إعلان

هل "ينفجر" الوضع بين تركيا وإيران في سنجار؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مستقبلاً نظيره الإيراني حسن روحاني، 2019 - "أ ب"
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مستقبلاً نظيره الإيراني حسن روحاني، 2019 - "أ ب"
A+ A-

احتدم الخلاف بين تركيا وإيران حول منطقة سنجار حيث تريد أنقرة التخلص من مقاتلي "حزب العمال الكردستانيّ" بينما ترى طهران في تلك المنطقة صلة وصل أساسية مع سوريا. شنّت تركيا عمليّات عسكريّة كبيرة ضدّ "حزب العمال الكردستانيّ" في جبال قنديل، خصوصاً عبر الطائرات المسيّرة. والآن تتوجّه أنظارها إلى منطقة سنجار. تتخوّف أنقرة من أن تصبح سنجار نقطة ترابط بين شمال شرق سوريا حيث يسيطر المقاتلون الأكراد الذين يشكّلون عصب "قوّات سوريا الديموقراطية" وجنوب شرق تركيا حيث تقطن الغالبية الكرديّة. ويقول أردوغان أنْ لا مشكلة لأنقرة مع الأكراد، لكنّه يستهدف "حزب الشعوب الديموقراطيّ" الذي يعدّ أكبر ممثّل لهذه الأقلّية في البلاد.

 

تمكّن "العمال الكردستانيّ" من ترسيخ نفسه بين الأقلّيّة الأيزيديّة بعدما ساعدها على مواجهة تقدّم داعش منذ حوالي ستّ سنوات. وفي الوقت نفسه، تمكّن من صياغة تحالف الضرورة مع الميليشيات الإيرانيّة التي سيطرت على المنطقة بعد طرد "الحزب الديموقراطيّ الكردستانيّ" منها. جاء ذلك عقب إطلاق رئيس الوزراء العراقيّ السابق حيدر العبادي عمليّة عسكريّة ضدّ الحزب بسبب مطالبته باستقلال إقليم كردستان عن العراق سنة 2017. وساعد "الديموقراطيّ الكردستانيّ" أنقرة في شنّ ضربات ضدّ "العمّال الكردستانيّ". وهذا ما عزّز التحالف بين الأخير وميليشيات الحشد الشعبيّ. ترى تركيا في هذا التحالف خطراً على أمنها القوميّ وتعزيزاً لقوّة "العمّال الكردستانيّ" بالقرب من حدودها. من هنا، يمكن فهم الإطار العام للتصعيد الديبلوماسي الذي وقع مؤخّراً بين أنقرة وطهران.

 

استدعاءات متبادلة

منذ حوالي أسبوعين، اتّهمت تركيا "العمّال الكردستانيّ" بإعدام 13 رهينة (12 تركيّاً وعراقيّاً واحداً) كان الحزب قد احتجزهم في منطقة غارا شماليّ العراق. وبعدما توعّد أردوغان "العمّال" بضربه سريعاً، ردّ السفير الإيرانيّ في بغداد إيرج مسجدي طالباً من القوّات التركيّة بألّا "تشكّل تهديداً أو تنتهك الأراضي العراقيّة". أطلق هذا الكلام ردّاً سريعاً من سفير تركيا لدى بغداد فاتح يلدز عبر تويتر كاتباً أنّ مسجدي هو "آخر شخص يحقّ له إعطاء تركيا دروساً" بشأن احترام حدود العراق. وبما أنّ مسجدي كان مسؤولاً سابقاً في الحرس الثوريّ، ينظر إليه البعض على أنّه أكثر من مجرّد سفير عاديّ لإيران داخل العراق.

 

بعدها، استدعت أنقرة السفير الإيرانيّ في تركيا كي تبلغه بأنّها تتوقّع من إيران الوقوف إلى جانبها في "الحرب على الإرهاب" موضحة أنّ تركيا تبلغ بغداد دوماً بخططها لاستهداف مسلّحي "العمّال الكردستانيّ". من جهتها، استدعت وزارة الخارجيّة الإيرانيّة السفير التركيّ في بلادها على خلفيّة تصريحات وزير الداخليّة التركيّ سليمان صويلو بشأن وجود "525 إرهابيّاً" (من حزب العمّال) في إيران. وشدّدت طهران على أنّها جدّيّة في محاربة الإرهاب رافضة تصريحات يلدز "غير المبرّرة".

 

تعقيدات

تملك تركيا تحت حكم "حزب العدالة والتنمية" حنيناً لاستعادة ما تسمّيه "الأمجاد العثمانيّة". وهي تعتبر أنّه بتحلّل السلطنة العثمانيّة، فقدت "ولاية الموصل" التي كانت جزءاً من تلك السلطنة حيث كانت "الولاية" تشمل اليوم إقليم كردستان. بالتالي، قد لا يكون الخوف من تمدّد "العمّال الكردستانيّ" بالقرب من حدودها الدافع الوحيد الذي يقف خلف إصرار تركيا على شنّ العمليّات العسكريّة في سنجار.

 

في هذا الوقت، نشرت ميليشيات عدّة من الحشد الشعبيّ الآلاف من عناصرها في سنجار خلال الأسبوعين الماضيين. ليس واضحاً ما إذا كان ذلك سيردع أنقرة عن شنّ عمليّة عسكريّة في تلك المنطقة. ففي السنوات القليلة الماضية، توغّلت تركيا في المناطق ذات الغالبيّة الكرديّة في سوريا، مثل عمليّة "غصن الزيتون" في عفرين (2018) و"نبع السلام" في تل أبيض (2019). لكن قبل شنّ هاتين العمليّتين، حصلت تركيا على ضوء أخضر ضمنيّ من روسيا والولايات المتّحدة. أمّا الوضع في العراق فهو أكثر تعقيداً. هناك، ستواجه تركيا إيران عسكريّاً وبغداد وواشنطن سياسيّاً، بما أنّ أيّ عمليّة عسكريّة ستزيد من غياب الاستقرار داخل العراق وهو على طريق الاستعداد لإجراء انتخابات تشريعيّة. علاوة على ذلك، يعدّ أيّ توغّل تركيّ في المنطقة ضرباً لـ"اتّفاق سنجار" الذي وقّعته بغداد مع حكومة إقليم كردستان في تشرين الأوّل الماضي للتخلّص من "العمّال الكردستانيّ".

 

تهديد جدّيّ أم ضغط معنويّ؟

من المؤكّد أنّ الإيرانيّين والأتراك الذين وجدوا الظروف مؤاتية للتعاون في مجالات شتى، كمسار "أستانا" في سوريا بقيادة موسكو، والالتفاف حول العقوبات الأميركيّة بين 2012 و2013، ودعم "حماس"، يستعدّون لفتح صفحة توتّرات جديدة أفقها غير واضح المعالم. لكنّ الأيزيديّين الذين بالكاد عادوا إلى ديارهم بعد تعرّضهم للقتل والتهجير على أيدي داعش في 2014، يواجهون تهديدات جديدة اليوم. حتى أنّ بعضهم بدأ يبحث عن شقق للإيجار في مناطق أخرى، تحسّباً لانطلاق نزاع جديد وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسيّة. ونقلت الوكالة عن المحلّل السياسيّ المقيم في سنجار ياسين طه قوله إنّ الواقع على الأرض أقوى من "اتفاق سنجار" وإنّ المنطقة تجمع جميع "الأجندات المتضاربة" والأفرقاء المتخاصمين إقليميّاً. وأضاف أنّ الوضع "معقّد ومتوتّر جدّاً"، وقد يؤدّي إلى "انفجار في أيّ وقت".

 

يبقى السؤال عمّا إذا كانت تركيا ستلجأ فعلاً إلى شنّ عمليّة كهذه، بما أنّ أردوغان كان يعمد إلى اتّخاذ مثل هذه الخطوات الإقليميّة للتغطية على الإخفاقات الاقتصاديّة في الداخل التركيّ. على الرغم من ذلك، قد تكون التهديدات التي أطلقتها تركيا مراراً بين كانون الثاني وشباط مجرّد ضغط معنويّ على حكومة مصطفى الكاظمي لتفعيل "اتّفاق سنجار" الذي كان يراوح مكانه خلال الأشهر القليلة الماضية. إلى الآن، يبدو أنّ المنطقة مفتوحة على كلّ الاحتمالات.

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم