إعلان

ماذا تعلّم حزب الله هذا الشهر ؟

المصدر: النهار العربي
العلم اللبناني وراية "حزب الله"
العلم اللبناني وراية "حزب الله"
A+ A-
 
 
يدرك "حزب الله"، كما الكثير من الإسرائيليين، أن إسرائيل لن تتحرك في لبنان من دون الحصول على ضوءٍ أخضر من واشنطن، وهو ما لن يحدث أبداً.
 
 
 في أعقاب الهجوم الصاروخي الذي شنه "حزب الله" على إسرائيل في 6 آب(أغسطس)، زاد احتمال أن يبدأ الحزب حرباً كبيرة.
 
وكان "حزب الله" قد هاجم إسرائيل بـ 20 صاروخاً لأن نتيجة هجوم "حماس" على الدولة اليهودية في ايار(مايو) أقنعت الجماعة التابعة لإيران في لبنان بأنها لن تكسب إلا من خلال الحرب.
 
فقبل ثلاثة شهور، شنت حركة "حماس" هجوماً صاروخياً ضد إسرائيل، وحرّضت مسلمي إسرائيل على ارتكاب مذابح ضد اليهود في مختلف مدن البلاد.
وجاء ردّ إسرائيل على عدوان "حماس" من خلال ضربات جوية دقيقة استهدفت قواعد الحركة، وبنيتها التحتية العسكرية، وآليات القيادة والسيطرة لديها.
 
ورغم الجهود المضنية التي بذلتها إسرائيل لكي تقتصر ضرباتها على الأهداف العسكرية، فإنها تعرضت للانتقاد واعتُبرت دولة عنصرية وغير شرعية، وهددها التقدميون في الكونغرس الأميركي بحظر الأسلحة. كما تعرّض بعض اليهود للهجوم في شوارع من لوس أنجليس ونيويورك، وصولاً إلى باريس ولندن. ومن جانب آخر، تمت الإشادة بحركة "حماس" حتى عندما أمطرت تل أبيب بالصواريخ، اذ تعهد المجتمع الدولي -وعلى رأسه إدارة بايدن- بتقديم مئات ملايين الدولارات إلى غزة على شكل "مساعدات إنسانية". وقد تلقت "حماس" حتى الآن وعوداً بنحو مليار دولار، وهناك عشرات ملايين الدولارات من الأموال التي تتدفق إليها بالفعل.
 
لكن قبل أن تشن "حماس" هجومها على إسرائيل كانت على شفا الانهيار الاقتصادي بعد أن بدّدت الموارد، ودمرّت البنية التحتية، وجففت قدرة سكان قطاع غزة الذي تحكمه منذ عام 2007 على كسب معيشتهم. أما الآن، وبفضل حربها العدوانية غير الشرعية الأخيرة ضد اليهود، أصبح لدى الحركة الموارد الاقتصادية اللازمة لإنقاذ إقطاعيتها الإرهابية.
 
بالنسبة لـ"حماس" -والمتحكمين بها من الإيرانيين، فضلاً عن وكيل إيران الآخر "حزب الله"- فإن الدرس المُستفاد من عدوان ايار الإرهابي هو أن مهاجمة الدولة اليهودية تعدّ الخطة المُثلى لتحقيق التنمية اقتصادية. كما أنها جعلت تخفيف العقوبات على طهران أمراً غير ضروري، وأصبح بإمكان إيران مواصلة تشغيل اجهزة الطرد المركزي، بينما تقوم الولايات المتحدة وأوروبا بتمويل أذرعتها الإرهابية.
 
وعلى غرار وضع "حماس" في غزة، حوّل "حزب الله" الموالي لإيران ما كان العاصمة المصرفية للشرق الأوسط إلى مصيدة موتٍ اقتصادية، وذلك منذ أن سيطر على الحكومة اللبنانية عن طريق الانتخابات في عام 2007 وبالقوة العسكرية في عام 2008؛ فتخلّف لبنان عن سداد ديونه، ودُمّرت بنيته التحتية، وجاع شعبه وأصبح يعيش بلا كهرباء ولا وقود ولا آفاق لكسب العيش. لذلك قرر "حزب الله" تجربة خطة "حماس" الاقتصادية بتنفيذ ضربة صاروخية محدودة لمعرفة ماذا سينجم عنها.
 
وقد أفلح الأمر! وكلّ ما احتاجه زعيم الحزب، حسن نصر الله، ليفوز بالجائزة الكبرى هو إطلاق 19 صاروخاً فقط.
 
فقد ذكرت وسائل الإعلام اللبنانية أن إدارة بايدن تعتزم تحويل 100 مليون دولار من المساعدات إلى وزارة الصحة اللبنانية من أجل مساعدتها على مواجهة جائحة كوفيد 19. ومن الأمور الجديرة بالذكر التي لم ترد في التقرير هي حقيقة أن "حزب الله" يتولى وزارة الصحة اللبنانية منذ عام 2019.
 
وفضلاً عن ذلك، من المقرر أن يتلقى الجيش اللبناني دعماً أميركياً في أعقاب الهجوم الذي شنه "حزب الله". ففي شهادة امام مجلس الشيوخ هذا الأسبوع، أثنت ميرا روزنيك، مساعدة نائب وزير الخارجية للشؤون الاقليمية، على الجيش اللبناني وقالت إنه "أحد أكثر شركائنا كفاءة في الشرق الأوسط".
 
أما بالنسبة الى إسرائيل، فلم يكن ردّها على العدوان الغاشم لـ"حزب الله" غير مُجدٍ فحسب، بل إنها انضمت إلى الولايات المتحدة في الدعوة لتقديم المساعدة الاقتصادية للمستعمرة الإيرانية التي يديرها "حزب الله". وخلال جولة على المنطقة الحدودية مع لبنان، أعرب وزير الدفاع بيني غانتس مجدداً عن رغبته في تقديم المال إلى "مرزبان" "حزب الله" للحفاظ على البلاد من الانهيار. 
 
لقد قدّمت ردود الولايات المتحدة وإسرائيل على عدوان "حزب الله" للجيش الإرهابي دروساً مهمة -وخطيرة في الوقت نفسه- حول كيفية تحقيق مصالحه في المستقبل.
فيما يتعلق بإدارة بايدن، تعلّم نصر الله أن سياسة الولايات المتحدة المتمثلة في استرضاء إيران تمتد إلى وكلائها أيضاً. فمن أجل كسب رضا ملالي إيران، يعتقد الرئيس الأمريكي جو بايدن ومستشاروه أن حماية "حزب الله" (وحماس) من إسرائيل أصبح مسؤولية الولايات المتحدة.
 
وليس من المصادفة أن قرار الإدارة إبلاغ وسائل الإعلام العربية أن تغاضي إسرائيل عن عدوان "حزب الله" كان نتيجة ضغط من الولايات المتحدة. فقد أرادت الإدارة الأميركية أن ترسل إلى "حزب الله" وإيران رسالة مفادها أن واشنطن تساندهما. وأرادت التأكد من أن الشعب اللبناني والدول العربية السنية التي تهددها إيران تدرك أيضاً أن إدارة بايدن أصبحت تقف إلى جانب وكلاء إيران الإرهابيين ضد إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة الآخرين.
 
ومما يؤكّد رفض الإدارة النظر في اتّباع أي سياسة غير استرضاء إيران، ذكرت وكالة بلومبيرغ الأسبوع الماضي أن الإدارة الأميركية بدأت تتقبّل حقيقة أن إيران لن توافق على العودة إلى الاتفاق النووي لعام 2015، إذ تتطلب هذه الصفقة أن تقلّص إيران بعض عملياتها النووية موقتاً مقابل الحصول على دعمٍ اقتصاديٍّ هائل وإعادة الاندماج في الاقتصاد العالمي. كما أظهر النظام الإيراني على نحو قاطع أنه لن يتعاون مع جهود الولايات المتحدة، وذلك من خلال اختيار الإرهابي القاتل إبراهيم رئيسي لتولي منصب رئيس الجمهورية.
 
كما أفادت بلومبرغ أن الإدارة قررت أن تخفف مطالبها من إيران بدلاً من إعادة النظر في التزامها باسترضائها في ظلّ الواقع الجديد. وبدلاً من تخفيف العقوبات مقابل موافقة طهران على الالتزام بالقيود النووية التي وافقت عليها في اتفاق عام 2015، تعتزم الإدارة عرض إلغاء بعض العقوبات مقابل تطبيق بعض القيود على بعض الأنشطة النووية.
ينقلنا هذا إلى إسرائيل حيث قالت تقارير وسائل الإعلام العبرية إن الولايات المتحدة طالبت إسرائيل بعدم الرد على عدوان "حزب الله" خشية أن يؤدي الانتقام الإسرائيلي إلى زيادة عزوف إيران عن استئناف مفاوضاتها غير المُجدية مع الأميركيين. ومن خلال قرار إسرائيل الانصياع لضغوط واشنطن، تبيّن لحسن نصر الله أنها لن تتخذ أي إجراء للدفاع عن نفسها ضد إيران أو وكلائها من دون إذن الولايات المتحدة.
 
ومع أن الحكومة نفت الأنباء عن أن استقالتها جاءت بسبب الضغط الأميركي، إلا أنه كان من المنطقي ألّا تصدّق وسائل الإعلام العبرية هذا النفي. إذ إن رئيس الوزراء نفتالي بينيت وشريكه البارز وزير الخارجية يائير لبيد، بالإضافة إلى رئيس الأركان بيني غانتس، انصاعوا للولايات المتحدة في كل القضايا الكبيرة، فضلا عن التزامهم سياسة "صفر مفاجآت" تجاه إيران التي تمنح واشنطن حق النقض على جميع الإجراءات الإسرائيلية ضد عدوان إيران وعملياتها النووية.
 
كما وقف بينيت إلى صفّ الولايات المتحدة بشأن "حماس"، خصوصاً والسلطة الفلسطينية عموماً، حيث دعم تقديم "المساعدات الإنسانية" لغزة. وبحسب خبير الشؤون العربية يوني بن مناحيم، فقد وافق بينيت على تقديم المساعدة لموازنة السلطة الفلسطينية، وتمهيد الطريق لتجديد المساعدة الأميركية الضخمة لها رغم حقيقة أن السلطة لا تزال تواصل دفع رواتب الإرهابيين الموجودين في السجون الإسرائيلية وعائلات الإرهابيين الفلسطينيين. وذلك رغم أن القانونين الأميركي والإسرائيلي يحظران تقديم الدعم المالي للسلطة الفلسطينية طالما استمرت في دفع المال للإرهاب.
 
كما أذعنت الحكومة لضغوط الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وسمحت للفلسطينيين بالبناء الجماعي في المنطقة "ج" ذات الأهمية الاستراتيجية في يهودا والسامرة، الأمر الذي يقيّد أعمال البناء في المجمعات السكنية الإسرائيلية هناك.
 
حتى إن بينيت ينصاع للإدارة الأمريكية حيال القدس، اذأنه يؤيد "التسوية" التي طرحتها المحكمة العليا في قضية حي شمعون الصدّيق / الشيخ جراح. وتتعلق الدعوى بجهود أصحاب المباني اليهود في الحي لاستعادة عقاراتهم التي احتلها الفلسطينيون بصورة غير قانونية. وقد وقفت إدارة بايدن والاتحاد الأوروبي إلى صف واضعي اليد على العقارات، وطالبوا بنقل حقوق اليهود فيها إلى شاغليها غير الشرعيين لمجرد أن مالكيها يهود!
 
وقبل إصدار أي حكم، اقترحت المحكمة العليا "تسوية" من شأنها منع المالكين اليهود من استعادة عقاراتهم وترك واضعي اليد الفلسطينيين فيها، لكنها تجبرهم على الاعتراف بأن ملكيتها تعود إلى اليهود. وبحسب تقارير إخبارية، فقد طلب بينيت من إدارة بايدن إقناع واضعي اليد بقبول عرض المحكمة بدلاً من أن يرفضوا القرار الذي يميز ضد المالكين الشرعيين لمجرّد أنهم يهود.
 
ويدرك "حزب الله" أيضاً -كما الكثير من الإسرائيليين- أنه عندما تكون حكومة إسرائيل مستعدة للانصياع للضغوط الأميركية التي تقتضي تخفيف سيادتها على القدس وخرق قوانينها المتعلقة بتمويل السلطة الفلسطينية من خلال دفع رواتب للإرهابيين وعائلاتهم؛ وأنه عندما تكون الحكومة على استعداد لمنح إدارة بايدن الموالية لإيران حق النقض على جهودها لمنع إيران من أن تصبح دولة نووية، فإنها بالتأكيد لن تتخذ أي خطوة في لبنان من دون الحصول على ضوءٍ أخضر من واشنطن (وهو ما لن يحصل أبداً).
كما تعلّم "حزب الله" أيضاً شيئاً آخر من تصريحات الحكومة وأفعالها في أعقاب الهجوم الصاروخي الذي قام به: لقد تعلّم أن بينيت وغانتس ولبيد لا يفهمون الواقع السياسي في لبنان. وعليه، فإن استراتيجيتهم لمحاربته -إن فعلوا ذلك أصلاً- لن تؤدي إلا إلى تعزيز مصالح الحزب.
 
و قالت مصادر في وزارة الدفاع لموقع "بريكينغ ديفنس" إن إسرائيل كانت قد "أعدّت مجموعة من الأهداف في لبنان، بما في ذلك البنية التحتية الحيوية، يهدف تدميرها إلى الضغط السياسي على حزب الله"، وذلك تحسباً لأي اعتداء مستقبلي.
 
لكن تبيّن أن "حزب الله" منيع ضد الضغط السياسي كما رأينا نهاية الأسبوع الماضي، لأنه يسيطر على لبنان بالقوة. فقد أطلقت الصواريخ على إسرائيل فرقة متنقلة تمركزت في قرية حدودية درزية، الأمر الذي أثار غضب السكان المحليين لاستخدام أراضيهم وكأنها قاعدة إطلاق، فهاجموا طاقم الفرقة واستولوا على قاذفات الصواريخ، واحتُجز العناصر وصودرت المعدات.
 
لكن ما لبث الجيش اللبناني بالتعاون مع الزعيم الدرزي وليد جنبلاط أن أطلق سراح أفراد الفرقة بعد ثلاثة أيام فقط، وأعادوا قاذفة الصواريخ إلى القادة الميدانيين التابعين لنصر الله، ويدرك جنبلاط والجيش اللبناني تماماً أنهم لا يستطيعون الدخول في قتال مع "حزب الله"، فجيش الإرهاب قوي جداً. وهكذا، فإن مهاجمة البنية التحتية المدنية في لبنان من أجل الضغط على "حزب الله" تشبه مهاجمة مدرسة في أفغانستان للضغط على "طالبان": إنهم لن يكترثوا لذلك. كما أنه إذا دمرت إسرائيل البنية التحتية اللبنانية، فإن إدارة بايدن ستمول إعادة إعمارها على أي حال.
 
وفي وقت سابق من الأسبوع الجاري، استضاف الرئيس الإيراني قادة حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" في طهران. وبحسب التقارير حول الاجتماع، كان الغرض منه تكثيف التعاون العسكري بين إيران ووكلائها من الجيوش الفلسطينية. لهذا يُقال إن جيش الدفاع الإسرائيلي يعمل على افتراض أنه في الحرب القادمة، سوف يهاجم "حزب الله" و"حماس" إسرائيل من الشمال والجنوب في وقت واحد.
 
هناك شيء واحد يمكن أن تقوم به الحكومة لتقليل احتمال اندلاع الحرب، أو على الأقل أن تخرج إسرائيل أقوى وأعداؤها أضعف في حال اندلاعها: إذا ألغت الحكومة التزامها أمام واشنطن بسياسة "صفر المفاجآت" وتصرفت بصورة فردية ضد إيران -أو ضد وكلائها (أو ضد كليهما)- أو إذا دافعت ببساطة عن حقوق مُلكية اليهود في القدس، وأعلنت رفضها خطة الإدارة لفتح قنصلية للفلسطينيين في عاصمتها، فسوف تتغير الديناميكية التي تدفعها إلى حربٍ ليست مستعدة لخوضها أو الانتصار فيها.
 
لكن للأسف، يبدو من سلوك الحكومة ومزاجها أنه لا يوجد سبب وجيه للاعتقاد بأن هذا سيحدث.
 
*كارولين غليك
عن "جويش نيوز سينديكيت"
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم