إعلان

هل آن الأوان لأن تعيد أوروبا فتح سفاراتها في سوريا؟

المصدر: النهار العربي
سفارة الامارات في دمشق
سفارة الامارات في دمشق
A+ A-
 بقلم نامان كارل-توماس هابتوم*
"ناشيونال انترست"
 
لا ينبغي أن تكون إعادة فتح السفارات هدفًا في حد ذاتها، بل يجب أن تكون مجرد خطوة أولى للمساعدة في تطوير سوريا ما بعد الحرب وهو أمر حيوي ليس فقط لملايين السوريين المتضررين بشكل مباشر ولكن للشرق الأوسط وأوروبا أيضاً.
 
بعد مرور ما يزيد على 10 سنوات من محاولة إطاحة الرئيس بشار الأسد من السلطة، تواصل الحكومات الأوروبية تجاهل الحقيقة على الأرض في سوريا، التي تتمثل ببقاء الحكومة السورية على مدى المستقبل المنظور. وبدأ العديد من السفارات العودة إلى دمشق، بينما تغيب السفارات الأوروبية بشكل واضح. فهل حان الوقت لقادة دول شمال البحر المتوسط لتغيير مسارهم وإعادة الدبلوماسيين إلى سوريا؟
 
عندما يتحدث وزراء الخارجية الغربيون ومسؤولو الاتحاد الأوروبي عن سوريا، فإنهم غالباً ما يزعمون أنهم يتحدثون (إن لم يكونوا يتصرفون) نيابة عن بقية العالم. كان هذا هو الحال عندما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أمام البرلمان الأوروبي، أن الضربات الجوية في نيسان (أبريل) 2018 كانت «لشرف المجتمع الدولي». لكن هذا الشعور لا يتماشى بشكل متزايد مع الواقع. بصرف النظر عن روسيا والصين والهند التي لم تقطع علاقاتها مطلقاً بسوريا، فقد قام آخرون بالفعل بإصلاح الصلات معها. في عام 2011، عندما اندلع القتال لأول مرة، صوتت جامعة الدول العربية على تعليق عضوية سوريا، لكن العالم العربي يغير توجهه الآن بسرعة. ولم يقتصر  الأمر على دعم كل من مصر  والجزائر للدولة السورية بشكل صريح، ولكن دول الخليج مثل دولة الإمارات العربية المتحدة والكويت والبحرين أيضاً أعادت فتح سفاراتها مع رحلات مباشرة بين دبي ودمشق. وإذا كان بعض الداعمين السابقين للمعارضة السورية يستطيعون التخلي عن سياسة لم تكن صائبة، فلماذا لا يفعل الغربيون كذلك؟
 
في أوروبا، توجد بالفعل الرغبة في إعادة العلاقات الدبلوماسية في العديد من الأوساط. فقد عينت اليونان مبعوثاً خاصاً لسوريا في أيار (مايو) 2020، وبعدها  استاجرت قبرص   عقارا ليتم تحويله سفارة جديدة. كما لم تسحب جمهورية التشيك سفيرها أبداً من الدولة التي مزقتها الحرب وتواصل العمل كقوة حماية للولايات المتحدة. المجر و بولندا و النمسا و إيطاليا  ليست سوى بعض البلدان التي ألمحت إلى الرغبة في تبني سياسة جديدة من دون ان تعيد تطبيع العلاقات بالكامل مع سوريا. ومع مرور الوقت، فإن التمسك بـ«المتمردين المعتدلين» الوهميين الذين سيحلون بطريقة ما محل الدولة القائمة ليس أمرًا ساذجًا فحسب، بل إنه يمنع أيضاً المشاركة الفعالة والذكية في التطورات التي تحدث هناك.
وبينما تجرد الدنمارك  بعض  السوريين من تصاريح إقامتهم على أساس أن دمشق والمناطق المحيطة بها آمنة، فإن أغلب الحكومات الأوروبية تستمر في دفن رؤوسها في الرمال. لم تعد هناك جماعة معارضة رئيسية أو تحالف يهدد وجود الدولة في الوقت الحالي، بينما بدأت أفضل منظمة مسلحة غير حكومية، وهي قوات سوريا الديموقراطية التي يقودها الأكراد في شمال البلاد، تقاربها  الخاص مع  الحكومة. وتعترف الجهات الفاعلة المحلية بأن احتكار استخدام القوة يتركز بلا هوادة في أيدي السلطات المركزية.
 
وبالنسبة الى أسرة الأمم، من أجل التصدي لجميع التحديات الرئيسية التي تواجهها أمة شرق البحر الأبيض المتوسط، فإن العلاقات الدبلوماسية شرط أساسي. إعادة توطين اللاجئين، والتلقيح الشامل، وضمان استقرار لبنان، ومكافحة الإرهاب، من بين قضايا أخرى يمكن أن يحدث فيها وجود سفراء متمرسين على الأرض فرقاً حاسماً لسوريا ودول الجوار وأوروبا.
 
من تساعد السياسة الحالية؟ بصرف النظر عن اهتمام السياسيين بالقضية ورفضهم الاعتراف بفشل سياساتهم، من الصعب العثور على أي مستفيدين بخلاف هؤلاء الداعمين الأوائل لتغيير النظام. ومن نتائج عدم الوجود الأوروبي في المدينة القديمة انخفاض النفوذ، وانخفاض الذكاء، وزيادة عدم الأهمية.
 
لا ينبغي أن تكون إعادة فتح السفارات هدفًا في حد ذاتها، بل يجب أن تكون مجرد خطوة أولى للمساعدة في تطوير سوريا ما بعد الحرب وهو أمر حيوي ليس فقط لملايين السوريين المتضررين بشكل مباشر، ولكن للشرق الأوسط وأوروبا أيضاً. إن مشاريع المساعدة الممولة من وزارات الخارجية، مثل تمويل السفارة التشيكية ترميم دير دار الأيتام في سانت تكلا، توفر مدخلاً لشفاء الجروح والشكوك العميقة التي ظهرت بعد عشر سنوات من الحرب بالوكالة. على الرغم من أنه من غير المرجح أن تعود إلى مستويات ما قبل 2011 في أي وقت قريب، إلا أنها تستحق الجهد المبذول. 
 
ومع مئات المليارات من الدولارات اللازمة لإعادة بناء البلاد، فإن سوريا قد تشكل ساحة اختبار هامة لنوع جديد من إعادة الاعمار، نظرًا الى أن أي دولة لا تستطيع وحدها تحمل تكلفة هذه المهمة، وبالتالي فإن سوريا تشكل فرصة للمسعى الدولي الذي قد يجمع مختلف الدول التي دعمت أطرافًا متحاربة في الصراع. لماذا يجب على أوروبا، برأسمالها المالي والبشري، أن تقف مكتوفة الأيدي بينما يمضي بقية العالم إلى الأمام؟ كما أظهر صعود الحركات الجهادية في سوريا والوباء، القليل من التحديات المحلية أو حتى الإقليمية.
الحكومات الأوروبية ستضطر إلى مواجهة انتقادات من واشنطن إذا ما قامت بإعادة فتح سفاراتها في دمشق. ومع ذلك، تحمل الانتقادات لبضعة أيام هو أفضل من تكرار عقد من الفشل الدموي.
 
*نامان كارل توماس هابتوم هو نائب الرئيس الأول لمنتدى كامبريدج للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومدير التحرير في مجلة "المنارة"، وكاتب متخصص في السياسة الأمنية والشؤون الدولية.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم