إعلان

إينيوخوس 2021: رسائل لأردوغان في توقيت صعب

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
جزء من تدريبات إينيوخوس-2021 في اليونان - "أ ب"
جزء من تدريبات إينيوخوس-2021 في اليونان - "أ ب"
A+ A-

المشهد الجديد في شرق المتوسط يواصل التبلور. استضافت اليونان الشهر الماضي تدريبات "إينيوخوس 2021" العسكرية الجوية التي ضمت مروحة واسعة من القوى الغربية والإقليمية: الولايات المتحدة، كندا، إسبانيا، فرنسا، قبرص، الإمارات، وإسرائيل. لا شكّ في أنّ الرسالة الأولى خلف تلك التدريبات موجّهة إلى تركيا.

 

ليست التدريبات الأولى من نوعها. درجت اليونان على تنظيمها سنوياً منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي وهدفها تحسين إمكانية التشغيل البينيّ لمنظومتها العسكريّة ومنظومة حلفائها في حلف شمال الأطلسي. لكن التدريبات الأخيرة كانت أكبر من تلك التي أجريت في السنوات الماضية. هدفت الدول المشاركة في التدريبات إلى إظهار أنّ اليونان بعيدة من أن تكون معزولة في مواجهة جارتها تركيا.

 

إضافة إلى الدول المشاركة بشكل مباشر في التدريبات الجوية، أرسلت دول أخرى مراقبين إلى الحدث: النمسا، رومانيا، سلوفينيا، مصر والأردن. لهذا السبب، عُدّت تلك التدريبات الأكبر في أوروبا وشرق المتوسّط وهي استمرّت 17 يوماً. بالتزامن مع تلك التدريبات، وقّعت أثينا وتل أبيب اتّفاقيّة ستبني بموجبها إحدى الشركات الإسرائيلية مركزاً للتدريب الجوي في اليونان. بلغت قيمة العقد 1.6 مليار دولار. وسيتواصل تفعيل المركز على مدى 22 عاماً.

 

الولايات المتحدة

وصف قائد القوات الأميركية في أوروبا التدريبات بأنّها "مهمة عالية الوضوح" وهو توصيف يسلّط المزيد من الضوء على الرسالة المتوخّاة. بعد يومين على انتهاء تلك المهمّة، أجرى الرئيس الأميركي جو بايدن اتّصالاً بنظيره التركي رجب طيب أردوغان. كان ذلك الاتّصال الأول منذ دخوله البيت الأبيض. وهدفت المحادثة الهاتفية إلى إبلاغ أردوغان بأنّ بايدن سيعترف بالإبادة الأرمينية. لطالما تحاشى الرؤساء الأميركيون تلك الخطوة مخافة إغضاب أنقرة وتوتير العلاقات معها على الرغم من إطلاقهم وعوداً انتخابية حول الموضوع. بذلك، دوّن بايدن اسمه في خانة أوّل رئيس أميركيّ يفي بوعده في هذا الصدد.

 

جاء ردّ الفعل التركيّ منخفض النبرة. هذا على الرغم من أنّ الخطوة الأميركيّة قد تحثّ دولاً أخرى على التمثّل بها. لم يكن منتظراً أن يكون ردّ أنقرة قوياً، فالوضع الاقتصاديّ المتدهور مقروناً بمجيء رئيس أميركيّ متصلّب تجاه أردوغان تحديداً، لا يسمح بخطوة كهذه في المدى المنظور. في هذا الإطار، تضيف "إينيوخوس 2021" قطعة أساسيّة إلى المشهد الكبير المتشكّل في شرق المتوسّط. وكان لافتاً للنظر أيضاً مشاركة قاذفتي "ب-1 لانسرز" الضخمتين اللتين انطلقتا من الولايات المتحدة للتحليق فوق بحر إيجه. كانت واشنطن تستخدم هذا النوع من المقاتلات لقصف أهداف تابعة لتنظيم داعش.

 

فرنسا

أرسلت فرنسا إشارة جدّيّة أخرى إلى تركيا. بعدما وجّه أردوغان إهانات إلى نظيره الفرنسيّ إيمانويل ماكرون الخريف الماضي، تراجع عن لهجته الحادّة وأعلن أنّ مستقبل تركيا يكمن في الاتّحاد الأوروبي. لطالما أراد ماكرون فرض عقوبات على أنقرة بسبب سلوكها في سوريا وتحديداً في شرق المتوسّط. لكنّ ألمانيا بقيادة المستشارة أنجيلا ميركل تردّدت في ذلك. اليوم، ستغادر ميركل الحياة السياسية بعد أربعة أشهر، بينما لا يبدو أنّ هنالك مرشّحاً جدّيّاً قادراً على هزيمة ماكرون في انتخابات 2022 الفرنسيّة. لهذا السبب، قد يتمتّع ماكرون باليد العليا أوروبياً في تحديد سياسة بروكسل تجاه أنقرة في المدى المتوسط. وعلى أيّ حال، ليس أمراً عرضياً أن تكون المشاركة العسكرية الفرنسية في "إينيوخوس 2021" أكبر من المشاركات الأخرى.

 

كندا

مشاركة كندا حملت دلالات هي الأخرى. فبالتوازي معها، أعلنت أوتاوا في 12 نيسان (أبريل) إلغاء تصاريح تصدير السلع والتقنيات العسكرية إلى أنقرة. جاء ذلك بعدما أجرت كندا تحقيقات بيّنت أنّ استخدام تقنيات الطائرات المسيّرة (درونز) لم تتوافق مع الضمانات التي أعطتها أنقرة عن وجهة استعمالها النهائية. أتت الخطوة ردّاً على استخدام تركيا مسيّراتها في حرب ناغورنو كراباخ. واستخدمت تركيا لمسيّراتها كاميرات عالية الجودة وأنظمة استحواذ على الهدف صنّعتها شركة كنديّة. وكانت أوتاوا قد اتّخذت إجراءات مشابهة في تشرين الأوّل (أوكتوبر) 2019 بعد توغّل تركيّ في شمال شرق سوريا. وشمل الحظر 29 تصريحاً للتصدير ينطبق على مروحة واسعة من التجهيزات ومن ضمنها مكوّنات لإنتاج الطائرات والبرمجيات والبيانات التقنية لمحاكاة الطيران، إضافة إلى مكونات أسلحة وتجهيزات أقمار اصطناعية.

 

الإمارات

شهدت العلاقات الإماراتية-اليونانية تطوراً نوعياً خلال الأشهر الماضية. في تشرين الثاني (نوفمبر) وقّع الطرفان اتّفاقيّة شراكة استراتيجيّة عقب زيارة رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس الإمارات ولقائه بولي العهد الشيخ محمد بن زايد. وصفت أثينا الاتّفاقيّة بأنّها من بين أهمّ ما وقّعته منذ الحرب العالمية الثانية. وشملت الاتّفاقيّة بنداً للتعاون الدفاعيّ المشترك. بعد التوقيع على "اتّفاقات أبراهام" تعزّز دور الإمارات الذي تؤدّيه في شرق المتوسّط.

 

كذلك، عبر التعاون المتزايد مع اليونان، ومن خلال المشاركة في فاعليات إقليمية متنوّعة مثل "إينوخوس 2021"، "ميدوزا 2020"، وبصفة مراقب في "منتدى غاز شرق المتوسط"، يُتوقع أن تساهم الإمارات أكثر في الاستقرار الإقليميّ وحماية أمن شرق المتوسّط في مواجهة التوسّع التركيّ. وهي أرسلت أربع مقاتلات من طراز "أف-16" إلى جزيرة كريت لدعم موقف أثينا في نزاعاتها البحريّة مع أنقرة. ومن غير المستبعد أن تبيع بعضاً من تلك المقاتلات إلى اليونان، خصوصاً مع الاستئناف المتوقّع لإجراءات بيع مقاتلات "أف-35" إلى أبو ظبي. كذلك، شاركت الإمارات إلى جانب السعودية والبحرين ومصر وقبرص وفرنسا في منتدى فيليا شهر شباط (فبراير) الماضي الذي عُقد في أثينا.

 

السؤال الأساسي

لقد اكتسبت "إينيوخوس 2021" أهمّية خاصّة بسبب الأطراف المشاركة لكن أيضاً بسبب الإطار الزمنيّ الذي احتضنها. ففي نيسان (أبريل)، واجهت تركيا عدد كبيراً من المشاكل السياسيّة مع أطراف خارجية. الخطأ الديبلوماسي المحرج مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ثمّ العقوبات الكندية فالاعتراف الأميركيّ بالإبادة الأرمينية ليست سوى أحدث المشاكل التي واجهها الرئيس التركيّ في نيسان.

 

لم يكن آذار أقلّ حدّة من حيث الأزمات، مع إقالة حاكم البنك المركزيّ ناجي إقبال، وهو الحاكم المركزي الثالث الذي يقيله أردوغان خلال سنتين، إضافة إلى انسحاب أنقرة من اتفاقية اسطنبول لحماية النساء من العنف، وإقرار البرلمان التركي مشروع أردوغان لشقّ قناة في اسطنبول بموازاة مضيق البوسفور. وأطلقت الخطوة الأخيرة توتّراً داخلياً مع اعتراض عشرات الجنرالات الأتراك عليها إضافة إلى احتمال إثارتها مشاكل مع روسيا التي ترفض المسّ باتّفاقيّة "مونترو" حول الملاحة في مضيقي البوسفور والدردنيل. قد تكون التطورات الإقليمية والدولية غير مؤاتية وربّما صعبة على أنقرة. لكنّ السؤال الأساسيّ يتمحور حول معرفة السبب الذي يدفعها إلى تصعيب الأمور أكثر على نفسها.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم