إعلان

السجناء "أكس"... قصص مجنونة عن أشخاص انشقّت الأرض وابتلعتهم

المصدر: النهار العربي
فلسطين- مرال قطينة
قلعة كاترا
قلعة كاترا
A+ A-
تم القبض عليهم ... حوكموا وسجنوا، لكن لا أحد يعرف من هم ومن أين أو ماذا فعلوا، في السجن ... معزولون بهوية وأسماء مزيفة وقصة ملفقة، حتى مديرو السجون ممنوعون  من معرفة حقيقتهم ... جواسيس ... ثوريون ... إرهابيون خطرون لا ينبغي أن يعرف أحد أنهم موجودون أصلاً... ضباط سابقون في جهازي الموساد والأمن العام (الشاباك) استقالوا من مناصبهم لكنهم يعرفون الكثير من الأسرار. تم سجنهم كمجرمين عاديين، في قلعة غامضة مهجورة ومهملة بالقرب من أبو كبير أو في زنزانة داخل سجن أيالون تمت مراقبتها من خلال الكاميرات على مدار الساعة لسبعة أيام في الأسبوع.
 
على مر السنوات حوّلت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية الكثير من الأشخاص الذين أخفتهم عن وجه الأرض لما يعرف بالسجناء "إكس". قصص مجنونة نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية تفاصيلها في ملحقها الأسبوعي عن أكثر الملفات سرية لكنها انكشفت وأحدثت ضجيجاً كبيراً... إرث تسعى الاستخبارات الإسرائيلية لنسيانه.
 
في بداية عام 1976 تم احضار 5 سجناء جدد، كانوا أعضاء في "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، ألقي القبض عليهم قبل فترة وجيزة في العاصمة الكينية نيروبي على مدرج الطائرات مسلحين بصواريخ محمولة على الكتف، وكانوا  يستعدون لتنفيذ عملية اعتراض طائرة تابعة لشركة "العال" الإسرائيلية كانت على وشك الهبوط وعلى متنها 143 اسرائيلياً.
 
إثنان من الأسرى الجدد كانا ألمانيين هما بريجيتا شولتز وتوماس رويتر. استجوب الأسرى بعد القبض عليهم في نيروبي من قبل السلطات الكينية، بطريقة عنيفة كما تعرضوا للتعذيب حتى أن شولتز قالت إنها تعرضت لاعتداء جنسي. اعتقالهم تسبّب بأزمة في إسرائيل، فمن ناحية كان من الواضح أن الخمسة يعرفون الكثير عن "الجبهة الشعبية"، وربما عن العمليات الخارجية التي سيتم تنفيذها قريباً بقيادة وديع حداد، لكن من الناحية الأخرى، اذا علمت التنظيمات الثورية انهم في أيدي إسرائيل، فمن الممكن أن تقوم بخطف رهائن وتطالب بالإفراج عنهم في المقابل. وكانت السلطات الكينية قد حذرت إسرائيل انه لا ينبغي أن يعرف أحد عنهم.
 
 
 
 
رحبعام زئيفي (الذي تم اغتياله في فندق في القدس على يد نشطاء من الجبهة الشعبية عام 2001)، كان لواءً في الجيش في ذلك الوقت واعتقد أن لديه حلاً للمعضلة، فاقترح "ان يتم تخديرهم ووضعهم على طائرة وإلقائهم في البحر الأحمر". تردد رئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك اسحاق رابين بالرغم من وجود وزراء أيدوا هذا الحل، فقام باستدعاء المستشار القضائي للحكومة البروفسور أهرون براك الذي كان متأكداً أن الوزراء الإسرائيليين قد أصابهم الجنون، وقال: "سنقتل الألمانييَن بعد تقييد أيديهما وتخديرهما على متن طائرة عسكرية إسرائيلية".
 
الحل السحري كان بإحضار الخمسة إلى إسرائيل وجعلهم سجناء "أكس"، أرسلت إسرائيل طائرة الى نيروبي على متنها محققون من الوحدة 504 برفقتهم طبيب تخدير، تم تخدير الخمسة وجرى ربطهم بنقالات وتحميلهم على متن الطائرة وإلقائهم في زنازين "قلعة كاترا". وبهذه الطريقة لم يرهم أحد ولم يسمع عنهم أحد، وتمكنوا من استجوابهم، ولم يعرف أحد انه تم اعتقالهم في كينيا ونقلهم الى إسرائيل... بكل بساطة اختفوا ...
 
تم استجوابهم من قبل فريق من محققي الشاباك وعلى رأسهم رئيس قسم التحقيق في الجهاز أرييه هدار "بشوش". قام هؤلاء  بإطلاق الصيحات على طريقة تحضير الأرواح، كما ارتدى المحققون أقنعة لإقناع السجناء أنهم ماتوا وصعدوا الى الجنة، لكن السجناء فسروا الأمر "أنهم وقعوا رهينة لدى إحدى القبائل الأفريقية وسقطوا ضحية لمراسيمها القبلية". بعض المحققين كانوا يرتدون الأقنعة كل الوقت. لم يأتِ الصليب الأحمر لزيارتهم كما أخبروهم "أن احداً لا يعلم بوجودكم هنا، فأنتم تعتبرون أمواتاً".
 
 
في النهاية تكلم السجينان الألمانيان، وبعد الاعتراف بكل ما يعرفونه كان من المقرر أن تنتقل بريجيتا الى سجن نفيه ترتسا بصفتها سجينة "أكس"، حيث سيتم احتجازها في كوخ محاط بسياج محكم، من دون أي اختلاط مع السجينات الأخريات. في تموز (يوليو) عام 1976 قامت خلية تابعة للجبهة بخطف طائرة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية واحتجزت رهائن إسرائيليين في عنتيبي قرب كمبالا عاصمة اوغندا، وطالبت بالإفراج عن عشرات السجناء في إسرائيل والعالم.
 
 
اما والدا بريجيتا اللذان لم يسمعا عن ابنتهما منذ أشهر  وقتذاك وبعد أن ظهر اسمها في قائمة مطالب الخاطفين، أدركا ان هناك مكاناً واحداً يمكن ان تكون فيه لذلك قاموا بالاتصال بالمحامية الاسرائيلية ليئه تسيميل التي مثلت العديد من السجناء الامنيين الفلسطينيين، والتي بدورها حاولت التحقق وقوبلت كل محاولاتها بالرفض، فقامت بالتواصل مع السجينات الفلسطينيات في سجن فيه ترتسا، اللواتي لمحن الى وجود شيء غريب هناك... هنا حضر والدا شولتز  إلى إسرائيل وقاما بعقد مؤتمر صحافي في فندق الاميركان كولوني في القدس واخبرا العالم أن ابنتهما محتجزة في اسرائيل... و تم كشف السر... وبعد بضعة ايام وصل خطاب مجهول الى صندوق بريد تسيمل كتب فيه، "أنا جندي وأنا مسؤول عن حراسة شولتز ورويتر".
 
بعدما اتضحت الصورة، لم تعد شولتز سجينة أكس، وبعد ضغوط من الحكومة الألمانية تمكن والدا شولتز من لقائها في نفيه ترتسا لمدة نصف ساعة. بدأت محاكمة شولتز ورويتر عام 1979 وراء ابواب مغلقة وحكم عليهما في محكمة عسكرية بالسجن لمدة عشر سنوات. ولتفادي أي مواجهة سياسية مع ألمانيا، قام رئيس هيئة الأركان في ذلك الوقت رافائيل أيتان (رافول) بتخفيف عقوبتهما إلى خمس سنوات. في كانون الأول (ديسمبر) عام 1980 تم إطلاق سراح شولتز ورويتر وتم ارسالهما على متن طائرة تابعة لشركة "العال" الى ألمانيا.
 
اما الأسرى الفلسطينيون الثلاثة الذين كانوا من ضمن السجناء الخمسة فتم الحكم عليهم مدى الحياة وتم إطلاق سراحهم جميعاً عام 1985 كجزء من صفقة تبادل أسرى مع منظمة أحمد جبريل.
 
 
تدعي إسرائيل أن هناك أسباباً عدة وراء قرار المؤسسة الأمنية تحويل شخص ما الى سجين "أكس". احياناً يكون السبب امتلاك هذا السجين لمعلومات سرية يجب أن لا يتم تسريبها حتى بعد القبض عليه وسجنه، في بعض الأحيان بسبب اختطاف السجين اواختفائه من دولة اجنبية، وهو ما يمكن أن يتسبب بأزمة دبلوماسية خطيرة. وأحياناً عندما يتعلق الأمر بالجواسيس فإن الهدف أن لا تتمكن الجهة الاستخبارية المشغلة له من معرفة أنه تم القبض عليه.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم