إعلان

اتّفاق التجارة الحرّة بين لندن وأنقرة... ما حدوده الجيوسياسية؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
 رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون والرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال قمة حلف شمال الأطلسي في كانون الأول 2019 - الصورة عن موقع الحلف
رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون والرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال قمة حلف شمال الأطلسي في كانون الأول 2019 - الصورة عن موقع الحلف
A+ A-
إذا تمّ وضع الأزمة الوبائيّة التي تعاني منها بلاده جانباً، يمكن القول إنّ نهاية سنة 2020 كانت إيجابيّة على رئيس الوزراء البريطانيّ بوريس جونسون. فهو تمكّن من التوقيع على اتّفاق مع الاتّحاد الأوروبّيّ جنّبه خروجاً قاسياً منه. كذلك، توصّل إلى اتّفاق للتجارة الحرّة مع تركيا في إشارة إلى أنّ بلاده لن تكون معزولة دوليّاً في عالم ما بعد "بريكست". لكنّ هذين التطوّرين لن يجنّبا جونسون سؤالاً أساسيّاً: في الصراع بين الاتّحاد الأوروبّي وتركيا، كيف سيوازن سياسته الخارجيّة؟
 

"أهمّ اتّفاق" منذ 25 عاماً
قالت وزيرة التجارة الدوليّة البريطانيّة ليز تراس إنّ الاتّفاق يغطّي تجارة بقيمة 25 مليار دولار. وبريطانيا هي ثاني أكبر سوق للصادرات التركيّة ومعظمها من المعادن الثمينة والسيارات والمنسوجات والتجهيزات الكهربائيّة. وعلى الرغم من أنّ تركيا ليست عضواً في الاتحاد الأوروبّيّ، تملك الأخيرة اتّحاداً جمركيّاً معه. بالتالي، لم يكن بالإمكان التوقيع على الاتّفاق التركيّ-البريطانيّ إلّا بعد إنهاء اتّفاق ما بعد "بريكست" بين لندن وبروكسل.

من جهتها، قالت وزيرة التجارة التركيّة روهصار بيكجان إنّه لولا اتّفاق التجارة الحرّة بين البلدين لتعرّضت حوالي 75% من الصادرات التركيّة إلى الرسوم مع ما يعنيه ذلك من خسارة تصل إلى 2.4 مليار دولار. وسيضمن الاتّفاق التعرفات التفضيليّة لصالح 7600 شركة بريطانيّة تصدّر الآلات والحديد والصلب إلى تركيا. وثمّة حوالي 3 آلاف شركة بريطانية عاملة في تركيا.

كذلك، يلتزم الطرفان بمناقشات لتوسيع نطاق الاتّفاق كي يشمل الزراعة والخدمات خلال السنتين المقبلتين. وتعدّ بريطانيا خامس أكبر مستثمر أجنبيّ في البلاد. وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الاتّفاق بأنّه انتصار مزدوج للطرفين وبأنّه "أهمّ اتّفاق" منذ دخول بلاده الاتّحاد الجمركيّ مع بروكسل سنة 1995. ودخل الاتّفاق حيّز التنفيذ في مطلع السنة الحاليّة.


العنصر الجديد في المعادلة... بايدن
بحسب أكثر من مراقب، يمكن أن يساعد الاتّفاق التجاريّ في إبقاء بريطانيا الصديق الدوليّ شبه الوحيد لتركيا التي تزداد عزلتها بسبب سلوكها في شرق المتوسّط. وجدت أنقرة نفسها مؤخّراً تحت عقوبات أميركيّة وأوروبّيّة متوسّطة الشدّة بسبب صفقة "أس-400" مع روسيا، كما بسبب تنقيبها عن موارد الطاقة في مياه متنازع عليها مع اليونان وقبرص. وفي آذار، يمكن أن توسّع بروكسل دائرة عقوباتها على أنقرة.

مع دخول جو بايدن البيت الأبيض بعد عشرة أيّام، من المتوقّع أن يزداد "الخناق" الغربيّ على تركيا. في هذه الزاوية، يمكن أن تؤدّي لندن دور الوسيط بين أنقرة والعواصم الغربيّة. لكنّ الهامش الذي تتمتّع به بريطانيا في هذا المجال ليس واضحاً.

يأتي بايدن إلى السلطة وهو مصمّم على إعادة الدور القياديّ للولايات المتّحدة ضمن الأحلاف التقليديّة التي رسمتها بلاده على مدى عقود. حلف شمال الأطلسيّ (ناتو) يتصدّر هذه الأحلاف. لدى الإدارة المقبلة مروحة كبيرة من الأسباب التي تدفعها إلى عدم التراخي مع سياسة أنقرة في شراكتها مع موسكو، أبرزها الاكتشاف الأخير للخرق السيبيرانيّ الهائل الذي طال وزارات أميركيّة والذي يشتبه الأمنيّون في واشنطن بوقوف روسيا خلفه. من جهة ثانية، قد لا تكون بريطانيا نفسها مستسيغة للعلاقات التركيّة-الروسيّة العسكريّة، بسبب قضيّة تسميم الجاسوس المزدوج السابق سيرغي سكريبال على أراضيها.


"تحالف غير رسميّ"
لطالما كان الموقف البريطانيّ من السلوك التركيّ في السياستين الداخليّة والخارجيّة أقلّ نبرة من مواقف الدول الأوروبّيّة. يذكّر الباحثان البارزان في "مركز الإصلاح الأوروبّيّ" سام لوي ولويجي سكازييري بأبرزها. وقفت بريطانيا كواحدة من أهمّ المدافعين عن دخول أنقرة الاتّحاد الأوروبّيّ، كما شجبت سريعاً محاولة الانقلاب ضدّ الرئيس التركيّ سنة 2016.
 
وفي أوائل 2017، اتّفق الطرفان على مشاركة شركة دفاعيّة بريطانيّة في بناء مقاتلة لصالح القوّات الجوّيّة التركيّة. والتوغّل التركيّ في شمال شرق سوريا في تشرين الأوّل 2019 لم يُثر انتقادات بريطانيّة كما كانت الحال مع الأوروبّيّي. كذلك، كانت لندن أقلّ انتقاداً لسياسات أردوغان في ما يتعلّق باحترام حقوق الإنسان بالمقارنة مع العواصم الأوروبّيّة الأخرى. والأمر نفسه انطبق على موقف بريطانيا من دعم تركيا لحكومة الوفاق في ليبيا. وبينما شجبت فرنسا تدخّل تركيا في النزاع حول ناغورنو كراباخ، ظلّت بريطانيا صامتة.

هنالك رؤية تقول إنّ العلاقة بين البلدين ليست مجرّد علاقة إيجابيّة وتعاونيّة فقط. ثمّة تحليل يشير إلى أنّ الدولتين قد تكونان في طور عقد تحالف في إحدى أهمّ بؤر التوتّر الجيوسياسيّ في العالم. يرى الكاتب السياسيّ في موقع "إنفو بريكس" بول أنتونوبولوس أنّ هنالك بوادر "تحالف غير رسميّ" بين بريطانيا وتركيا إضافة إلى أوكرانيا في البحر الأسود لمواجهة روسيا. وقد ينخرط البريطانيّون في برنامج تصنيع مسيّرات "بيرقدار" التركيّة كما يمكن أن يرسلوا قوّات إلى ميناء ميكولاييف الأوكرانيّ. ويضيف أنّ الأطراف الثلاثة تتقاطع عند مناهضة روسيا، أقلّه في ملفّات محدّدة. وتنتقد أنقرة روسيا مراراً ما تزعم أنّه سوء معاملة لأقلّيّة التتار في القرم.


هل عمِلت بالنصيحة؟
هدفت بريطانيا منذ فترة طويلة إلى أن تكون لها مكانة "عالميّة" لا "أوروبّيّة". الاتفاقات التجاريّة الحرّة التي عقدتها مع أكثر من عشرين دولة ومن بينها تركيا أداة لتحقيق هذا الهدف. لكنّ هامش تقرّبها من أنقرة في السنوات المقبلة قد لا يكون واسعاً. إذا أراد بايدن تعزيز لحمة "الناتو" فسيكون هنالك صعوبة أمام البريطانيّين في تعزيز العلاقات الاستراتيجيّة مع أنقرة، خصوصاً إن لم تتخلّ الأخيرة عن صفقة "أس-400".

دعا لوي وسكازييري لندن إلى تحذير أنقرة من مغبّة مواصلتها السياسة الخارجيّة المتشدّدة وتشجيعها على الانخراط في حوار مع جيرانها لحلّ المشاكل، خلال تفاوضها مع أنقرة حول اتّفاق التجارة الحرّة. ليس واضحاً ما إذا كانت لندن قد أوصلت هذه المخاوف إلى أنقرة خلال المفاوضات. لكنّ تغاضي البريطانيّين سابقاً عن سلوك السلطات السياسيّة التركيّة داخل وخارج البلاد لا يقترح ذلك.

حتى ولو كانت لندن تولي أهمّيّة عليا إلى هذه الملفّات فربّما ستفضّل، كما الأوروبّيّون، رميها على كاهل الإدارة الأميركيّة الجديدة وتفادي أيّ صدام مجّانيّ مع أنقرة. لكن هل يعني هذا الأمر أنّ أيّ تشدّد أميركيّ تجاه تركيا في المرحلة المقبلة سينعكس تشدّداً بريطانيّاً تجاهها أيضاً؟ العلاقات التاريخيّة بين لندن وواشنطن ترجّح ذلك. كيفيّة إدخال تركيا هذا العنصر في حساباتها يبقى قيد المتابعة.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم