملوا له خطة إسعافية تتكون من بندين هما: إقالة الصهر من منصبه، والحوار مع الرئيس السوري بشار الأسد تمهيداً للتخلص من عبء نحو 4.5 ملايين لاجئ سوري مقيم في تركيا، لكن أردوغان رد على المطلبين بالرفض القاطع، مشيراً إلى استحالة التفكير حتى في الخطوتين المذكورتين".
 
فشلت جهود "العم والصهر" المتتالية، في إيقاف تدحرج كرة الاقتصاد الثلجية، في ظل مواصلة الدولار التحليق أمام العملة المحلية ووصول نسب البطالة والتضخم إلى مستويات قياسية، برغم الحملات الأردوغانية المتكررة لاستكشاف الغاز في البحر الأسود، وعجز "المال الساخن" القطري عن تعزيز ثقة الأتراك بعملتهم. ولعل الجملة التي قالها رئيس نقابة سائقي الباصات للرئيس التركي خلال جولته في مالاطية بأن "السائقين باتوا عاجزين عن شراء الخبز لعائلاتهم" تختصر كل ما ذكرناه حول الوضع الاقتصادي.
 
بعد فشل محاولات إقناع الزعيم بإبعاد صهره عن الاقتصاد في هذه المرحلة الحرجة، توجه كل من نائب أردوغان في رئاسة "العدالة والتمنية" نعمان كورتولموش والمتحدث باسم الحزب ماهر أونال، هذه المرة، إلى محاولة إقناع البيرق بالاستقالة. وبحسب مصدر حزبي رفيع المستوى في "العدالة والتنمية"، فقد جمع لقاء بين الشخصيات الثلاث في اسطنبول قبل شهرين أكد خلاله كورتولموش للصهر "سوء الأوضاع الاقتصادية واستياء النواب والقاعدة الشعبية للحزب من الوضع القائم".
 
ولّد هذا اللقاء شعوراً بالقلق لدى البيرق، الذي أحس بحرج موقفه، بخاصة أن المتحدث يعرف بقربه من أسرة أردوغان وولائه المطلق لعميدها، فقرر بعد أيام التوجه إلى أنقرة ودعوة نواب "العدالة والتنمية" لمناقشة الوضع الاقتصادي، في اجتماع كان بمثابة الضربة القوية "للصهر المتعجرف"، الذي تفاجأ بحضور 120 نائباً فقط من أصل 290، وهم من المحسوبين على صديقه المقرب رئيس كتلة "العدالة والتنمية" البرلمانية محمد موش، مقابل غياب نحو 170 نائباً من المحسوبين على نائب موش، بولانت توران، في رسالة واضحة برفضهم وجود البيرق على رأس الوزارة السيادية، تبعتها ضربة أخرى كان بطلها هذه المرة، عضو المجلس الاستشاري الأعلى في الحزب ورئيس البرلمان الأسبق (وقبله نائب رئيس الوزراء)، بولنت أرينج، أحد مؤسسي الحزب، الذي تحدث في اجتماع ضم نواباً ووزاء من أعضاء الحزب عن انتكاسة اقتصادية تمر بها البلاد.
 
شعر الرئيس التركي بحساسية الموقف، بعد تكرار الشكاوى من شخصيات نافذة ومعروفة بحبها له من الوضع الاقتصادي، فكلّف رئيس دائرة التخطيط الاقتصادي في القصر الجمهوري ناجي الباغ (الذي تسلّم وزارة الاقتصاد خلفاً للبيراك) بإعداد بيان موجز عن الواقع الاقتصادي ووضع البنك المركزي التركي.
 
صُدم أردوغان بأرقام الاقتصاد وودائع المصرف المركزي المعروضة خلال الاجتماع، الذي لم يدع  البيرق إليه، إذ جاءت المعطيات مغايرة تماماً للتقارير التي اعتاد حاكم المصرف موراد أويسال المحسوب على الصهر إرسالها الى رئيسه، ما دفع أردوغان الغاضب إلى إقالة أويسال وتكليف أغبال بدلاً منه، وعُقد اجتماع ضم أيضاً كلاً من أغبال والبيرق وعدداً من المستشارين الاقتصاديين، قدم خلاله الحاكم المعيّن حديثاً بياناً عن واقع الاقتصاد والبنك المركزي مجدداً، ما أثار رد فعل البيرق الذي صبّ جام غضبه على أغبال متهماً إياه بالكذب فنال توبيخاً من عمّه.
 
تقدم البيرق باستقالته بعد يومين من الحادثة، بتشجيع من والده صادق البيرق، أحد المفكرين الإسلاميين البارزين في تركيا، الذي اعتبر أن نسيبه يتجه نحو تحميل نتائج سياساته الاقتصادية الخاطئة لابنه، واختار حسابه الشخصي على "إنستاغرام" منصة لطلب إعفائه من منصبه، بدلاً من حسابه على "تويتر"، وذلك لأن من يديره هو المكتب الإعلامي التابع للرئاسة التركية أولاً، ولكثرة ردود الأفعال المعارضة له والمتهكّمة بقراراته على "تويتر" ثانياً، وكان لافتاً أن منشور الاستقالة نال آلاف الإعجابات بعيد دقائق من عرضه عبر المنصة.
 
اختفى البيرق، بعد تقديم استقالته، وفشلت محاولات الصحافيين الأتراك في التواصل معه، وسط معلومات لـ"النهار العربي" عن وجوده تحت ما يشبه الإقامة الجبرية في منزل والده في ترابزون على بعد آلاف الكيلومترات من اسطنبول، بالتزامن مع إغلاق جواله وحساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.
 
وبرغم الإعلان الصريح للاستقالة، إلا أن "توجيهات" صارمة لوسائل الإعلام التركية وردت بتجاهل الخبر، إلى حين ورود أوامر معاكسة، فغاب الخبر عن وكالة الأناضول والقنوات التلفزيونية في حينه، والصحف في اليوم التالي، برغم سيطرة شقيق بارات، سيرهات البيرق، الملقّب ببارون الإعلام التركي، على وسائل الإعلام التركية الخاصة، إضافة إلى نفوذه على الإعلام الحكومي عبر مسؤول التواصل في قصر أردوغان، فخر الدين ألتون، الذي يعتبر أحد أزلامه، وهو ما يدل على صدمة الرئيس التركي المتفاجئ بهذه الخطوة، وحالة الارتباك أمام أول استقالة ترمى في وجهه ومن أقرب المقربين.

انشقاق في قصر السلطان
وفي مشهد أشبه بقصص البلاط العثماني ومؤامرات "حريم السلطان"، يؤكد الصحافي جوهري غوفان لـ"النهار العربي" أن "انشقاقاً داخل عائلة السلطان ظهر منذ الاستقالة بين الرئيس التركي الغاضب من جهة، وبين صهره وابنته وزوجته الذين يمثلون الجبهة المقابلة في البلاط".
 
ويؤكد غوان تمّسك الزوجة ووالدتها بالصهر، ويقول: "كشفت تسريبات البريد الإلكتروني لالبيراك، في الفضيحة التي عرفت بالبايرات بوكس، مدى هيام ابنة أردوغان إسراء بزوجها، برغم خياناته المتكررة لها في بانكوك وميامي وفضيحة عارضة الأزياء التركية (أوزغي أولوصوي)، التي فجّرها وزير الداخلية سليمان سويلو منافس البيرق في النفوذ داخل حزب العدالة والتنمية"، مضيفاً: "البيرق مدلل أيضاً لدى أمينة زوجة الرئيس، التي تحبه على عشق ابنتها له، كما أنه حاز سابقاً ثقة العم بمبادرته السريعة خلال فضيحة الأموال المخبأة في منزل أردوغان، والتي نقلها بأقصى سرعة خوفاً من عملية مداهمة أمنية في حينه، وإتلاف الوثائق، على خلاف بلال، الابن المرتبك، الذي أثبتت المكالمات الهاتفية المسربة مع والده مدى خوفه وعجزه عن التصرف في الأوقات الحساسة".
 
ويعتقد غوفان أن "الخطأ الأكبر الذي ارتكبه البيرق خلال مسيرته السياسية، هو دخوله في المعترك الحكومي، بدلاً من توجهه نحو مناصب استشارية في دائرة الرئيس أو نيابته مثلاً" ويعزو السبب وراء ذلك إلى "عقدة النقص التي لدى البيراك من وزير الاقتصاد السابق علي باباجان، المعروف بمكانته داخل تركيا والاتحاد الأوروبي بفضل سياساته الاقتصادية الناجحة، فحاول تقليده، لكنه أغرق الاقتصاد التركي".
 
وبحسب غوفان، فإن البيرق الذي تسلّم منصبه حينما بلغت قيمة الليرة التركية 4.5 مقابل الدولار الأميركي وسلّمها متجاوزة عتبة 8.5 ليرات للدولار، "لم يكن إلا منفذاً لسياسات أردوغان الاقتصادية، مع هوامش اجتهاد ضيقة جداً، وانتقاده بشكل متواصل من جانب الأكاديميين والحكوميين سببه الخوف من تناول أردوغان، وبالتالي وجدوا في مهاجمة البيراك وسيلة ملتوية لانتقاد سياسات المخطط الأساسي. لذا فإن البيراك هو آخر شخص يمكن تحمليه مسؤولية التدهور الاقتصادي في ظل سياسات أمنية وعسكرية وقضائية واقتصادية أحادية، ومنفّذين معيار اختيارهم الحزبية والولاء فقط". 
 
ويرى غوفان أن "البيرق لا يمكنه العودة إلى الحياة السياسية قريباً، فأردوغان الغاضب منه لن يعيده إلى أي منصب قبل أن يمرّغ أنه في التراب"، ما يعني انتصار وزير الداخلية سليمان سويلو في الصراع الداخلي للحزب، وهو الذي نجح في إقصاء معظم رجالات البيراك داخل الحزب والدولة، كان آخرهم قائد شرطة اسطنبول، في حين ما زال الرابح من صراع البلاط مجهولاً، وسط توقعات "بعدم قدرة أردوغان على فتح جبهة جديدة داخل العائلة، في ظل وجود كل هذه الجبهات الخارجية التي يحارب عليها، وعدم وجود إمكان لديه لخسارة المزيد من الرجال وسط نزيف الولاءات الذي يعاني منه".
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم