إعلان

أردوغان يحتفل في أذربيجان... لماذا قد لا تدوم الفرحة طويلاً؟

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
الرئيس الأذري إلهام علييف ونظيره التركي رجب طيب أردوغان في باكو  (ا ف ب)
الرئيس الأذري إلهام علييف ونظيره التركي رجب طيب أردوغان في باكو (ا ف ب)
A+ A-
"تُشكّل الزيارة مناسبة للاحتفال معاً بالانتصار العظيم". هكذا لخّصت الرئاسة التركية هدف زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان دولة أذربيجان التي وصل إليها أمس الأربعاء. دعمت أنقرة باكو في حربها ضد يريفان طوال ستة أسابيع من القتال بين الطرفين حول منطقة ناغورنو كراباخ انتهت بخسارة أرمينيا الأراضي التي سيطرت عليها في بداية تسعينات القرن الماضي. ووقّعت أرمينيا على اتفاق لوقف إطلاق النار مع أذربيجان رعته روسيا في العاشر من تشرين الثاني. وسيحضر أردوغان عرضاً عسكرياً بمناسبة الانتصار الذي حققته باكو على يريفان.

في حديث إلى "وكالة الصحافة الفرنسية" قال المحلل السياسي في مؤسسة "أطلس" للرأي ومقرها باكو إلهان شاهين أوغلو إنّه ما كان بإمكان أذربيجان تحقيق الانتصار العسكري من دون الدعم السياسي المفتوح الذي قدّمته تركيا. وأوضح أنّه لولا هذا الدعم لتمكّنت يريفان من الضغط على باكو لوقف القتال.

لم يتحقّق الفوز العسكريّ ليريفان بفضل الدعم السياسيّ التركيّ وحده. حسم الدعم العسكريّ موازين القوى لصالح أذربيجان، وخصوصاً بفعل المسيّرات التركيّة التي حيّدت الكثير من الأنظمة الدفاعيّة الأرمينيّة. وأرسلت تركيا مرتزقة سوريّين إلى باكو لمساعدتها في الحرب الميدانيّة، فيما تنكر أنقرة ذلك. لكن ثمّة العديد من الوكالات ووسائل الإعلام الغربيّة التي أجرت مقابلات مع أولئك المرتزقة. برز عنصر آخر ساعد تركيا على قلب المعادلة: الدور الروسيّ الضبابيّ في دعم حليفه التاريخيّ.


موسكو... بين المصلحة والتراجع
تملك روسيا قاعدتين عسكريّتين في أرمينيا وتشكّلان جزءاً من "معاهدة منظمة الأمن الجماعيّ" التي تجسّد النسخة الآسيويّة من "حلف شمال الأطلسيّ" (ناتو) وتضمّ ست دول من الاتحاد السوفياتي السابق. مع ذلك، لم تتحرّك روسيا لدعم حليفها، على الأقلّ، ليس بالمقدار الكافي الذي يمكّن يريفان من تجنّب هذه الخسارة. برزت الكثير من النظريّات التي تفسّر ذلك الواقع.

ترتكز إحداها إلى أنّ رئيس الوزراء الأرمينيّ نيكول باشينيان وصل إلى السلطة عبر "ثورة ملوّنة"، لهذا السبب برز حذر في الكرملين من التعامل معه. تُسقط هذه النظريّة من الحسبان أنّ هذه الثورة لا تشبه الثورة في أوكرانيا حيث أراد قسم كبير من الأوكرانيّين التوجّه غرباً والانضمام إلى الاتّحاد الأوروبّي والناتو. الثورة الأرمينيّة أقرب إلى الثورة البيلاروسيّة من حيث غلبة الأهداف الداخليّة المتعلّقة بالحوكمة والديموقراطيّة على ما عداها من الغايات الخارجيّة.

وتُسقط هذه النظريّة أيضاً أنّ روسيا سلّحت باكو منذ حوالي 12 عاماً، أي منذ ما قبل وصول باشينيان إلى السلطة بفترة طويلة. أبدت أرمينيا قلقها الكبير من بيع روسيا الأسلحة إلى غريمتها، لكنّ الروس كانوا يشدّدون على أنّهم يبيعون الأسلحة إلى كلا الطرفين ممّا يساعد في الحفاظ على التوازن الإقليميّ بحسب رأيهم. وهذا ما لم يحدث. كان لموسكو مصلحة في بيع الأسلحة إلى أذربيجان، الدولة النفطيّة الثريّة التي تشتري تجهيزاتها العسكريّة بالعملة الصعبة، على عكس أرمينيا التي كانت تحصل على الأسلحة الروسيّة عبر القروض.

وتبقى النظريّة التي تقول إنّ روسيا ببساطة لم تعد قادرة على فرض نفوذها في فنائها الخلفيّ كما كان عليه الأمر في السابق، وقبولها بمراقبين عسكريّين أتراك، بعد نفيها ذلك بداية، هو إحدى علامات ذلك.


"قادر على إيذائه"
يزور أردوغان باكو على وقع كلّ هذه التحوّلات التي استغلّها لترك بصمته في جنوب القوقاز. علاوة على ذلك، يسعى أردوغان إلى تضييق الخناق على جارته اللدود عبر دعم أذربيجان ذات الغالبيّة الإثنيّة التركيّة، والتي غالباً ما قال أردوغان إنّهما "شعبٌ واحد في دولتين". وترغب تركيا أيضاً بأن تصبح شريكاً لروسيا وفرنسا والولايات المتّحدة في "مجموعة مينسك" التي تمّ إنشاؤها خصيصاً لحلّ مشكلة إقليم ناغورنو كراباخ. وتتبع المجموعة "منظّمة الأمن والتعاون في أوروبا". لكن يبدو أنّ روسيا تعارض إدخال تعديل على هذه المجموعة وتدعمها فرنسا في ذلك.

ثمّة الكثير من المخاوف التي تدفع الروس إلى عدم القبول بإشراك تركيا في مجموعة مينسك. ربّما تكون العلاقات الروسيّة-التركيّة قد وصلت إلى ذروتها في السنوات السابقة، وهي تسلك مساراً انحداريّاً اليوم. "لا أعتقد أنّ بوتين وأردوغان مقرّبان من بعضهما كما كانا من قبل". هذا ما قاله المحلّل السياسيّ في شركة "غلوبال سورس پارتنرز" ومقرّها الولايات المتّحدة أتيلا يسيلادا لموقع "صوت أميركا". وأضاف المحلّل: "لذلك، أعتقد أنّ أردوغان يريد أن يُعلم بوتين أنّه قادر على إيذائه بالمقدار نفسه الذي يمكن بوتين إيذاؤه به ويريد استخدام النفوذ في قضيّة أذربيجان لانتزاع تنازلات في سوريا".


ماذا سيحصل بعد العودة إلى بلاده؟
من المرجّح أن يكون الكرملين في طور مراقبة توجّهات أنقرة استعداداً لاستلام إدارة بايدن السلطة في واشنطن. يُتوقّع أن يعتمد بايدن نهجاً متشدّداً إزاء الرئيس التركيّ، وهو ما أظهره خلال مقابلة مع "نيويورك تايمز" في كانون الأوّل 2019 حين قال إنّه سيدعم المعارضة التركيّة لإطاحة أردوغان في صناديق الاقتراع. برزت المؤشّرات الأولى لانعطافة تركيّة مع الولايات المتّحدة عبر إعراب وزير الدفاع التركيّ خلوصي آكار في 23 تشرين الثاني عن إيمانه بأنّ الناتو هو "حجر الزاوية" للسياسة الأمنية والدفاعية التركيّة وأنّ تركيا متطلّعة للعمل مع إدارة بايدن. إنّ تقرّباً تركيّاً من الغربيّين في عهد الإدارة الديموقراطيّة المقبلة لا ينبئ بأخبار سارّة للكرملين. لكنّه بالمقابل، يترك هامش مناورة أقلّ للرئيس التركيّ. ربّما يصل أردوغان إلى مرحلة يتوجّب عليه خلالها حسم خياره بين الناتو والعلاقة مع روسيا، بدلاً من انتقاء الخيارين معاً كما كان يحصل في عهد الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب.
 

معنى ذلك أنّ على أردوغان ترتيب أوراقه مع الاتّحاد الأوروبّي والولايات المتّحدة وإنهاء مغامراته الخارجيّة خصوصاً شرقيّ المتوسّط. ففي هذه المنطقة بالتحديد، يمكن أن يشهد أردوغان خسائره الأولى، على الأقلّ بحسب توقّعات مجلّة "إيكونوميست" البريطانيّة. ذكرت المجلّة أنّ للرئيس التركيّ "سبباً للاحتفال" حين يزور أذربيجان. "لكن بمجرّد أن يعود إلى وطنه، على السيّد أردوغان التعامل مع تداعيات مغامرة عسكريّة أخرى. في قمّة مقرّر لها أن تبدأ في العاشر من كانون الأوّل، سيقرّر القادة الأوروبّيّون ما إذا كانوا سيفرضون عقوبات على تركيا بسبب عمليّاتها في التنقيب ضمن المناطق الغنيّة بالغاز شرقيّ المتوسّط والتي تدّعي اليونان وقبرص أنّها جزء من منطقتيهما البحريّتين. السيّد أردوغان فاز على البرّ. قد يكون عليه التراجع في البحر"، تستنتج المجلّة نفسها.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم