إعلان

حيث يعيش "نتنياهو" ويفكّر

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو
A+ A-
الحدث المتدحرج في إسرائيل هو التظاهرات، هناك، حيث يتجمع المتظاهرون قبالة غرفة نوم نتنياهو، تتراكم أشياء كثيرة بعد أن تحدث وتتجول في الحياة العامة وتترك أثرها في البيوت والأسواق ومواقع العمل، ثم تصل في خلاصات مكثفة الى شارع بلفور في القدس على شكل شعارات ولافتات ومطالب واتهامات، فشل الحكومة في إدارة أزمة الكورونا، انكماش الاقتصاد والتصاعد اليومي لنسب البطالة، تفشي الكراهية والعنف والاستقطاب الحاد في الشارع،  الأزمة السياسية المستعصية وهاجس الذهاب الى الانتخابات من جديد، بعضهم يحتج بسبب الضجر من طول إقامة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في الحي.

مثقفون وفنانون وعمال وطلاب وشرائح اجتماعية غير مسيّسة ظهروا فجأة تحت أضواء الشارع قبالة البيت وهم يطرقون على أواني المطبخ ويطالبون بترحيله وعائلته من البيت الرسمي لرئيس الوزراء، بعض الصحافيين أطلقوا عليه اسم "المنشأة"، في إشارة الى عمليات الحماية والتحصين المتواصلة وأعداد الحراس المتزايدة التي تضاعفت خلال حقبة حكم "بيبي" الطويلة، ووسائل ًالمراقبة التي تتكدّس باستمرار بما فيها منطاد لمراقبة المتظاهرين، أصغر حجماً من الذي وضع على الحدود مع لبنان لمراقبة الجبهة الشمالية، ولكنه يؤدي المهمة ذاتها تقريباً.

احتجاج مختلف هذه المرة يتعثّر "الساحر" في مواجهته أو التعامل معه، رغم أنه استخدم تقريباً كل الأدوات المتوفرة لديه، التخويف من إيران ومن "الضائقة" القادمة من الشمال، حسبة صواريخ "حزب الله" وأنواعها ومدياتها ودرجة دقتها، قصف سوريا، واصل إطلاق النار على الشبان العرب في القدس والضفة، قصف غزة كالعادة، استثمار الخوف كان دائماً حجة ورافعة "نتنياهو" للدخول في غرف نوم الشرائح الأقل تسييساً في إسرائيل وصناعة كوابيسهم، عرض متجدد للخوف ثبتت فاعليته وتأثيره كل مرة جرى استخدامه خلال العقد الأخير، وانعكس بقوة في صناديق الاقتراع، وارتفاع منسوب الكراهية ضد العرب، التحريض على اليسار الذي يضم العرب والإعلام والقضاء ومحققي الشرطة، اليسار الذي أصبح يميناً منذ وقت طويل، "حماية" "القيم اليهودية" في مواجهة التسيب والخلل العقائدي الذي تعاني منه "المعارضة"، صناعة الأعداء لتعزيز الخوف ايضاً، والزج بأفكار وانتصارات، لا يهم مدى جديتها، لتوظيف النزعة "القومية"، التشكيك بكل شيء خارج "النظام" الذي بناه وأحاط نفسه به، تلك هي الفكرة.

في الموجة الأولى لوباء كورونا رفع مبكرا شعار "العالم يتعلم منا"، شعار متعالٍ وشعبوي ألحقه بتنظيم مؤتمر عبر الانترنت لـ"تعليم" العالم كيف انتصرت "اسرائيل" بقيادته على "كوفيد- 19"، وكان معنياً بحضور إعلاميين عرب من الجوار لـ"تعليمهم"، قبل أن يتحول الأمر برمته الى كارثة ويختفي الشعار، ولكن "المؤتمر التعليمي" عقد وتحول الى جزء من رواية "التفوق" التي يقودها.

على الجهة الأخرى حيث يؤرجح الجزرة، واصل التذكير بعلاقته الشخصية مع الرئيس الأميركي وإدارته وقدرته على التأثير في قراراته، والحديث الملغز حول الاختراقات في الجبهة العربية والإحتفاء بإشارات "التطبيع" وفكها عبر تصريحات وايماءات مدروسة يتركها لفطنة الجمهور وتحليلاته، وها هو الآن يعرض "الإعلان الثلاثي" مع الإمارات وأميركا كمنجز شخصي صافٍ، بعد أن حرم شريكه في الائتلاف ونائبه ووزير دفاعه غانتس، ووزير خارجيته اشكنازي من المشاركة في الإنجاز، مستخدماً حجة مهينة وهي أنهم في "أزرق أبيض" سيسربون الخبر ويفسدون كل شيء، سيكون لديه منذ الآن  سلسلة طويلة من العروض تكفيه حتى حفل التوقيع في أيلول (سبتمبر) في البيت الأبيض، وتوظيف "الإعلان" في حملته الانتخابية التي لم تتوقف.

لديه الكثير ليقوله؛ لقد دفع الفلسطينيين أكثر نحو الزاوية وعمّق يأسهم وعزلتهم، وقفز عن مبدأ "الأرض مقابل السلام" الذي شكل ركيزة التحركات الأردنية، وقدم نموذجاً على رؤيته لإعادة ترتيب بنود مبادرة السلام العربية قائمة على تطبيع العلاقات أولاً والحديث عن "حل" مع الفلسطينيين ثانياً. وخرج سالماً من فشله أمام رفض المجتمع الدولي والتردد الأميركي في تنفيذ خططه ووعوده لضم منطقة الغور وشمال البحر الميت والمستوطنات. لديه الآن ما يلوح به وما يحسن من مقاعده في استطلاعات الرأي، المقاعد التي هوت خلال أسابيع من 40 مقعداً الى 29.

يستطيع أن يهدد الآن بالذهاب نحو انتخابات رابعة للحصول على حكومة يمينية صافية بلا خدوش من دون الحاجة لغانتس وغيره. حينها فقط يستطيع أن يتنفس وهو يستخرج من الكنيست القانون المنشود الذي يشكل جائزته الكبرى، قانون ستمنحه له غالبية من "أصفياء" اليمين والمستوطنين يعفيه من ملاحقة القضاء وعبء ملفات الفساد وجلسات المحاكمة المهينة، في اعتراف تاريخي لخدماته، حيث لا يفسد "الوطنيون" التاريخ بسبب رشوة هنا او استثمار هناك، وعليه أن ينهي كل هذا بفترة زمنية تنزف كل يوم، قبل أن تنتهي بتوجهه مباشرة من بلفور الى السجن.

ولكن عليه قبل كل شيء أن ينظف الشارع من المتظاهرين. فهو يعرف أن ثقافة هؤلاء، أو معظمهم، وفكرتهم عن الحقوق والديموقراطية والعدالة التي يطلقونها نحو نوافذ بيته، ستتبخر عند سياج اول قرية عربية، وأمام جثة أي عربي.

المهم الآن كيف سيوظف "الإنجاز التاريخي" في إعادة المتظاهرين الى بيوتهم، واستعادة هدوء شارع "بلفور"، ليتمكن من مواصلة التفكير والاحتفاء مع اصدقائه بثمار جهده، أو في الأقل اعادتهم الى "ساحة رابين" في تل أبيب كما جرت العادة، حيث يصل ممثلو الأحزاب السياسية وأعداد من التابعين لها بشعارات مدروسة ورايات الأحزاب وقمصانها، ويصعد الخطباء الذين تم الاتفاق حول اسمائهم مع المنظمين ليقولوا أشياء تم الاتفاق عليها مسبقاً، تلك التظاهرات التي يحن اليها نتنياهو الآن وهو ينظر من غرفة نومه الى شباب وشابات لا يكاد يتذكرهم في حملاته الانتخابية المتلاحقة، وهم يلبسون قمصاناً سوداء ويطرقون على أواني المطبخ قبالة مطبخه تماماً في شارع "بلفور" في القدس، حيث يعيش وزوجته "سارة" وابنه "يئير" بسعادة، منذ 15 عاماً.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم