إعلان

هل يوصل أردوغان تركيا إلى القمر في 2023؟

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال حديثه الثلاثاء عن برنامج تركيا الفضائي - "أ ب"
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال حديثه الثلاثاء عن برنامج تركيا الفضائي - "أ ب"
A+ A-

في الوقت الذي كانت الإمارات تحتفل بدخول مسبار الأمل مدار المريخ بنجاح، كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتحدّث عن إرسال مهمّة تركيّة إلى القمر في سنة 2023 ليتزامن مع الذكرى المئويّة الأولى لتأسيس الجمهوريّة التركيّة الحديثة. في الأوضاع الطبيعيّة، يخلق السباق إلى الفضاء تنافساً مطلوباً لمعرفة موقع الإنسان في هذا الكون وللاستفادة من الموارد الطبيعيّة الموجودة في كواكب المجموعة الشمسيّة. وبإمكان فهم طبيعة تلك الكواكب أن تؤثّر في فهم البشريّة لكوكبها الخاص.

 

على سبيل المثال، ثمّة دراسات تشير إلى احتمالات متفاوتة في أن يكون المرّيخ قد حمل حياة أوّليّة منذ ملايين السنين، خصوصاً أنّ خصائصه تشابهت مع خصائص الأرض في ما مضى. وعبر دراسة الغلاف الجوّي للمرّيخ، وهي المهمّة الأساسيّة لـ"مسبار الأمل"، بإمكان البشر أن يفهموا أيضاً طبيعة غلافهم الجوّيّة وديناميّات المسار الذي سلكه كلا الغلافين على مدى ملايين السنين.

 

تقدّمُ الإمارات

إنّ انتظار أردوغان نجاح الإمارات في إدخال مسبارها مدار المرّيخ ليعلن عن أهدافه يطرح علامات استفهام عمّا إذا كانت غايته علميّة أو جيوسياسيّة تهدف إلى خطف الأضواء العالميّة التي تسلّطت أمس على الإمارات والتأكيد على التفوّق التركيّ الإقليميّ. قال الرئيس التركي أمس خلال اجتماع تعريفيّ بـ"برنامج الفضاء الوطني" في أنقرة: "إننا نمهّد الطريق أمام انطلاق رحلة حضارتنا إلى السماء بعدما كانت رائدة لقرون طويلة في إرساء العدل والأخلاق والسلام على الأرض". وهذا هو واحد من عشرة أهداف وضعها برنامج الفضاء الوطني التركيّ ستتحقّق عل مدى عشر سنوات.

 

وقال أردوغان إنّ بلاده أنفقت حوالي 300 مليون دولار على القطاع المتّصل بالفضاء خلال السنوات الثماني عشرة الماضية. لكنّ الإمارات أنفقت 250 مليون دولار على "مسبار الأمل" فقط، وخلال أقلّ من نصف هذه المدّة. وأرسلت هزاع المنصوري كأوّل رائد فضاء إماراتيّ إلى محطّة الفضاء الدوليّة في أيلول الماضي بينما تطمح تركيا إلى إرسال أوّل رائد فضاء ضمن الهدف العاشر من أهداف "برنامج الفضاء الوطني". كذلك، أسّست تركيا وكالة الفضاء الخاصة بها سنة 2018، بينما تأسّست وكالة الإمارات للفضاء سنة 2014. وهذا يجعل الإمارات متفوقة على تركيا في هذا المجال. يفسّر ذلك إلى حدّ بعيد اختيار أردوغان الثلاثاء تحديداً للإعلان عن برنامج الفضاء التركيّ.

 

ماذا عن الموارد؟

لم يتطرق أردوغان إلى تفاصيل تنفيذ المهمّة لكنّه اتّصل الشهر الماضي بمؤسس شركتي "تيسلا" و "سبايس أكس" إيلون ماسك. وذكرت "تاس" الروسيّة أنّ رئيس وكالة الفضاء التركيّة سردار حسين يلدريم أعلن أنّ أنقرة في طور صياغة مسوّدة اتّفاق مع روسيا حول التعاون الفضائيّ. لكن ليس واضحاً ما إذا كانت تركيا تتمتّع بالموارد اللازمة لتحقيق هذا البرنامج، وخصوصاً الجزء المتعلّق بإرسال مسبار إلى القمر خلال أقلّ من ثلاث سنوات.

 

خلال السنة الماضية وحدها، فقدت الليرة أكثر من 20% من قيمتها أمام الدولار واستهلكت الحكومة التركيّة حوالي نصف احتياطاتها من الذهب لإبقاء الليرة مستقرّة. ووصل التضخم إلى حوالي 12% في آب الماضي. بعد فترة طويلة من اعتماد سياسات نقديّة "غير أرثوذكسيّة" قبِل أردوغان برفع أسعار الفائدة لكبح جماح انخفاض الليرة أمام الدولار. لكنّ ذلك قد ينعكس سلباً على الشركات الصغيرة والمتوسّطة الحجم بحسب الباحثين في "مجموعة أوراسيا" إيان بريمر وكليف كوبشان.

 

لا تخلو أجندة الرئيس التركيّ من البرامج والوعود الكبيرة. لكنّ إمكانيّة تنفيذها تخضع لعوائق عدّة. منذ ثماني سنوات تقريباً، أطلق حزب العدالة والتنمية "رؤية 2030" شملت أهدافاً لا تزال بعيدة من التحقّق كتخفيض نسبة البطالة من 11 إلى 5% وإدخال تركيا في مجموعة أقوى عشر اقتصادات عالميّاً وتعزيز صناعتها التكنولوجيّة والعسكريّة.

 

خسائر عسكرية وسياسية

حتى قبل انتشار الجائحة، وصلت نسبة البطالة في تركيا إلى 13.7% سنة 2019. وعلى المستوى العسكريّ، تتكبّد تركيا خسائر بارزة بعد شرائها منظومة "أس-400" الروسيّة. فهي لم تخسر مقاتلات أف-35 الحديثة وحسب، بل خسرت أيضاً عضويّتها في البرنامج الدوليّ بقيادة الولايات المتّحدة لتصنيع حوالي 970 قطعة من هذه المقاتلة. وستكلّفها خسارة هذه العضويّة 10 مليارات دولار خلال 10 سنوات. وقبل مغادرة الرئيس السابق دونالد ترامب البيت الأبيض فرضت إدارته عقوبات على جميع تراخيص وتصاريح التصدير لوكالة المشتريات الدفاعيّة التركيّة.

 

وسينعكس ذلك بشكل غير مباشر على قابليّة استبدال أو صيانة أسراب أخرى من مقاتلات "أف-16" التي تملكها. وتطلّعُ تركيا مجدّداً إلى روسيا لشراء أسطول من المقاتلات لن يترك أصداء إيجابيّة مع الرئيس جو بايدن الذي وعد في كانون الأوّل 2019 بدعم المعارضة التركيّة من أجل إسقاط أردوغان في الانتخابات. حتى قبل الوصول إلى تلك المرحلة، يمكن أن تفرض الإدارة الجديدة عقوبات أخرى وفقاً لقانون "كاتسا" مع ما ينتج عنه من تداعيات مالية وعسكرية على البلاد.

 

مع رحيل ترامب واقتراب مغادرة المستشارة الألمانيّة أنجيلا ميركل الساحة السياسيّة، قد لا يبقى للرئيس التركيّ شركاء كثر قادرون على حمايته في العالم الغربيّ. على العكس من ذلك، قد يصبح ماكرون أكثر قدرة في دفع الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات قاسية على تركيا بسبب سلوكها في شرق المتوسّط، بوجود بايدن في البيت الأبيض. وبحسب بريمر وكوبشان من "مجموعة أوراسيا"، ستظل أنقرة معتمدة بشكل بارز على التمويل الغربي بالرغم من الجهود التركية الكبيرة للعثور على مصادر تمويل أخرى، ومن ضمنها الصين.

 

السؤال الأهم

تظهر جميع هذه المؤشّرات صعوبة تحقيق أردوغان هدفه بعد أقلّ من ثلاث سنوات، خصوصاً أنّ الشكوك تحوم أساساً حول الأهداف الأخرى الموضوعة منذ فترة زمنيّة أطول. علاوة على كلّ ذلك، يعاني الوضع التركيّ الداخليّ من اللايقين السياسيّ، بعدما طرح أردوغان فكرة تقدّمه وشريكه "حزب الحركة القوميّة" بصياغة مسوّدة لدستور جديد، علماً أنّ آخر تعديل طُرح على التصويت كان في 2017 فقط. لكن حتى مع وضع جميع هذه العقبات جانباً، ثمّة سؤال آخر يرتبط بتأطير الأهداف ضمن رؤية استراتيجيّة وعالميّة أوسع.

 

حين وضعت الإمارات نصب عينيها الوصول إلى المرّيخ، لم يكن حلمها مدفوعاً برغبة في التغطية على سوء الأداء الاقتصاديّ أم في تتبّع سياسة هيمنة إقليميّة، بعكس ما هي الحال عليه اليوم في تركيا. أدركت الإمارات محوريّة عالم الفضاء بالنسبة إلى مستقبل البشريّة كما بالنسبة إلى اقتصاد المعرفة وبرامج العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيّات (STEM) بشكل عام. ومن هنا، ينطلق السؤال الأساسيّ:

 

بِمَ تُفيد أو تستفيد تركيا لو تمكّنت فعلاً من إيصال مسبار إلى القمر في سنتين أو ثلاث أو أكثر، لكنّها في الوقت نفسه واصلت سياساتها التوسّعية شرقيّ المتوسّط؟



الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم