إعلان

طوابير الخبز في تركيا تدحض الرواية الرسمية عن رخاء وامتنان

المصدر: النهار العربي
سركيس قصارجيان
من طوابير الخبز أمام الافران
من طوابير الخبز أمام الافران
A+ A-
 أضحت مشاهد الطوابير أمام مراكز بيع الخبز المدعوم مألوفة في مدن تركية لطالما شكّلت نقاط جذب لأبناء العائلات الفقيرة في الأناضول والولايات الشرقية، لغناها وتوافر فرص العمل والرزق الوفير فيها، كاسطنبول وأنقرة وأزمير وغيرها، في أوضح دليل على عدم صدق التصريحات والأرقام الصادرة عن الحكومة التركية حول "النمو الاقتصادي وصعود البلاد في صفوف الاقتصادات العالمية الكبرى".
 
وفيما تترنح الليرة التركية على أعتاب مستوى 14:00 مقابل الدولار الأميركي، وهو المستوى الذي اجتازته لبضع ساعات الأسبوع المنصرم، تشير التوقعات إلى تجاوزها سقف الـ15:00 بعد منتصف الشهر الحالي، مدفوعة بنية الحكومة التركية، بحسب مصادر مطّلعة، خفض الفائدة السياسية 100 نقطة أخرى في كانون الأول (ديسمبر) لتصبح 14% من دون أن تأبه لتحذيرات الخبراء الاقتصاديين.

القصر المنفصل عن الشّعب
على الرغم من التأثيرات السلبية المباشرة للأزمة الاقتصادية الحادة التي تعيشها تركيا على المواطن، إلا أن الرئيس التركي ومؤيديه لايزالون ينكرون بعناد وجود مشكلة اقتصادية من الأساس، معلنين كل من يقول "أنا جائع" خائناً، في مشهد يعيد إلى الأذهان قصص القصور الملكية المنفصلة عن واقع شعوبها.
 
في أيلول (سبتمبر) الماضي، شنّ الرئيس التركي أردوغان هجوماً لاذعاً على منتقديه على خلفية سياساته الاقتصادية قائلاً: "مواطني ممنونون جداً، لا يمكن تصديق أكاذيب هؤلاء (المنتقدين)". لكن إنكار الضائقة المعيشية للمواطن التركي من خلال إطلاق التصريحات لم يصمد في وجه إجراءات تعرّف اليها المواطن التركي لأول مرة. ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بصور قوارير الزيت المربوطة بالسلاسل، وعلب الجبنة المقيّدة بأجهزة الإنذار على رفوف صالات البيع خوفاً من سرقتها.
 
بعد أقل من شهر، فجّر الرئيس التركي قنبلة إعلامية جديدة، مصراً على إنكار الأزمة الاقتصادية في البلاد قائلاً: "في الوقت الذي باتت فيه رفوف المحال في الولايات المتحدة وأوروبا فارغة من المواد الغذائية، رفوف صالاتنا التجارية تعج بالمواد والمنتجات"، واتبع سياسة الإقناع تلك بزيارة لإحدى صالات تعاونية الائتمان الزراعي في اسطنبول، حيث أدلى بتصريحات عقب إنهاء زيارة التسوق قائلاً: "الأسعار مناسبة ولا وجود للغلاء كما يدّعون". تزامن هذا التصريح مع إجراءات صارمة اتُّبعت في معظم صالات البيع، بتحديد كمية السكر المتاحة للشراء بعلبة واحدة لكل زبون، بعد فقدانه من الأسواق نتيجة لارتفاع كلفة استيراده بالتزامن مع فقدان الليرة التركية قيمتها.
 
سيد القصير الجمهوري، لم يكن وحيداً في حملة العلاقات العامة تلك، فقد جاءت مساندة السيدة الأولى سريعة لدعم حملة زوجها، عندما نصحت أمينة أردوغان المواطنين بضرورة "التقليل من مقادير الطبخ، وعدم شراء الخضر والمواد الاستهلاكية إلا بالكميات الضرورية"، في نصيحة أشبه بقصة "ماري أنطوانيت وأكل البسكويت" الشهيرة.
أعقب ذلك تذكير الرئيس التركي بـ"رفاهية" الحياة التي بات مواطنوه يحظون بها في عهد "العدالة والتنمية"، إلى حد أنه "لم يبق أي مواطن في البلاد لا يملك سيارة أو أكثر، حتى نواطير الأبنية أصبحوا مالكي سيارات".
 
 
وهكذا غدا إنكار الأزمة نهجاً رسمياً في حكومة "العدالة والتنمية"، التي تلقّف أفرادها إشارات الرئيس التركي المتعلّقة بالسيارات وزحمة الرفوف ورخص الأسعار، لتتحول إلى أدوات مزاودة من أجل لفت انتباه الرئيس والحصول على رضاه. فجاء تصريح النائب في "العدالة والتنمية" عن ولاية كونيا خليل أتيميز الذي أكد أن كل مواطن لديه سيارة وأكثر، تبعته زميلته حسنية أردوغان، التي كذّبت في برنامج تلفزيوني "شائعات ارتفاع الأسعار" قائلة: "هناك زيادات صغيرة جداً جداً تكاد لا تكون ملموسة على أسعار بعض المواد"، بينما وقّعت النائبة عن ولاية قيصرية هولية نرجس على سابقة، حينما نشرت تغريدة تضمّنت أسعار مواد استهلاكية وصوراً تعود لقبل أعوام مدّعية كذب أقاويل الغلاء، لتثير موجة من الاستنكار عبر "تويتر" وردود أفعال غاضبة على التضليل المتعمد للنائبة. أما النائب عن الازيغ زلفو دميرداغ فقد دعا المواطنين إلى "أكل نصف كيلو من اللحم بدلاً من كيلوين، لأن أكل اللحم مضر بالصحة أصلاً".
 
تزامن ذلك مع ارتفاع الأصوات التي باتت تخوّن المعترضين على سياسات أردوغان الاقتصادية، واتهامهم بالتبعية ودعم الاحتلال وخيانة "معركة الاستقلال الاقتصادي" التي يخوضها الرئيس التركي. أعلن النائب أتيميز أن "انتقاد أردوغان يخفي وراءه أجندات دول استعمارية"، فيما رفع زميله النائب عن مانيسا أوغور أيديمير من حماسة الحرب "ضد الاستعمار والإمبريالية" مصرّحاً: "سنأكل البصل والخبز إن لزم الأمر، لكننا لن نستسلم للاستعمار"، أما مستشار أردوغان لشؤون الإدارة المحلية أوكتاي سرال، فقط نشر تغريدة عجّت بالذم والقدح لـ"المعارضة الخائنة"، متجاهلاً صور أبناء شقيقه داخل سياراتهم الفارهة وعلى متن يخوتهم السياحية، التي انتشرت في "تويتر" انتشاراً واسعاً غداة التغريدة المذكورة.

طوابير الخبز بين الفقر و"المسرحيّة"
لم تقتصر آثار تدهور العملية التركية على ظهور طوابير أمام نقاط بيع الخبز المدعوم فقط، بل انعكس على عادات المواطنين أيضاً. تختصر نور عثمان، ربة منزل من إزمير، في حديث الى "النهار العربي" التغيرات التي رافقت موجة الغلاء في حياة عائلتها بالقول: "راتبي أصبح مخصصاً فقط لدفع إيجار المنزل وفواتير الكهرباء والغاز، وراتب زوجي لا يكاد يكفي لضروريات المعيشة من مواد استهلاكية وتنقلات، شراء الملابس، السياحة، شراء قطع كهربائية أو إلكترونية جديدة باتت بمثابة حلم بالنسبة إلينا"، مضيفة: "تعال وتجول في إزمير لترى الناس الذين باتوا يشترون الخبز أو الكعك بنصف القطعة، والذين ينتظرون إغلاق سوق الخضر لجمع مخلفات الخضر والفواكه، لا تصدّقهم، نحن لسنا بخير".
 
أما سليمان القاطن في اسطنبول والبالغ من العمر 61 عاماً، والذي تحدّث إلى "النهار العربي" شرط عدم الكشف عن كنيته، فقد استهجن مطالبة المواطنين بالاقتصاد في تناول اللحوم والبذخ في المشتريات، قائلاً: "ليس هذا العدالة والتنمية الذي صوّت لها على مدى عقدين، هؤلاء بعيدون جداً من حياتنا نحن البسطاء، من قال لهم إن بإمكاننا تناول اللحم أصلاً؟ من يصطف على أدوار الخانات وصالات لعب القمار لن يشعر بأمثالي الذين يقفون لساعات تحت المطر لشراء الخبز المدعوم".
 
لكن عضو مجلس بلدية اسطنبول الكبرى عن حزب "العدالة والتنمية" محمد كاينار كان له رأي آخر حول "مسرحية طوابير الخبز"، حينما اتّهم في برنامج على شاشة "سي ان ان تورك" المواطنين المصطفين في الطوابير بأن "هدفهم ليس الحصول على الخبز، بل تصوير مقاطع فيديو تثبت روايات المعارضة حول وجود أزمة اقتصادية في البلاد"، فيما تساءل النائب عن "العدالة والتنمية" امري ايتي: "أين الفقر الذي يروّجون له، كل شاب في البلد لديه جوال بقيمة مئات الدولارات".
 
يجمع الخبراء الأتراك على أن الأزمة الحالية، تختلف عن كل الأزمات الاقتصادية التي اعتادتها البلاد قبل عهد "العدالة والتنمية"، فيما يقول المسؤول الحكومي السابق عن السياسات النقدية في عهد أردوغان، وعضو حزب "الديموقراطية والتقدّم اليوم" إبرهيم خليل جاناكجي: "هذه المرة نعيش أزمة مختلفة، أزمة التحول إلى فقراء أكثر".
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم