إعلان

ماذا يعني تكريس حرب غزّة هيمنة اليمين في إسرائيل؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
مشاهد من القصف الإسرائيلي الأخير على غزة - "أ ب"
مشاهد من القصف الإسرائيلي الأخير على غزة - "أ ب"
A+ A-

في صحيفة "جيروزاليم بوست"، تساءل الكاتب السياسيّ إريك مانديل عمّا إذا كانت الأحداث الأخيرة تعبّر عن "بداية أول حرب أهليّة بين اليهود والعرب في إسرائيل". في هذا التساؤل، ما ينقل القرّاء والمراقبين إلى زاوية أخرى من المشهد الملتهب في الأراضي المحتلّة. خطفت حرب غزّة الأخيرة الأضواء الإعلاميّة بالنظر إلى عنفها والدمار الناجم عنها وعدد الضحايا إضافة إلى صور الصواريخ والغارات المتبادلة. لكنّ الحرب لم تحجب، أقلّه ليس بشكل كامل، سلسلة التوتّرات داخل إسرائيل نفسها أي بين يهودها وعربها.

 

نتنياهو أقوى أم أضعف؟ لا فرق

قلبت الحرب على غزة المعادلة السياسيّة في إسرائيل. قبل اندلاع الانفجار الأخير، كان المعسكر السياسيّ المناهض لنتنياهو على وشك تشكيل حكومة واسعة الأطياف تضمّ اليمين واليسار إضافة إلى "الحركة الإسلاميّة - الجناح الجنوبيّ" بقيادة منصور عبّاس. بدا نتنياهو على طريق الخروج من رئاسة الحكومة الإسرائيليّة بعدما قضى فيها الفترة الأطول بالنسبة إلى أيّ سياسيّ إسرائيليّ.

 

بعد اندلاع الحرب، رفض رئيس حزب "يمينا" نفتالي بينيت تشكيل حكومة مع عبّاس بما أنّه يمثّل حركة قريبة من "حماس"، وعاود بينيت فتح الحوار مع نتنياهو، علماً أنّه خدم كوزير للدفاع في حكومته ما قبل الأخيرة. في هذا الوقت، قد يحاول رئيس حكومة تصريف الأعمال الإسرائيليّة إقناع عباس بالانضمام إلى حكومته، أو إقناع بعض الأصوات في المعسكر المناهض له بالانضمام إلى جهده. لغاية اليوم، يبدو التوجّه إلى صناديق الاقتراع للمرّة الخامسة في سنتين الاحتمال الأبرز.

 

من المرجّح أن تعبّر الانتخابات المحتملة المقبلة عن تأكيد رجحان الكفّة الانتخابيّة نحو اليمين. عرف هذا اليمين خلافات حول شخصية نتنياهو. بعد الحرب، من الممكن أن يعيد نتنياهو تقديم نفسه على أنّه القيادة الأبرز لهذا اليمين. استطاع رئيس الوزراء النجاح في المناورات السياسيّة التي خاضها في السابق من أجل تأمين نجاته. ومن المحتمل أن يكون في المرحلة المقبلة على موعد مع مناورة جديدة ناجحة. كلّ ما كان على نتنياهو فعله طوال السنوات العشر الماضية هو مراقبة الأحزاب الوسطيّة واليساريّة تأتي وتذهب، مع احتفاظه بالقدرة على جذب أحزاب اليمين الصغيرة إلى صفوفه.

 

الحرب مع غزّة تعزّز حظوظ نجاحه في الانتخابات المقبلة المحتملة، والأهمّ في هذا السياق، حتى وإن كان غير مرتبط مباشرة بحلقة العنف الأخيرة، اقتراب إدارة بايدن من العودة إلى الاتّفاق النوويّ بالتوافق مع إيران. ردم الهوّة الأميركيّة تدريجيّاً مع إيران هو عامل إضافيّ يخدم نتنياهو في المرحلة المقبلة. لكن حتى لو خرج نتنياهو من السلطة من المرجّح أن تكون الحكومة الإسرائيليّة المقبلة بقيادة يمينيّ وفقاً لما يتوقّعه الباحث المشارك في المركز الأوستراليّ للحضارة اليهوديّة التابع لجامعة موناش الأوستراليّة ران بورات. ويرى الأخير أنّ هذه الحكومات اليمينيّة عملت على إدارة النزاع لا على حلّه.

 

النتيجة الأكثر ترجيحاً لدورة العنف الأخيرة

قد لا تكون الحكومة اليمينيّة المقبلة عاجزة فقط عن الإتيان بحلّ للنزاع مع الفلسطينيّين. ثمّة عوائق كثيرة تمنعها من أن تكون فعّالة حتى في إدارة التعايش بين مواطنيها. يعيد هذا الواقع المراقبين إلى ما كتبه مانديل في صحيفة "جيروزاليم بوست" عن احتمالات الحرب الأهليّة الداخليّة في إسرائيل. يعتقد الأخير، بناء على مقابلات أجراها مع عدد من السياسيّين والناشطين الإسرئيليين العرب أنّ هؤلاء سيظلّون متعاطفين مع الفلسطينيّين خارج الخطّ الأخضر. ويضيف أنّه حينما سألهم عمّا إذا كانوا سيقبلون بهوية إسرائيل اليهوديّة لو تمّ تأمين جميع المحفّزات الاقتصاديّة لهم، أجابوا بالنفي. لكنّ التمييز الإسرائيليّ بحقّ العرب ليس اقتصاديّاً وحسب.

 

علاوة على ذلك، ذكّر الصراع الأخير وبطريقة خطيرة بمشكلة تقوية العناصر المتطرفة في المجتمع الإسرائيليّ بحسب الباحثة غير المقيمة في "المجلس الأطلسيّ" كارميال أربيت. وتضيف أنّ على إسرائيل اتّخاذ تحرّك فوريّ لتعزيز التجانس الاجتماعيّ والتصدّي للتطرّف اليهوديّ كما الترويج لاندماج مواطنيها العرب سياسيّاً واقتصاديّاً واجتماعيّاً. ومع توقّع مجيء حكومات يمينيّة في إسرائيل، سيكون مستبعداً تصدّي تلك الحكومات لهذه المشاكل.

 

حذّر السيناريست ومنتج الأفلام نواه ميلمان من تداعيات تحوّل إسرائيل، وخصوصاً حكومتها، نحو اليمين. فإعادة توحيد اليمين هي النتيجة الأكثر ترجيحاً لدورة العنف الأخيرة بحسب رأيه وهو يشكّل استكمالاً للغالبيات اليمينية خلال السنوات الماضية حتى ولو كانت منقسمة حول قيادة نتنياهو. المشكلة المستقبلية في إعادة التوحيد هذه بحسب ما كتبه منتج الأفلام نفسه، هي أنّها تتمّ عبر عدوانية تجاه جزء من المواطنين ممّا يعد بالمزيد من العنف. وهذا بدوره يعطي حركة "حماس" ما تتمنّاه من خلال إظهار نفسها أنّها الوحيدة القادرة على حماية عرب إسرائيل.

 

قد يكون هنالك بعض الفوارق في طبيعة اليمين الذي سيحكم إسرائيل في المرحلة المقبلة. تميّز الأكاديميّة في "مؤسّسة سنتشوري" داليا شاندلين بين اليمين الإسرائيليّ التقليديّ الذي يحترم المؤسّسات والقضاء، وفي مقدّمته جدعون ساعر وأفيغدور ليبرمان، واليمين الشعبويّ بقيادة نتنياهو الذي وصف "المؤسّسة" الإسرائيليّة إلى جانب اليسار ومنظّمات المجتمع المدنيّ بالخونة. مع ذلك، يتشارك هذان التيّاران في رفضهما للتنازلات السياسيّة والدولة الفلسطينيّة.

 

ومع افتراض خروج نتنياهو من الحكم، لن يتمكّن اليسار والوسط من تشكيل حكومة بدون اليمين التقليديّ. لهذا السبب، تخلص شاندلين إلى أنّه بإمكان إسرائيل وفلسطين أن تتطلّعا مستقبلاً إلى المزيد من جولات الحرب. لكن بحسب تحليلات أخرى أيضاً، يبدو أنّ جولات العنف لن تقتصر على الصراع الإسرائيليّ - الفلسطينيّ. يمكن أن يصبح الداخل الإسرائيليّ نفسه مشمولاً بها.

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم