إعلان

​وثائق سريّة تكشف اعتقال إسرائيل عائلات غزاوية في معسكرين في سيناء عام 1971

المصدر: النهار العربي
فلسطين- مرال قطينة
العائلات المعتقلة في باص الصليب الاحمر الدولي
العائلات المعتقلة في باص الصليب الاحمر الدولي
A+ A-
بعيداً عن الأنظار، وبتكتم شديد، أقامت إسرائيل عام 1971 معسكري توقيف واعتقال في شبه جزيرة سيناء المحتلة آنذاك، تم استخدام أحدهما لتوقيف عائلات انتمى بعض أفرادها الى حركة "فتح"، واشتبه بضلوعهم في تنفيذ عمليات وصفتها إسرائيل بالإرهابية، أما المعسكر الثاني فقد استخدم لتوقيف شبان عاطلين من العمل، كما  احتجز الجيش الإسرائيلي مئات الأطفال والنساء والرجال، ووضعهم في معسكرات موقتة في قلب الصحراء، وعزلهم عن العالم بعيداً عن منازلهم وعائلاتهم وحياتهم اليومية.
 
احتجز هؤلاء الأبرياء الذين لم يرتكبوا أي جنحة أو يتهموا بأي مخالفة لفترات متفاوتة في الكثير من الأحيان لأشهر طويلة، تحت ظروف وصفها الصليب الأحمر الدولي "بغير المحتملة"، وأغلقت إسرائيل هذه المعسكرات بعد مرور أقل من عام على إنشائها، بل اعتبرت بروتوكولات ومحاضر توثيق جلساتها سرية لمدة 50 عاماً وأكثر.
 
هذا ما كشفت عنه صحيفة "هآرتس" العبرية في أحد الملفات التي أطلقت عليها تسمية "أسرار تحاول إسرائيل التكتم عليها وإخفاءها". لقبت إسرائيل قطاع غزة بعد حرب الأيام الستة واحتلال الأراضي الفلسطينية عام 1967 بـ" عش الدبابير"، حيث خرجت منه عمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي والإسرائيليين، قُتل خلالها إسرائيليون وأشخاص اشتبه بتعاونهم مع إسرائيل، وعام 1971 نفد صبر إسرائيل واعتزمت القضاء على المقاومة والمقاومين (الإرهاب بحسب وصفها)، فقامت بحملة اغتيالات للمطلوبين، وهدم منازل وحظر تجول وتفتيش. كان هذا جزءاً بسيطاً مما حدث على أرض الواقع.
 
ونشرت الصحيفة الإسرائيلية تحقيقاً أرشيفياً أجراه "معهد عكيفوت" للأبحاث حول الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني حول المعسكرين. وبحسب "هآرتس"، فإن أحداً لم يتحدث عن هذين المعسكرين طوال هذه الفترة، واشتمل تحقيق "معهد عكيفوت" على وثائق وصور محفوظة في الأرشيف الإسرائيلي وأرشيف الصليب الأحمر الدولي وأرشيف الجيش الإسرائيلي، جعلت من الممكن تتبع إنشاء المعسكرين وإغلاقهما، وقد أقيم معسكر الاعتقال "أبو زنيمة" في خليج السويس، أما معسكر "نخل" فقد أقيم في قلب صحراء سيناء.
 
أما الذريعة وراء إقامة معسكري الاعتقال فكانت مقتل الطفلين الإسرائيليين مارك وابيجيل أوريو البالغين من العمر سبع وخمس سنوات، من كريات أونو بانفجار قنبلة ألقاها فتى فلسطيني باتجاه سيارة قرب مدينة غزة، وإصابة والدتهما بجروح خطيرة، وكانت العائلة في طريق عودتها من البؤرة الاستيطانية ناحال يام شمال سيناء.
 
 تداعيات الهجوم كانت بسبب هوية الطفلين اللذين كانا وجهين للإعلانات التجارية. كان قائد المنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي آنذاك أرييل شارون الذي توعد بالانتقام وبالقضاء على الإرهاب. بين عامي 1971 و1972، نفذت وحدات إسرائيلية خاصة عمليات اغتيال لفلسطينيين وتفتيش منازل وهدمها وفرض حظر التجوال، لكن هذا ليس كل شيء كما تظهر إحدى الوثائق التي  كُشف عنها، وهي عبارة عن بروتوكول اجتماع عقده المنسق الأول لأعمال الحكومة في الأراضي المحتلة شلومو غازيت مع مسؤولين في وزارة الخارجية. ويسرد المحضر تفاصيل الخطوات التي نفذها الجيش الإسرائيلي "للقضاء على الإرهاب"، كما لا يزال أرشيف الجيش يرفض الكشف عن معظم وثائقه وممارساته، ولم يرد أي ذكر عن تورط رئيسة الوزراء الإسرائيلية آنذاك غولدا مائير في أي وثيقة أرشيفية كُشف عنها.
 
شلومو غازيت
 
 
أُنشئ معتقل "أبو زنيمة" في 5 كانون الثاني (يناير) عام 1971، على بعد 300 كيلومتر جنوب مدينة غزة، ويحمل اسم المدينة التياقيم فيها جنوب غربي سيناء، على الشاطئ الشرقي لخليج السويس، نُقل أول المحتجزين اليه بعد فترة وجيزة من إقامته، وكانوا 59 فرداً من عائلة فلسطينية واحدة، في وقت لاحق من ذلك الشهر التقى ممثلون من الصليب الأحمر الدولي مع غازيت، وأعربوا عن قلقهم بشأن ترحيل سكان القطاع، أجابهم غازيت حينها بأن المحتجزين في المعسكر من أكثر 20 عائلة، وأضاف أنه تم ترحيلهم من غزة لأنهم يدعمون الإرهاب، في نهاية ذلك الشهر ارتفع عدد العائلات الى 27، بينهم عشرات الأطفال، في 26 كانون الثاني أطلع غازيت أعضاء لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست على هذا الموضوع، واستعرض الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل في قطاع غزة، والتي قال إنها "تشمل تدبيراً ثالثاً وهو نفي أفراد العائلة، لأن العائلة تعتبر مخبأً وتساعد الأبناء المطلوبين وتحذّرهم، بخاصة في منطقة مخيمات اللاجئين حيث من المستحيل البحث من دون أن يتمكن المطلوبون من القفز والاختفاء"، وأضاف غازيت: "أخذنا 27 عائلة مطلوبين الى معسكر أبو زنيمة، وتأكدنا أن في كل عائلة رجلاً واحداً بالغاً على الأقل حتى لا يكون عملنا مع النساء والأطفال فقط".
 
وزير الدفاع في تلك الحقبة موشيه دايان قال إن "نفي العائلات الى معسكر الاعتقال ليس عقاباً بل ردع لعائلات أخرى، هذا ليس لأنهم يوفرون مخبأً أو يساعدون مطلوباً للاحتماء، بل كي ترفض العائلات الأخرى انضمام أبنائها الى حركة فتح، وهذا أشبه بهدم البيوت، فنحن نهدم بيتاً حتى لو كان عضو فتح مستأجراً وليس مالكاً، ما يعرفونه في الخليل ونابلس وغزة هو أنه إذا انضم أحد ما الى فتح فإن البيت سيُهدم، وفي هذه الحالة سيتم نفي العائلة"، وأضاف دايان أن "هذه أفضل وسيلة ردع لدينا حتى الآن، هذا ما يحدث عندما لا ننجح في القبض على الرجل نفسه".
 
 
 
في شباط (فبراير) سمحت إسرائيل بزيارة مندوبي الصليب الأحمر الدولي المعسكر، حيث التقوا مندوبين عن 23 عائلة ضمت 123 فرداً، بينهم 87 طفلاً، جميعهم من سكان قطاع غزة. وكتب ممثلو الصليب الأحمر في مذكرة أرسلوها الى مقر المنظمة في جنيف: "جرم هؤلاء الأشخاص هو أن أحد أفراد عائلتهم اعتبر إرهابياً، لكن هل بإمكان الرضيع ابن 7 أشهر والوالدة البالغة 80 عاماً فهم سبب وجودهما هناك؟ المشكلة الكبرى هي الأوضاع النفسية، فالأشخاص هنا يأملون أن يكون نفيهم موقتاً".
 
احتج ممثلو الصليب الأحمر أمام غازيت على الظروف السيئة في المعسكر التي "تكاد تكون غير إنسانية"، فأجابهم غازيت بأنه جرى عزل العائلات "من أجل منعها من توفير مأوى لقريبها المطلوب لعلاقته بالإرهاب"، وادّعى غازيت أنه "بعد القبض على المطلوب يتم إطلاق سراح أفراد العائلة".
 
وتساءل رئيس وفد الصليب الأحمر في سيناء في تشرين الأول (أكتوبر)، إذا ما كان شلومو غازيت وأرييل شارون فقط مسؤولين عن هذه السياسة، ومن بإمكانه التأثير في المسؤول عنها موشيه دايان.
 
أما معسكر "نخل" أو "ناحال" فحمل أيضاً اسم المدينة التي أقيم فيها وسط شبه جزيرة سيناء، على بعد 7 ساعات بالسيارة من مدينة غزة، وقد خُصّص للشبان العاطلين من العمل غير المشتبه بهم في أي شيء. قال غازيت خلال جلسة الاستماع أمام أعضاء لجنة الشؤون الخارجية والدفاع: "الإجراء الثاني الذي اتخذناه وربما يكون أكثر راديكالية هو إجراء ضد العاطلين من العمل". وأضاف: "هناك 10 آلاف شخص غير مرتبطين بقطاع العمل، جزء كبير منهم أو معظمهم تتراوح أعمارهم بين 18-25-30، وجزء كبير منهم من متخرّجي الثانوية العامة الذين لم يجدوا حلاً وليس لدينا أي حلول لهم، اعتادوا متابعة دراستهم في الجامعات، واليوم أغلقت هذه الأبواب أمامهم". وبرر توقيفهم بقوله: "حرية تنقّل هؤلاء في الشوارع بينما تدعو حركة فتح الشباب الى الانضمام والتجند في صفوفها، تشكل خطراً في حقيقة أنهم يجوبون الطرق الرئيسة وبإمكانهم إلقاء القنابل اليدوية، أو أن يقوموا بأي عمل آخر".
 
كشفت أرشيفات الجيش الإسرائيلي، بالرغم من المعلومات الهامشية التي قدمها الى معهد "عكيفوت"، أن المحتجزين في المعسكر كانوا 161 طالباً ومهنياً تتراوح أعمارهم بين 16 و21 عاماً، وليس لديهم أي مهنة، وأن هدف اعتقالهم "وضع أعباء على نشاط المطلوبين، الضغط على سكان المخيمات الذين لا يعملون ولا يتعلمون بهدف تشجيعهم على الانتقال الى حياة منتجة في الضفة الغربية، هؤلاء العاطلون من العمل يتسكعون في المخيمات، وبالرغم من عدم وجود أي تهمة ضدهم سيتم اعتقالهم إدارياً وإرسالهم الى سيناء، وبالإمكان إطلاق سراحهم إذا عبّروا عن رغبتهم في الانتفال الى الضفة الغربية والعمل هناك".
 
وقال ممثلون عن الصليب الأحمر لغازيت بعد زيارتهم معسكر "نخل" إنه بالرغم من أن للمعتقلين حرية نسبية داخل معسكر الاعتقال قياساً بالسجون العادية، لكن موقعه في منطقة معزولة للغاية بعيداً عن أي نبات أو حيوان قد يؤدي الى مصاعب نفسية لدى المحتجزين في هذا المكان، فأجابهم غازيت باستخفاف وبسخرية "أن هذا الموضوع ملائم لبحث في علم الاجتماع".
 
وأُغلق المعسكران في العام نفسه وأعيد جميع المعتقلين في معسكر "أبو زنيمة" الى قطاع غزة، ولم ينفذ المعتقلون في معسكر "نخل" آمال إسرائيل بالانتقال الى الضفة الغربية.
 
قبل شهرين قُدّم مشروع قانون الى الكنيست يستند الى العقلية الإجرامية نفسها، ويقضي "بطرد أبناء العائلة المصغرة للمطلوبين لتستكمل رزمة الردع، فتقوم العائلات الفلسطينية بمنع إبنائها من مقاومة الاحتلال أو تنفيذ عمليات، وأن طرد العائلات الفلسطينية سينقذ حياة مواطني إسرائيل في المستقبل". 

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم