إعلان

أردوغان و"الراية المرفوعة" في الخليج... هكذا سيفيق من الوهم

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتحدث خلال حفل افتتاح مستشفي في اسطنبول - 5 أيلول 2020 - "أ ب"
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتحدث خلال حفل افتتاح مستشفي في اسطنبول - 5 أيلول 2020 - "أ ب"
A+ A-
في خطأ سياسيّ ودبلوماسيّ جديد، لكن غير مفاجئ، هدّد الرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان الدول الخليجية المعارضة لسياساته بالإشارة إلى "أنّنا سنواصل رفع رايتنا إلى الأبد في هذه المنطقة". وقال إنّ هذه الدول "لم تكن موجودة سابقاً، وربّما لن تكون في المستقبل". مع ازدياد العزلة التركيّة في أوروبا والمتوسّط وآسيا، ومع مراكمة التدخّلات العسكريّة الإقليميّة من دون أفق واضح لها، يصبح متوقّعاً سماع المزيد من هذه التصريحات الخياليّة على لسان الرئيس التركيّ. 

اصطدام الخيال بالواقع
تعود جذور الأزمة التي يواجهها أردوغان في سياسته الخارجيّة إلى تشابكها وتناقضها في آن مع أزمة البلاد الاقتصاديّة. إذا كان اعتماد سياسة خارجيّة أكثر تجرّؤاً يُعدّ قاعدة عامّة للأنظمة الأحاديّة من أجل التغطية على مشكلاتها الاجتماعيّة والاقتصاديّة، فلهذه القاعدة حدودها، خصوصاً بالنسبة إلى أنقرة: كلّما تعمّقت الأزمة الماليّة صعُب تمويل المغامرات الخارجيّة. 

هذا ما توقّعته الأسبوع الماضي كارولين روز، وهي باحثة في مؤسّسة الرأي الأميركيّة "جيوبوليتيكال فيوتشرز". فبسبب "العطب الهيكليّ" في النظام الاقتصاديّ، ستضطرّ تركيا إلى تحجيم تدخّلاتها الخارجيّة للحفاظ عليها في محيطها المباشر. بالتالي، ستحاول أنقرة التراجع عن أكثر التزاماتها كلفة في الأماكن البعيدة مثل القرن الأفريقي والخليج العربيّ بحسب روز. 

يعني هذا التحليل أنّ كلام أردوغان عن استمرار رفرفة الرايات التركيّة في الخليج العربيّ هو أوّل ما سينهار لدى اصطدامه بالواقع الاقتصاديّ المتدهور. وللمفارقة، يعود أحد أهمّ أسباب هذا التدهور إلى سياسات الرئيس التركيّ نفسه بمساعدة صهره وزير الخزانة بيرات البيرق.

عاصفة
في شرحه لـ"العاصفة الاقتصاديّة المثاليّة" التي ستواجهها تركيا، يشرح أوزليم البيرق في موقع "آسيا تايمز" أنّ البلاد تعاني من واحد من أكبر هروب للرساميل في دول العالم النامي منذ بدء انتشار وباء "كورونا"، بالاستناد إلى ميزان المدفوعات الذي ينشره البنك التركيّ المركزيّ. وأصبحت خيارات الأخير ضيّقة مؤخّراً بفعل إصرار أردوغان "القصير النظر" على الدفاع عن قيمة الليرة، واعتماد صهره خطوات "تجميليّة" عبر إبقاء الفوائد منخفضة وتوسيع الائتمان ما دام ذلك ممكناً. 

وذكر الكاتب أنّ توفير الائتمان الرخيص للأعمال والعائلات كان الحلّ التلقائيّ الذي استخدمه نظام أردوغان، لكنّه يبرهن عن عدم قابليّة الاستدامة. ويتمّ إبقاء الفوائد منخفضة، ما يضغط أكثر على الليرة التي فقدت 87% من قيمتها من أيّار (مايو) 2018 وحتى أواخر آب (أغسطس) 2020، كما يشجّع على هروب المزيد من الرساميل. وبما أنّ تركيا تقدّم فوائد سلبيّة، سيتغذّى مسار الدولرة أكثر فأكثر. ورأى أنّ "لعبة بونزي" هذه خطيرة وقد تمّ فرضها على الأعمال والعائلات عبر استخدام البنوك العامّة. 

الإيديولوجيا وتكرار الماضي
ثمّة كلام منسوب للفيلسوف الأميركيّ جورج سانتيانا حول أنّ "أولئك الذين لا يستطيعون تذكّر الماضي محكومٌ عليهم بتكراره". اللافت للنظر في هذا الإطار، أنّ أردوغان يعيد تكرار مشكلات خمسينات القرن الماضي في تركيا، كما المحاولات الخاطئة لعلاجها. هذا ما سلّط الضوء عليه الكاتب السياسيّ جون لوبوك في موقع "أحوال" التركيّ. 

فقد ذكر أنّ حكومة "الحزب الديموقراطيّ" عدنان منديرس أصبحت تسلّطيّة بمرور الوقت مع ارتفاع التضخّم من 3% سنة 1950 إلى 20% سنة 1957، كما حاول الحزب تغطية الفشل الاقتصاديّ عبر تغذية الشعور القوميّ حول قبرص. وبعدما خسر "الحزب الديموقراطيّ" انتخابات 1957، بدأ اللعب على الوتر الدينيّ واتّهام خصومه بـ"الكفّار". وإذا كانت الحزمة الإنقاذيّة لصندوق النقد الدوليّ سنة 1958 قد حسّنت الاقتصاد التركيّ، فإنّ أردوغان لا يحتاج لحزمة كهذه حالياً بشرط إعطاء الاستقلاليّة للبنك المركزيّ كي يرفع أسعار الفائدة. لكنّ هذا ما لا يبدو أنّ إيديولوجيا الحزب الحاكم ستسمح به، وفقاً للوبوك.

العرب قادرون على إيذائه
يبدو أنّ متنفّسات الاقتصاد التركيّ تنقطع الواحد تلو الآخر. لفيروس "كورونا" نصيبه في منع السيّاح الأجانب من إنعاش قطاع الخدمات في تركيا والذي وفّر عائدات بقيمة ناهزت 35 مليار دولار سنة 2019. ومنذ ثلاثة أسابيع، خفّضت وكالة "موديز" التصنيف الائتمانيّ لتركيا من "بي1" إلى بي2" مع نظرة مستقبليّة "سلبيّة". وهذا دافع إضافيّ للمستثمرين الأجانب كي يمتنعوا عن الاستثمار في تركيا بعدما كانوا يمثّلون في السابق 40% من سوق السندات والأسواق في تركيا. بينما يمثّلون 5% منها اليوم فقط.

إنّ استفزازات أردوغان لمعظم دول الخليج العربيّ سترتدّ سلباً على اقتصاده، وفقاً لما يسرده الاقتصاديّ التركيّ مصطفى سونميز في موقع "ألمونيتور" الأميركيّ. "إنّ مقاطعة عربيّة تأتي على رأس المشكلات الاقتصاديّة الموجودة في تركيا قد تبرهن جيّداً أنّها مؤذية". وأضاف: "وسط انهيار دراميّ للّيرة التركيّة وهجرة المستثمرين الأجانب، لا يستطيع الاقتصاد التركيّ أن يتحمّل أيّ خسائر جديدة في عائدات العملة الصعبة، في تدفّقات الرساميل الأجنبيّة، والسمعة، وبالتالي زيادة أخرى في علاوتها للمخاطر". ويبرز الضغط الذي يمكن أن يفرضه العرب خصوصاً في مجال الاستيراد. فالصادرات التركيّة إلى العالم العربيّ تتخطّى الواردات منه بصافي 22 مليار دولار.

أين تكمن معضلته؟
معضلة أردوغان أنّ سياساته الخارجيّة تقوده إلى الغرق في المشكلة التي أراد التخلّص منها، أو طمسها على الأقلّ، في البداية. يظهر ذلك في تحليل لـ"المعهد الدوليّ للدراسات الاستراتيجيّة" الذي يشير إلى وجود خطر في مبالغة أردوغان بقدرات بلاده، الأمر الذي يتركها هشّة أمام التمدّد الزائد ويزيد عزلته الدوليّة، وهي أمور يمكن أن تضعف الاقتصاد التركيّ أكثر وفقاً لتوقّعات المعهد. بذلك، تسلك تركيا مساراً انحدارياً: اقتصاد تركيّ أضعف يعني سياسة خارجيّة أضعف. وفي نهاية المطاف، سيتوجّب على أردوغان العودة إلى التهدئة إذا أراد إيقاف هذا المسار... وإلّا فسيكون عليه وحده تحمّل الصدمات الاقتصاديّة التي ستستمرّ بالمجيء على شكل موجات، وفقاً لما يترقّبه أوزليم البيرق.


الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم