إعلان

هل يدفع كاوجي أوغلو قريباً ثمن تناقضه مع أردوغان؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أيار 2021 - "أ ب"
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أيار 2021 - "أ ب"
A+ A-

أثار الرئيس التركيّ رجب طيّب أردوغان قلق الأسواق مجدّداً، عندما أعلن الأسبوع الماضي أنّه يتوجّب تخفيض أسعار الفائدة خلال الصيف. أدّى ذلك إلى هبوط قيمة الليرة لتصل عند حدود 8.8 مقابل الدولار الواحد يوم الأربعاء في الثاني من حزيران (يونيو) الحالي. لأردوغان نظرة غير تقليديّة ترى أنّ أسعار الفائدة المرتفعة تحفّز التضخّم بدلاً من أن تكبحه. وقال الرئيس التركيّ: "إذا قمنا برفع عبء أسعار الفائدة عن الاستثمارات والأكلاف، فعندها سندخل مناخاً أكثر هدوءاً لأنّ أسعار الفائدة هي التي تسبّب التضخّم في المقام الأوّل". وللرئيس التركيّ سجلّ حافل في إقالة حكّام البنك المركزيّ الذين لا يلتزمون بسياساته، إذ بلغ عدد من أطاح بهم ثلاثة خلال أقلّ من عامين. ونوّاب الحكّام كان لهم أيضاً نصيب من مراسيم الإقالة.

 

وصل التضخّم في تركيا إلى 12.28% سنة 2020، ومن المتوقّع أن يواصل ارتفاعه إلى 13.6% خلال السنة الحاليّة. سجّل التضخّم في البلاد بعض التراجع الهامشيّ شهر أيار (مايو) الماضي، فوصلت نسبته إلى 16.59% مقابل 17.14% في نيسان (أبريل)، علماً أنّ توقّعات الأسواق رست عند 17.25%. لكنّ التضخّم بقي أعلى بكثير من هدف البنك المركزيّ في المدى المتوسّط وهو 5%.

 

وسجّلت نسب التضخّم ارتفاعاً متواصلاً من 14.03% في تشرين الثاني (نوفمبر) وصولاً إلى نيسان. وظلّت الليرة عند حدود 8.6% خلال الأسبوع الثاني من حزيران، على الرغم من تطمينات حاكم البنك المركزيّ شهاب كاوجي أوغلو من أنّ المخاوف بشأن خفضٍ سابقٍ لأوانه لأسعار الفائدة "غير مبررة". جاء هذا التصريح على الرغم من إشارة أردوغان إلى أنّه تحدّث مع كاوجي أوغلو عن ضرورة تخفيض الفائدة بين شهري تمّوز (يوليو) وآب (أغسطس) المقبلين.

 

تهرّب من المسؤوليّة

وصف أردوغان مرّة أسعار الفائدة بأنّها "لعنة" و"مصدر كلّ الشرور". وعبثاً حاولت الحكومة التركيّة طوال أكثر من سنتين خفض نسبة التضخّم لما دون 10%. وكان يلقي اللوم أحياناً على التجّار بسبب ارتفاع أسعار الغذاء وأحياناً أخرى على "إرهابيّي الغذاء" الأجانب.

 

في تموز (يوليو) 2018، عيّن أردوغان صهره بيرات البيرق وزيراً للخزانة آملاً تحقيق خفض في أسعار الفائدة والتضخّم في آن معاً. عندما لم يفلح بمهمّته، أعلن البيرق استقالته في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي لـ"أسباب صحّيّة". وأثارت خطوة وزير الخزانة السابق تساؤلات عدّة بما أنّها أتت عبر "إنستغرام" كما لم تُرفق بعبارة شكر إلى أردوغان. وتزامنت استقالة البيرق مع إقالة الرئيس التركيّ لحاكم البنك المركزيّ حينذاك مراد أويصال.

 

عيّن أردوغان ناجي إقبال بديلاً منه. لكنّ الأخير لم يُكتب له الصمود في منصبه لأكثر من أربعة أشهر. ففي 20 آذار (مارس) الماضي، أصدر أردوغان أمراً تنفيذيّاً بتعيين شهاب كاوجي أوغلو حاكماً جديداً للمركزيّ التركيّ. سبّب هذا التعيين انخفاضاً إضافيّاً في قيمة الليرة وصل إلى 15% يوم افتتاح الأسواق، بعدما تمّ اتّخاذ القرار يوم سبت مخافة انتشار الاضطرابات فيها. كذلك، سجّلت سوق الأسهم التركيّة الأساسيّة على مدى يومين أسوأ أداء لها منذ الأزمة المالية سنة 2008. ولم تتعافَ الليرة التركيّة منذ إقالة إقبال، إذ لا تزال عند خسارة تقدّر بـ 16% منذ آذار.

 

أقدم أردوغان على قراره بسبب رفع إقبال أسعار الفائدة بشكل تدريجيّ لكن قويّ، بينما كان كاوجي أوغلو من مناصري الفائدة المنخفضة. مع ذلك، لم يقم كاوجي أوغلو بخفض أسعار الفائدة عن المستوى الذي وصلت إليه في عهد سلفه، إذ لا تزال عند نسبة 19%. وبعد إقالة إقبال، اتّخذ أردوغان القرار نفسه بحق نائب الحاكم مراد جيتين كايا ليعيّن مصطفى دومان بديلاً له.

 

لجنة السياسة النقديّة... أيضاً ضحيّة؟

في لجنة السياسة النقديّة المشرفة على أسعار الفائدة، هنالك أربعة من أصل سبعة أعضاء لا يملكون خبرة طويلة في مجال عملهم، من بينهم كاوجي أوغلو الذي أصبح الحاكم الرابع للبنك المركزيّ التركيّ في خمس سنوات فقط. يعود ذلك إلى كثرة الإقالات والتعيينات التي يقوم بها أردوغان وفقاً لما يوضحه لـ"النهار العربيّ" النائب التركيّ السابق والمدير البارز لبرنامج تركيا في "مؤسّسة الدفاع عن الديموقراطيات" الدكتور أيكان إردمير:

"لقد أعاد أردوغان تشكيل أربعة من أصل سبعة أعضاء في لجنة السياسة النقديّة التابعة للبنك المركزيّ منذ 2020 كجزء من تدخّله الشديد في ما يُفترض أنّه مؤسّسة مستقلّة. يأمل الرئيس التركيّ أن يكون أعضاء لجنة السياسة النقديّة الذين اختارهم وحاكم البنك المركزيّ كاوجي أوغلو راغبين بتطبيق سياسته غير الأرثوذكسية في مكافحة التضخّم عبر تخفيض أسعار الفائدة".

وتابع إردمير: "بصرف النظر عن مدى ولاء أعضاء اللجنة النقدية لأردوغان، سيظلّ متوجّباً عليهم إيجاد توازن بين مطالب أردوغان اللاعقلانيّة وديناميّات السوق، محبطين طموحات الرئيس التركيّ في التخفيض الفوريّ لأسعار الفائدة. يؤدّي التوتّر بين الوقائع الاقتصاديّة ونظريات أردوغان غير الأرثوذكسيّة إلى المزيد من إعادات التشكيل في (المناصب العليا) ضمن البنك المركزيّ من قبل الرئيس التركيّ. لهذا السبب إنّ معظم أعضاء لجنة السياسة النقديّة يتمتّعون اليوم بأقلّ من ثلاث سنوات من الخبرة".

 

"تدمير ذاكرة"

بعد إقالة إقبال، توقّعت "مجموعة أوراسيا" العودة إلى السياسات النقديّة غير الأرثوذكسيّة التي ستغذّي اللايقين وتدمّر ثقة المستثمرين وتفرض ضوابط على رأس المال في نهاية المطاف. وأضافت المجموعة أنّ الصدام بين إقبال وأردوغان كان مرتقباً، لكنّه أتى في وقت أقرب من التوقّعات. اليوم، يبدو أنّ المؤشّرات تظهر وجود عدم رضا رئاسيّ على أداء كاوجي أوغلو. ويمكن أن يأتي الصدام بين الطرفين بأسرع من المتوقّع.

 

فالتناقض بين الرجلين في السياسة النقدية واضح، حتى أنّ المحلّل الاستراتيجيّ للأسواق الناشئة في شركة "بلوباي لإدارة الأصول" تيموثي آش قال إنّه ليس متأكّداً ممّا يُفترض بالناس أن يصدّقوه لدى سماعهم تصريحات الرجلين.

 

تزداد مؤشّرات الريبة تجاه العلاقة بين الرئيس التركيّ وحاكم المصرف المركزيّ التركيّ. فقبل ساعات على إعلان "حتميّة" انخفاض الفائدة خلال الأشهر المقبلة، أقال أردوغان أحد نوّاب حاكم البنك المركزيّ الأربعة، أوغوزخان أوزباش، وعيّن سميح تومان بديلاً عنه. وتومان هو مستشار لأردوغان ورئيس كلية الاقتصاد في جامعة "تيد" ومقرّها أنقرة. فهل كان ذلك رسالة ضمنيّة إلى كاوجي أوغلو بضرورة تنفيذ سياسة الرئيس قبل أن يلاقي مصير إقبال؟

يرى إردمير في ختام تعليقه لـ"النهار العربي" أنّ "هوس أردوغان بأسعار الفائدة دمّر ذاكرة والاتّفاقيات المؤسّسيّة للبنك المركزيّ التركيّ".

 

لكن ليس واضحاً ما إذا كان بإمكانه الاستمرار في السياسة نفسها من دون أضرار إضافيّة في سمعة البنك المركزيّ التركيّ. لهذا السبب، ستكون الإطاحة بكاوجي أوغلو صعبة. إذ من المرجّح أن تتعرّض الليرة التركيّة لمزيد الخسائر خصوصاً أنّ المدّخرين الأتراك فقدوا ثقتهم بالعملة المحلّيّة ووصل احتفاظهم بالعملات الصعبة إلى حدود قياسيّة سنة 2020 في وقت يبلغ الدين العام والخاص 440 مليار دولار معظمها مقوّم بالدولار. لغاية اليوم، كانت خدمة إقبال كرئيس للبنك المركزيّ هي الأقصر في رئاسة أردوغان. فهل يكسر كاوجي أوغلو هذا الرقم القياسيّ بأمر من الرئيس التركيّ؟

 

 

 

 

 

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم