إعلان

تركيا: "الشّعوب الديموقراطي" يرفض سياسة المعارضة "أصوات الكرد من دون حزبهم"

المصدر: النهار العربي
سركيس قصارجيان
متظاهرون مؤيدون لحزب "الشعوب الديموقراطي"
متظاهرون مؤيدون لحزب "الشعوب الديموقراطي"
A+ A-
تظهر التطورات على جبهة المعارضة التركية، حتى الساعة، نجاح استراتيجية تحالف السلطة في إبعاد حزب "الشعوب الديموقراطي" الموالي للأكراد في تركيا عن أي تحالف واسع للمعارضة. حرص "تحالف الجمهور" القائم بين حزب "العدالة والتنمية" وشريكه حزب "الحركة القومية"، طوال السنوات الماضية، على شيطنة "الشعوب الديموقراطي"، لحرمان الطرف الآخر من إمكان تعزيز أصواته بتحالف يضم الحزب الحاصل على نحو 6 ملايين صوت في الانتخابات الأخيرة.
 
يشير التوافق السداسي الذي توصلت إليه 6 أحزاب تركية معارضة الأسبوع الماضي، بغياب حزب "الشعوب الديموقراطي"، إلى فاعلية ضغوط السلطة ونجاحها في رسم حدود تحالفات المعارضة وتوجيه سياساتها، على الرغم من إدراك الأخيرة صعوبة وصولها إلى السلطة من دون أصوات القاعدة الشعبية الداعمة للحزب اليساري الأكبر في البلاد.

تحالف خجول
أثمر دعم حزب "الشعوب الديموقراطي" لـ"تحالف الأمة" الرباعي المعارض في الانتخابات المحلية الأخيرة، فوزه في أكثر من 11 ولاية تركية، بينهما أهم 3 متروبولات: اسطنبول وأنقرة وأزمير. لم يعلن الطرفان عن تحالف واضح وصريح في حينه، خدمة لأولوية كسر أجنحة الرئيس التركي المالية والاجتماعية، من خلال سلبه البلديات الكبرى ذات التأثير الكبير في أي استحقاق انتخابي قادم. اتّبع حزب "الشعوب الديموقراطي" تكتيك عدم تسمية مرشحين له في هذه البلديات، فاسحاً المجال أمام مرشحي المعارضة للاستحواذ على أصوات داعميه من الكرد واليسار التركي والأقليات التركية في هذه الولايات.
 
بعد الدفع المعنوي الكبير الذي اكتسبته المعارضة التركية بالفوز في الانتخابات المحلية الأخيرة، معززة بنتائج استطلاعات الرأي التي تشير إلى تراجع شعبية الائتلاف الحاكم يومياً، توالت تصريحات "الشعوب الديموقراطي" التي أكدت أن الخطوة السابقة تكتيكية وخاصة بالظرف السياسي في حينه، مشددة في الوقت ذاته رفض الحزب تعاطي التحالف المعارض معه بمبدأ "الزواج غير الشرعي" بسرية ومن تحت الطاولة، وتحويل ذلك استراتيجية دائمة.
 
وإلى هذا، قالت الرئيسة المشتركة لحزب "الشعوب الديموقراطي" بروين بولدان قبل عام : "قبلنا (بالتحالف السري) للفوز في انتخابات اسطنبول لمرة واحدة. التحالفات التي سيتم تشكيلها من الآن فصاعداً يجب أن تكون مفتوحة وشفافة. على حزب الشعب الجمهوري التخلّص من خجله".
 
أما نهج الحزب الأكثر وضوحاً فجاء على لسان أحمد تورك، إحدى الشخصيات البارزة في الحزب الذي قال: "لقد دعمناهم في الانتخابات المحلية، من دون دعمنا لم يكن بإمكانهم الفوز في الانتخابات المحلية في 10-11 ولاية. ينبغي على حزب المعارضة الرئيسي (الشعب الجمهوري) الكشف عن مشاريعه المستقبلية بوضوح. هذا ما يتوقّعه الأكراد منه. منطق وجود أصوات الكرد في الجيب لا يحل أي مشكلة".
 
يعتبر "حزب الشعوب الديموقراطي" حزباً مفتاحياً في انتخابات عام 2023. لذا فهو يحاول الحصول على دعمه عبر طرح صيغ مختلفة، لكنه يصطدم برفض شريكه الحزب "الجيد" للتحالف العلني مع "الشعوب الديموقراطي"، كما أن الخوف من خسارة أصوات القوميين والتيار المتطرف داخل قاعدته الشعبية يجعله متردداً في الإذعان لشروط "الشعوب الديموقراطي" الرافض للانخراط في أي تحالف خلف الأبواب المغلقة، كما كانت الحال في انتخابات الإدارة المحلية الأخيرة.

"الشعوب الديموقراطي" يمهّد بيد ويلوّح بالعصا بيد أخرى. وهو يعي حساسية موقف شركائه في المعارضة، لكنه في الوقت ذاته يعتبر استمرارهم في التهرّب من الظهور معه علناً انتقاصاً من مكانته الاعتبارية في الحياة السياسة التركية، وقيمة قاعدته الشعبية الوفيّة.
 
وبهدف تخفيف نتائح الضغوط التي تمارسها السلطة التركية على معارضيها، عبر ربط حزب "الشعوب الديموقراطي" بالإرهاب من خلال علاقته مع "حزب العمال الكردستاني" المصنّف إرهابياً من جانب أنقرة، وتحميله "مسؤولية دم أبنائنا الأتراك"، بادر الحزب الموالي للكرد إلى اتخاذ خطوات جريئة داعمة لمحاولات حزبي "الشعب الجمهوري" و"الجيد" لإيجاد صيغة تؤدي إلى كسب أصوات الكرد من دون خسارة أصوات القوميين.
 
يبدو أن خطة "الشعب الجمهوري" للوصول إلى الصيغة الرابحة تلك هي التمهيد لإقناع جمهوره بأن مفتاح حل المشكلة الكردية هو التوافق مع ممثل الشريحة الأوسع للكرد في تركيا: "حزب الشعوب الديموقراطي". وهكذا، فقد صرح رئيس الحزب كمال كيليتشدار أوغلو بأن "هناك حاجة إلى هيئة شرعية لحل المشكلة الكردية، هذه الهيئة هي حزب الشعوب الديموقراطي الممثّل في البرلمان"، وبالمعنى ذاته، قالت رئيسة حزب "الجيد" رداً على سؤال حول شرعية حزب "الشعوب الديموقراطي": "الحزب يتمتّع بشرعية قانونية".
 
تلقّف "الشعوب الديموقراطي" الإشارات المرسلة من قبل شركائه المعارضين، فأعلن وثيقة تكشف عن موقفه قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية لعام 2023، وكان اللافت في هذه الوثيقة المؤلفة من 11 بنداً التركيز على كون "البرلمان التركي عنوان حل المشكلة الكردية"، إلى جانب إطلاق "نداء من أجل العدالة والديموقراطية والسلام"، والالتقاء على المبادئ لتغيير نظام الحكم الرئاسي.
 
هذه الوثيقة جاءت بعد تصريح غير صائب للنائب عن ولاية فان في حزب "الشعوب الديموقراطي" سيزاي تيميللي، الذي أعلن قبل أسبوع أن "المحاور لحل المشكلة الكردية هو أمريلي"، في إشارة إلى زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان القابع في سجن منفرد في جزيرة أمريلي غير المأهولة منذ أكثر من عقدين، وهو التصريح الذي استثمرته السلطة استثماراً واسعاً لتأكيد ما دأبت الذهاب إليه من ربط الحزب بالعمال الكردستاني واعتباره جناحه السياسي في تركيا، ليردّ عليه رئيس حزب "الشعوب الديموقراطي" صلاح الدين ديميرتاش المعتقل أيضاً منذ أكثر من 5 سنوات من سجنه بالقول "حزب الشعوب الديموقراطي هو لاعب سياسي لديه إرادته المستقلة، وبالطبع هو المحاور (في المشكلة الكردية)".
 
وعلى الرغم من النداء الذي وجهه لـ"الشعوب الديموقراطي" "للالتقاء على المبادئ" بهدف تغيير نظام الحكم، إلا أن رئيسته المشتركة بروين بولدان لم تترددّ في الإعلان عن عدم سعي حزبها للانخراط في أي تحالف، قائلة "نؤكد بوضوح أننا لا نسعى للانخراط في أي تحالف"، في خطوة يمكن تفسيرها بالتلويح بالعصا في وجه الشركاء المترددين بالإقدام على نسج تحالف علني مع الحزب المربح.

معارضة يمينية تقصي اليسار
يشير الصحافي التركي مراد صابونجي الى أن "هذه هي المرة الأولى التي يعلن فيها حزب الشعوب الديموقراطي عن حل للمشكلة الكردية من دون ذكر أمريلي" في وثيقة حول القضية الكردية، معتبراً أن "موقف الرؤساء التنفيذيين والناخبين في حزب الشعوب الديموقراطي الذين لا يتخلون عن الديموقراطية، على الرغم من سجنهم وإقصائهم من مناصبهم التي وصلوا إليها عبر صناديق الاقتراع، عبر استبدالهم بشخصيات منتدبة من قبل الحكومة وممارسة الضغوط عليهم، هو أيضاً أمر مهم جداً".
 
ويرى صابونجي أنه "لا ينبغي للأحزاب التي تشكل تحالف الأمة أن تدير وجهها لهذه اليد التي يمدها حزب الشعوب الديموقراطي، والتي تشير إلى البرلمان كعنوان للديموقراطية. من ناحية أخرى، فإن حزب الشعوب الديموقراطي هو حزب سيؤثر على نتيجة الانتخابات بحوالي 6.5 ملايين ناخب".
 
ورداً على سؤال "النهار العربي" حول استبعاد التحالف السداسي لحزب "الشعوب الديموقراطي" حتى الآن، يقول صابونجي إن "التحالف السداسي المشكّل من أحزاب الشعب الجمهوري والجيد والمستقبل والديموقراطية والتقدم والسعادة، وحتى الحزب الديموقراطي الحائز 70 ألف صوت فقط (وكلها أحزاب يمينية)، مقابل استبعاد حزب الشعوب الديموقراطي الحاصل على 6.5 ملايين صوت تقريباً، وحزب العمال الممثّل حالياً في البرلمان، يفسّر بإقصاء اليسار من المعارضة، إذا ما استثنينا التيار الاشتراكي داخل الشعب الجمهوري".
 
مضيفاً "أود التذكير بتعريف ممتاز سويزال للدستور حيث يقول: ما يحافظ على الدساتير ليست الكلمات التي تحتويها، بل الحياة التي في خارجها، سؤالي للمعارضة السداسية هنا: هل الدستور الذي سيُعدّ باستبعاد ستة ملايين ناخب كردي هو مناسب للحياة في الخارج، مهما احتوت من كلمات رائعة؟". 
 
الشعار الذي يمكن اعتباره القاسم المشترك للمعارضة التركية هو "النظام البرلماني المعزز"، وتأتي أهميته من غياب إمكانية لاتحاد أحزاب المعارضة على أي أساس آخر. وفي ظل وجود العوامل المساعدة لفوزها في انتخابات 2023، والمتمثّلة بالأزمة الاقتصادية التي تزداد عمقاً يومياً، والاستياء الشعبي من الظروف الاقتصادية والمتّجه نحو انفجار اجتماعي خطير، والمشكلات السياسية مع الدول الحليفة والمجاورة، يبقى على هذه الأحزاب فقط الابتعاد عن المقاربات الأيديولوجية وانتهاج سياسات شعبوية خاسرة، والتركيز على الفوز الذي قد يصاحبه، إذا صحّت التصريحات الأخيرة، إطلاق مبادرات جدّية لحل المشكلة الكردية في البلاد، وسط تشبّث "الشعوب الديموقراطي" برفض المعادلة الحالية والمتمثّلة بـ"أصوات الكرد بدون حزبهم".
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم