إعلان

سلطوية أردوغان التركي ودرس ديغول الفرنسي!

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
أردوغان المستنجد بالتاريخ العثماني
أردوغان المستنجد بالتاريخ العثماني
A+ A-

توجد تركيا اليوم في قلب العديد من الأحداث والأزماتالإقليمية، من القوقاز إلى سوريا فشرق المتوسط وصولاً إلى ليبيا، إذ يحاول الرئيس التركي رجب طيب أردوغاناستعادة الخلافة العثمانية ويقدم تركيا كقوة إقليمية يصعب تجاوزها. في جانب من هذاالحضور نجد تركيا تدافع عن مصالحها الحيوية والاستراتيجية، لكن في الجانب الآخريظهر أن أنقرة، كغيرها، تريد أن تستثمر في حالة الفوضى التي يعيشها النظام العالمي بعدتراجع الدور الأميركي، لكن هل تستطيع الدولة التركية فعلاً أن تتحمل الثمن السياسي،العسكري والاقتصادي لحضور كهذا على الساحة الدولية؟.

 

شكل أردوغان، منذ وصوله إلى السلطة، ظاهرة خاصة في تاريخ تركيا الحديثة،ونموذجاً لتيار الإسلام السياسي في المنطقة، إذ نجح في عبور حقول ألغام كثيرة فيبنية النظام السياسي بثقله الأتاتوركي العلماني الصارم، وهذا ليس سوى جانب منالصورة في تركيا، فالبلاد، وفق عدد كبير من المراقبين، تسير بخطى ثابتة نحو نظامسلطوي مغلق، على الأقل منذ التعديلات الدستورية التي حسمها حزب "العدالةوالتنمية" اعتماداً على غالبيته البرلمانية، من دون تقديم أي مبرر جدي ومنطقي لتحويلالنظام السياسي من برلماني إلى رئاسي، غير تمكين أردوغان من السلطة الفعلية،ما دام وضعه ساعتها لم يكن يسمح له سوى بأدوار رمزية وأخرى بروتوكولية كرئيس للدولة،وهو ما يعني أن دولة بحجم تركيا تحول نظامها السياسي بالكامل، إرضاء فقط لزعيمهاالوحيد والأوحد سلطان الزمان السيد أردوغان، بما يمكنه من الاستمرار في السلطة إلىحدود عام 2029.

 

ولا أحد يضمن ما يمكن أن يكون عليه الأمر بعد ذلك، فقبل سنوات ظهرأن أردوغان يعيش تضخماً كبيراً في "الأنا"، وبدأ يتحرر كثيراً من المحاذيرالتي طوق بها نفسه بخصوص خلفيته الإيدولوجية. وظهر ذلك جلياً في كثير من القوانينالتي تؤطر المجال العام. كما أن تراكم النجاحات الانتخابية، أنسى أردوغان أن الديموقراطية ليست فقط حكم الأكثرية، بل هيأساساً الضمانات التي تتوافر للأقلية، والشيء نفسه يمكن أن يقال على مستوى حريةالتعبير، وبخاصة حرية الصحافة، إذ بدأت تركيا تنحدر فعلياً في إتجاه السلطويةوالاستبداد بشكل يعيد إنتاج تجربة بوتين في روسيا. وشكل "قرار" أردوغانتغيير طبيعة النظام السياسي في البلاد، من برلماني إلى رئاسي بعد استنفاده عددالولايات المسموح له بها في رئاسة الحكومة، وتمكينه في المقابل من ولايتينجديدتين كرئيس للدولة بإختصاصات كاملة، دليلاً على أن الرجل بسط نفوذه الكليوالمطلق على حزب "العدالة والتنمية"،أولاً، وعلى مفاصيل كثيرة في هياكل الدولة.

 

أردوغان الذي بدأ إسلامياً يتحول اليوم مزيجاً يجمع الإسلام السياسي والقومية التركية، في استعادة للمزج الذي تم في إيران بينالثورة الإسلامية والقومية الفارسية، لذلك تجده لا يفلت النزاعات والمواجهات التيتثير المشاعر الدينية والقومية، ونموذج ذلك المواجهة الإعلامية المفتوحة التي عرفتهاالعلاقات التركية - الغربية على خلفية القرار القضائي/السياسي التركي تحويل متحفآيا صوفيا إلى مسجد، وهو فقط تعبير عن التوترات القادمة بين الدولة العثمانيةالجديدة وبين من يعتبرون، من دون أن يصرحوا بذلك، أن الاتحاد الأوروبي هو في الواقعنادٍ مسيحي مغلق.

 

تتعزز هذه القناعة عندما نستحضر أن دول الاتحاد اعترضت علىانضمام تركيا وذلك بعد أن فرضت شروطاً كثيرة عليها، بينما في المقابل، قبلت الدول نفسها بلدان المعسكر الشرقي سابقاً، باقتصادات ضعيفة جداً عكس الاقتصاد التركي، وكلمن كان يدور في فلك الاتحاد السوفياتي السابق، علماً أن تركيا كانت مؤهلة أكثر منغيرها للإنضمام إلى الاتحاد. ويظهر واضحاً أن مسألة الهوية الدينية وتبعاتهاالثقافية، كانا عاملين حاسمين في موضوع الانضمام الى الاتحاد، علماً أن تلك المفاوضاتالطويلة جرت قبل وصول حزب "العدالة والتنمية" وزعيمه أردوغان الى السلطة، إذ لم يشفعلتركيا كونها حليفاً للغرب في حلف الناتو وواجهة كانت دائماً متأهبة في مواجهةالمعسكر الشرقي بزعامة السوفيات.

 

قد نختلف أو نتفق مع القرار التركي بخصوص آيا صوفيا، لكن ردود الفعل التي صدرت من الغرب، كانت مبالغاً فيها بشكل كبير، بخاصة تلكالتي صدرت عن الدول الأوروبية، فإذا كانت تلك الدول تحذر اليوم من النزعةالإسلاموية لأردوغان وحزبه، فإن الواقع يشهد أن سياسات إقصاء تركيا من الفضاءالأوروبي في العقود الماضية، عززت تلك النزعة ولم تترك للأتراك غير هويتهم الدينيةوالقومية، كخط دفاع أخير لصون كرامتهم التي تم إذلالها في أشواط من المفاوضاتالطويلة مع الأوروبيين، فالرفض الأوروبي ساهم في تعزيز الهوية التركية ببعدهاالعثماني، إذ سعى الأتراك إلى إعادة اكتشاف بعد أساسي من هويتهم، تعسف عليه فيلحظة من اللحظات الراحل مصطفى كمال أتاتورك، هذا البعد هو البعد الإسلامي الذي جعله اتاتورك، بعد إعلان نهاية نظام الخلافة الإسلامية، مجردَ بعدٍ من بين أبعاد أخرى محددةللهوية التركية، بل وبعداً هامشياً ليس إلا، ومثلت محاولات كسر هذا التمثل الثقافيوالهوياتي، فرصة لصعود لافت لظاهرة أردوغان ومعه حزب "العدالة والتنمية"، الذي نجحفي ما فشلت فيه الحركة الإسلامية في تركيا منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، ألا وهو عدمالاصطدام مع المؤسسة العسكرية، وعدم المس بالهوية العلمانية للمجتمع والدولة، وعدمخلق بنية حزبية منغلقة إيدولوجياً والرهان الكلي على تحقيق النجاح الاقتصاديواستقطاب حلفاء جدد بخلفيات براغماتية وليست إيديولوجية محضة، فتحقق لأردوغان بهذهالوصفة السحرية، ما لم يتحقق لمن سبقوه من قادة الاسلام السياسي في تركيا، أما علىالمستوى الإقتصادي، فإنه حقق نجاحات غير مسبوقة ما ضاعف أعداد مناصريه ممن لا يتقاسمونمعه بالضرورة خلفيته الإيديولوجية، لكن الربح يقودهم للتحالف معه...

  

المواجهة المفتوحة التي يخوضها اليوم أردوغانمع الغرب بصفة عامة على جبهات عدة، هي عملية محسوبة بعائدها الانتخابي، اذ يراهنأردوغان على الفوز فيها، وهي مواجهة مشحونة بالعواطف ومجيشة للمشاعر، وهو كل مايطلبه أردوغان للفوز، لكن ليس الرئيس التركي هو فقط من يسعى للفوز بعائد هذهالمواجهة، بل حتى أولئك الذين ينتقدونه، أفراداً وجماعات.

 

أردوغان يمثل أساساً نموذجاً للصعود اللافتللشعبوية على حساب الديموقراطية التمثيلية، فهذا الصعود إلى جانب تيارات شعبويةأخرى حول العالم، يمثل أحد وجوه الأزمةالعميقة التي تعرفها الديموقراطية التمثيلية، ويبدو أن السنوات القادمة ستعرفتحولات جذرية في ما يخص مسألة السلطة وموقع الشعوب من شرعية ومشروعية المؤسسات التيتحدد مصيرهم، فاليقين المتزايد اليوم هو أن المواطنين يساهمون بصورة أقل في اختيارالماسكين بزمام السلطة وذلك بصفة متزايدة على مر السنوات التي تلت بصورة خاصة،نهاية الحرب الباردة.

 

القناعات التي تترسخ اليوم لدى طيف كبير من المهتمين وأيضاً لدى جمهورواسع من الفئات المختلفة في عدد من المجتمعات الغربية الديموقراطية وغيرها منالبلدان التي تتهجأ طريق الديموقراطية، أن أصواتهم في الانتخابات لا تؤثر بصفةحاسمة في مخرجاتها، سواء تعلق الأمر بالسياسات العمومية المتبعة أم في عدالة مايتحملونه من تكاليف لكي تستمر مؤسسات الدولة، ويبدو أن هناك قناعات متزايدة، بكونالدولة وجزء كبير من مؤسساتها واختياراتها، يعملان بمعزل عن مخرجات العملياتالانتخابية، بحيث تصبح الانتخابات فقط مظهراً خارجياً لديموقراطية افتراضية، بل تتحولالانتخابات مجرد تقنيات وآليات، من نجح في ضبطها، نجح في كسب نتائجها، وهو مانجح فيه حزب "العدالة والتنمية" في تركيا...

 

 لذلك ليس سراً أن اختصار الديموقراطية في الانتخابات الدورية، هواستعادة لما صنعته صناديق الاقتراع عندما قادت النازية للحكم عقب الأزمة الماليةوالاقتصادية العالمية الكبيرة لعام 1929، وقد يكون اليوم تصاعد النجاح الانتخابي لليمينالمتطرف وللتيارات الشعبوية في عدد من الدول الغربية، هو الثمن السياسي الذي تدفعهاليوم نتيجة الهزات الإرتدادية للأزمة المالية والاقتصادية لعام 2008، كما أنهتجدر الإشارة إلى الأعمال المهمة التي قاربت "الربيع العربي" من زاويةالاقتصاد السياسي في علاقة بالأزمة المالية والاقتصادية العالمية ذاتها، ولربماسيكون لجائحة "كوفيد-19" الأثر نفسه في الانتخابات التي سيعرفها العالم بداية منالانتخابات الرئاسية الأميركية الشهر المقبل.

 

إن هذه الأزمة التي تعرفها الديموقراطية فيصيغتها الليبرالية الغربية، ساهمت في ظهور ممارسات واختيارات في عدد من بلدانالعالم ومنها تركيا، تمهد لظهور بديل من الديموقراطية الليبرالية. قد يبدو الأمرمبكراً للجزم بقابلية تحول ممارسات معزولة تياراً فكرياً وفلسفياً قد يصبح اختياراً واعياً لدى العديد من الأنظمة السياسية، لكن تصاعد أزمة الديموقراطية في الغربوإنهيار أسسها الاجتماعية يساهمان في تسريع بلورة هذا البديل، والذي يُدعى اليومبـ" النظامية" كاختيار يعطي الأولوية للاستقرار وللتنمية الاقتصاديةوللعدالة ولتعزيز حضور القناعات والاختيارات الدينية، والشعور بالهوية الوطنية معالحد من حرية التعبير، وبصفة خاصة حرية الإعلام، هذا التوجه تعتبر فيه روسيابوتين، رائدة على المستوى العالمي، كما تشكل تركياً أردوغان نموذجاً صاعداً لها، علماً أن هذه التجارب تقوم على صناديق الاقتراع بصفة خاصة.

 

أردوغان قدم بالتأكيد أشياء كثيرة لتركيا منذوصوله إلى السلطة، وإستطاع أن يحقق إستقراراً مثالياً لسنوات طويلة، لكنه في النهايةيبقى بشراً يصيب ويخطئ، وخطأه الأكبر أنه لا يقبل سماع الرأي المخالف، وعندما تكونهذه الصفة في مسؤول من حجمه، وعندما يقلب نظام الحكم لمصلحته حتى لا يبقى في الهامشأو يعود إلى بيته، فإن ذلك يكشف عن تعطش كبير للسلطة هي بطبيعتها قابلة للإنحرافعندما لا تجد من يقول في وجهها كلمة "لا".

 

شارل ديغول كان رجلاً عظيماً في تاريخ فرنسا، إذ لا يمكن أن تذكر فرنسا، من دون الحديث عن ديغول. لقد استطاع الرجل أن يتجاوز ربيعباريس عام 1968 بخبرته وتجربته الكبيرتين، وفاز بالانتخابات النيابية التي أعقبتذلك الربيع، في وقت كان الجميع يعتقد أن الحزب الشيوعي الفرنسي سيستثمر تلكالأحداث لفائدته.

 

في عام 1969 دعا ديغول الشعب الفرنسي الى إستفتاءسعى من ورائه إلى إدخال تعديلات تهم عدداً من المجالات الحيوية، بل ربط إستمراره فيرئاسة الجمهورية بنتيجة التصويت. الفرنسيون كانوا يقدرون ديغول بلا شك، لكن جزءاً كبيراً منهم لم ترقه تلك الإصلاحات، فجاءت نتيجة التصويت بـ "لا" بنسبة52 في المئة، فما كان من الكبير ديغول سوى أن سارع لإعلان إستقالة في سطرين أمام ذهولالجميع: "أعلن توقفي عن ممارسة مهماتي رئيساً للجمهورية. يصبح هذا القرار نافذاً ظهر اليوم 29 نيسان (أبريل) 1969". بعدها بسنة فقط غادر ديغول الحياة للأبد تاركاً وصية هي الأخرى من سطرين، حيث طلب في الأول ألا يحضر جنازته رؤساء ولا وزراء، وطلبفي الثاني ألا يكتب على قبره سوى "شارل ديغول 1890-1970". 

 

مات ديغول رجلاً عظيماً، بينما آخرون لا يعرفونسبيلاً للنهايات الجميلة...

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم