إعلان

أخيراً سقط نتنياهو...لكن بعد زعزعة أركان الحكم في إسرائيل

المصدر: النهار العربي
فلسطين- مرال قطينة
نتنياهو المهزوم
نتنياهو المهزوم
A+ A-
 شهدت الكنيست الإسرائيلية، يوم أمس، سقوطاً مدوياً لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بعد 12 عاماً من الحكم المتواصل، وبعد رغبة شديدة في خلع زعيم إسرائيل الأطول بقاء في السلطة، على الرغم من أن الرجل حاول البقاء في منصبه مستخدماً كل الأوراق المتاحة، إلا أنه فشل حتى في تمرير القانون النرويجي الذي سيمنحه حصانة برلمانية ليفلت من محاكمة جنائية تنتظره منذ أشهر، راهن خلالها على إمكان إفشال تشكيل حكومة بديلة له وهدد بالذهاب الى انتخابات خامسة، لكن القدر حمل له مفاجأة أخرى لم يأخذها بالحسبان بسبب نرجسيته العالية وغروره اللامتناهي وغطرسته التي تصل الى حد التطرف.
 
يأتي سقوط نتنياهو وسط اضطرابات هائلة تشهدها الساحة السياسية الإسرائيلية منذ عامين، أدت الى زلزلة أركان الحكم في إسرائيل والى تغيير في الثقافة السياسية والاجتماعية، بدت أنها قد تكون خطوة نحو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وسطوته على ملايين الفلسطينين، لكنها لسوء الحظ لا تشير الى أن ذلك سيحدث فعلاً، فتحالف ثمانية أحزاب متباينة المكوّنات أيديولوجياً يجمعه عامل أساسي هو "تحديد مستقبل الدولة اليهودية"، وهذا ما سيمكنه من إدارة الصراع مع الفلسطينيين الى الأبد من دون منحهم الحق بإقامة دولة فلسطينية، بعدما روّج نتنياهو لهذه الفكرة ورسخها بسرعة كبيرة داخل الوعي الإسرائيلي فأصبح الفلسطينيون غير مرئيين في السياسة الإسرائيلية، ولربما يكون هذا إرثه الأكثر ديمومة على المدى البعيد. باع نتنياهو للإسرائيليين فكرته أن احتلال الفلسطينيين يمكن إدارته على أنه مصدر إزعاج، كما روج لناخبيه أنه صراع يستعصي حله بسبب عناد الفلسطينيين وعدم وجود شريك حقيقي لإحلال السلام، لذلك يجب تقليصه بدلاً من حله في أحسن الأحوال، أو الإبقاء على الوضع الراهن.
 
أظهرت سنوات حكم نتنياهو أن الطبيعة "اليهودية" للدولة تغلبت مراراً وتكراراً على طابعها "الديموقراطي"، كما أنه لم يتوان عن ارتكاب ممارسات وانتهاكات متزايدة بحق النظام القضائي والمجتمع المدني ووسائل الإعلام، بخاصة بعد توجيه تهم الفساد وسوء الإدارة وخيانة الأمانة اليه، وعلى حد وصف الإعلام الإسرائيلي مراراً لممارساته بأنها "خطيرة وأنه يتعمد إلحاق الضرر بالديموقراطية الإسرائيلية، لتخليص نفسه من المحاكمة الجنائية ومنع سقوطه". كان نتنياهو حريصاً في البداية على الحفاظ على توازن خفي للرعب "لا تهدد بقائي وسأضمن لك بقاءك"، لكن بعد ظهور قضايا فساده حاول هز السلطة الرابعة وتجاوز كل الخطوط الحمر واستخدام القوة، تباطأ المستشار القضائي للحكومة أفيحاي مندلبليت عندما ظهرت الشكوك الأولية ضد نتنياهو، لدرجة أن كبار المدعين العامين شعروا أنه كان مرتبكاً من تضارب المصالح، واعتقد أن عليه استبعاد نفسه، لكن مع تراكم الأدلة اضطر لتقديم لائحة اتهام ضده في القضايا الثلاث.
 
كيف تمكن سياسي واحد مهما بلغ تأثيره وقوته من عمل كل ذلك؟ طوال الفترة التي أجريت فيها التحقيقات، لاحظ المقربون من نتنياهو التغييرات الجذرية التي كانت تحدث في سلك القضاء، إضافة الى التعبيرات التي كان يطلقها وكانت تعبر عن خيبة أمل شخصية وغضب اتجاه مندلبليت، لدرجة وصفه بأنه مبتز وخائن، قام بعدها نتنياهو ببث نظريات اتصال معقدة حول هياكل السلطة في الحكومة الإسرائيلية، على غرار أفلام (جون فرانكنهايمر وأوليفر ستون)، ثم قام بتصوير الاتهامات على أنها لعبة بطاقات واتهامات واهية تثيرها أحزاب المعارضة اليسارية التي تسعى الى إلحاق الضرر بالبلاد، وأن الإعلام يضخّم هذه الاتهامات ويشارك المعارضة التي تكرهه لنجاحه الكبير، وأن النظام القضائي هو في الواقع نوع من "الدولة العميقة"، يقودها قاض متقاعد يبلغ من العمر 84 عاماً يريد أن يحكم البلاد بأكملها، في إشارة الى أهارون براك الذي يعمل على تشغيل العديد من اللاعبين الرئيسيين في الساحة القانونية من شقته في تل أبيب، من أجل إنهاء حكمه وعملياً لإنهاء الدولة اليهودية التي يواصل حرقها.     
 
أما في خصوص تحقيقات الشرطة، فقد وصفها نتنياهو بأنها "غير نزيهة ومتحيزة وغير شريفة بإشراف محاكم الدولة المسيسة ومدع عام ضعيف ومن دون كفاءة يشارك في هذه المؤامرة". عامان من التحقيقات الدقيقة أنتجت أدلة خطيرة حول حملة مطولة قام بها نتنياهو لتخريب قسم كبير من وسائل الإعلام، وتدخلات غير شرعية ليستفيد منها أثرياء متواطئون معه، على حد وصف المحلل السياسي الإسرائيلي في هيئة البث الإسرائيلية "كان" يارون ديكيل، "حاول نتنياهو تحدي جوهر الادعاءات وعمل استراتيجياً على تقويض متّهميه، لكنه تناسى أنه رئيس وزراء إسرائيل، عندما عمل جاهداً على تشويه وإضعاف ثقة الإسرائيليين بمؤسسات الدولة، هذا ما فعله وما زال يفعله بتهور كبير أكثر من أي وقت مضى"، وفق ديكيل.
 
ستتذكر إسرائيل نتنياهو كشخص حاول إحداث انقلاب في أركان الدولة، وزعزعة استقرارها من أجل الهروب من محاكمته. فبعدما بحث عن الحلقة الأضعف خلال الأشهر الماضية، ووجه الضغط باتجاه مدينة القدس - باب العمود - والشيخ جراح والحرم القدسي الشريف، ومن ثم بشن عدوان وحشي على قطاع غزة، قام بتصدير الأزمة السياسية الى الشارع وتسبب بالفوضى العارمة وأدى الى تفجرها على طول الخط من حيفا وحتى النقب، وأبرم اتفاقيات مع أتباع كاهانا والصهيونية الدينية والمتشددين ليضغط بهم على الرأي العام، فهو يحاول دائماً الهروب الى الأمام من قضايا فساده ومحاكمته بخلق صراعات جديدة، آخرها مسيرة الأعلام السنوية التي تضم آلاف المستوطنين المتطرفين، ومن الممكن أن تفجر الأمور إذا تم السماح بقيامها، لتعيد الأمور الى المربع الأول قبل شهر، وتسود حالة من الفوضى العارمة من القتل والدمار والإعدامات الميدانية في الشوارع، وتزيد من التطرف والكراهية والعدوانية اتجاه الفلسطينيين.
 
بحسب وجهة نظر نتنياهو الداروينية، فما دام قوياً وعدائياً فإن فرصته في البقاء تزداد، ووفقاً لهذه النظرية، بدأ باتّباع أسلوب الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع خصمه بينت من ناحية تخطي البروتوكول ورفض حضور حفلي التنصيب والكوكتيل، والتشكيك بمصداقية الحكومة الجديدة وولائها لليمين واليمين المتطرف وأيديولوجيتها الصهيونية، على الرغم من أن بينت كان نائباً لرئيس مجلس المستوطنات في الضفة الغربية ويعتمر قلنسوة. قال نتنياهو ذات مرة إنه "سيقلل الثقة بإسرائيل كما فعل ترامب بتقويض الثقة بمكتب التحقيقات الفدرالي"، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل سيحذو نتنياهو حذو ترامب في تحريض جمهوره على غزو الكنيست؟ أم أنه سيتجه لتكثيف هجماته ضد جهاز القضاء؟ أم سيحاول إفشال خلفائه؟ 







 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم