إعلان

هكذا وضع كيسنجر نهاية لحرب تشرين 1973

المصدر: النهار العربي
فلسطين- مرال قطينة
انور السادات وهنري كيسينجر
انور السادات وهنري كيسينجر
A+ A-
"يوم السبت 20 تشرين الأول (أكتوبر) من عام 1973، بعد 30 دقيقة من منتصف الليل، أقلعت طائرة تابعة للقوات الجوية الأميركية من طراز بوينغ 707، من قاعدة أندروز بالقرب من العاصمة واشنطن، على متنها وزير الخارجية آنذاك هنري كيسنجر وبرفقته الحاشية المعتادة ومساعدوه ومجموعة من الصحافيين، كان هناك راكب آخر غير معتاد على متن الطائرة هو أناتولي دوبرنين، سفير الاتحاد السوفياتي في واشنطن، كانت وجهتهم موسكو، في اليوم الخامس عشر من حرب تشرين سبقته أربعة أيام من المعارك المريرة نجحت خلالها وحدات من الجيش الإسرائيلي في عبور قناة السويس، وهددت بمحاصرة الوحدة الثالثة من الجيش المصري على الضفة الشرقية للقناة والوصول الى القاهرة. انتقل الجيش الإسرائيلي من حالة الدفاع الى الهجوم، قبلها بثلاثة أيام احتل تل شمس في هضبة الجولان، وبدأ التحرك الى ضواحي دمشق، ودخل قطار جوي ثقيل على خط تلك العملية ينقل أسلحة أميركية الى الجيش الإسرائيلي".
 
هذا بعض ما ورد في كتاب السفير الأميركي في إسرائيل مارتن أنديك خلال عهد الرئيس بيل كلينتون، نشرته مجلة "يديعوت أحرونوت" الأسبوعية، مع اقتراب الذكرى الـ 48 لحرب تشرين وصدور كتاب أنديك "سيد اللعبة: هنري كيسنجر وفن الدبلوماسية في الشرق الأوسط ".
 
يشرح أنديك كيف اعتقد كيسنجر "أنه كان يمسك بيديه النفوذ العسكري اللازم لتأمين الموافقة السوفياتية والعربية على وقف إطلاق النار، لذلك طلب من دوبرنين أن يقوم ليونيد بريجنيف رئيس الاتحاد السوفياتي وزعيم الحزب الشيوعي بدعوته على وجه السرعة الى موسكو للتوقيع على دعوة مشتركة الى وقف إطلاق النار"، ويصف قصة التعاون بين القوتين العظميين بأنها "قصة غلاف صُممت بعناية لإخفاء أهداف كيسنجر الحقيقية التي تلخصت بضمان انتصار إسرائيل التي تحميها الولايات المتحدة، على مصر وسوريا، رعايا الاتحاد السوفياتي، وتمهيد الطريق لاتفاق سلام إسرائيلي - عربي بقيادة الولايات المتحدة، ومنع هزيمة محرجة للجيش المصري، وبالتالي السماح للسادات بالانضمام الى اتفاقيات السلام عندما لا يُداس على شرفه، ليثبت للعرب أن الولايات المتحدة وحدها التي ستفيدهم على طاولة المفاوضات، وتحافظ على الخيط الأخير مع موسكو أثناء سعيها الى إزالتها من مواقع القوة في الشرق الأوسط، سواء كانت خطوات محنكة أم مرتجلة في بعض الأحيان، فهي التي حوّلت كيسنجر قرصاناً دبلوماسياً على مسرح الشرق الأوسط".
 
ويذكر أنديك أن كيسنجر كان قد التقى السفير الإسرائيلي في واشنطن سيمحا دينتيز، وأكد له أن نتائج مفاوضات موسكو لن تنفذ على الأرض قبل أن "نتحدث إليكم". كان هدف رحلته كسب المزيد من الوقت للجيش الإسرائيلي، بينما ردت غولدا مائير، رئيسة الوزراء الإسرائيلية، بريبة، وأرادت أن تعرف سبب اندفاعه للذهاب الى موسكو، وخافت أن يكون على وشك الاستسلام للمطالب السوفياتية والعربية بانسحاب إسرائيل الى حدود عام 1967. أرسل كيسنجر من طائرته سلسلة من التعليمات الى نائبه برنت سكوكروفت بإرسال أربع طائرات فانتوم وعشر طائرات سكاي هوك يومياً الى إسرائيل، الى جانب الذخيرة للجيش الإسرائيلي، كان هدف كيسنجر تسمين الجانب الإسرائيلي تمهيداً للامتثال لبنود وقف إطلاق النار الذي سيُفرض عليه، كما أراد استخدامه ورقة مساومة ضد السوفيات، كانت ورقة التفاوض الرئيسية الضغط العسكري الإسرائيلي، لم تكن لدى كيسنجر معلومات عن تقدم الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية للقناة، لذلك أرسل بتعليمات جديدة لسكوكروفت للحصول على تقارير من دينتيز ثلاث مرات في اليوم حول تقدم الهجوم الإسرائيلي وإرسالها له فوراً، وخلال الليل استخرج مسودة لوقف إطلاق النار من بريجينيف، ثم جلس مع مساعده جو سيسكو لوضع التعديلات، كانت الفكرة هي تضمين الاتفاقية دعوة لإجراء مفاوضات مباشرة، وهو أمر ستقدره غولدا. 
 
كان كيسنجر غاضباً من المبادئ التوجيهية غير المقبولة التي أرسلها نيكسون واعتقد أنها ستدمر استراتيجيته التفاوضية، لذلك سعى الى "تحقيق تسوية بخطوات صغيرة يمكن تحقيقها بتدرج، عكس رؤسائه المتعطشين للدبلومسية الدرامية والإنجازات"، لذلك ببساطة، تجاهل تعليمات الرئيس وتمكن من المراوغة، بينما شهدت واشنطن "مذبحة ليلة السبت"، وبدأ الكونغرس مناقشة إقالة الرئيس على خلفية قضية ووترغيت، تلقى كيسنجر في صباح اليوم التالي إعلان وزير الخارجية المصري حافظ إسماعيل "استعداد مصر لوقف إطلاق النار الآن، بعد حالة الذعر والإرباك على الجبهة المصرية، وبأن السادات لم يعد يصر على انسحاب إسرائيلي قبل وقف إطلاق النار، ولسوء حظه لم يعد في مصلحته تأخير السوفيات" يقول أنديك. 
 
كما تطرق أنديك الى كيفية مراوغة كيسنجر في التوصل الى اتفاق لوقف إطلاق النار، حيث أخبر بريجينيف خلال لقائهما أن هناك مشكلة في القسم الثاني من الاتفاق الذي اشترط وقف إطلاق النار بالانسحاب الإسرائيلي، تساءل بريجينيف إذا ما كان من المستحسن التشاور مع الأطراف المتحاربة أو تمرير اتفاق وقف إطلاق النار الى مجلس الأمن ويتوقع أن تقبله مصر وإسرائيل ببساطة، هنا أجاب كيسنجر بأنه يجب أن نضع حداً للقتال، كما اقترح أن تدرج في قرار وقف إطلاق النار دعوة الى إجراء مفاوضات فورية ومباشرة بين الطرفين، وافق بريجينيف، وكما قدر كيسنجر فإن الضغط العسكري الإسرائيلي عمل العجائب، وهنا أثار قضية أسرى الحرب الإسرائيليين. كان يعلم أنها كانت مقلقة للغاية لغولدا، واتفقا على أن يضغط كلاهما من أجل تبادل لجميع الأسرى على الفور، وأن يعقد السفيران الروسي والأميركي لدى الأمم المتحدة اجتماعاً لمجلس الأمن عند  التاسعة مساءً بتوقيت نيويورك، على أن يسري وقف إطلاق النار بعد 12 ساعة من تلك الليلة، كان متأكداً من أن إسرائيل تستطيع، ولخلل ما في الاتصال لم يتم اتباع تعليماته، وتم تقصير فترة الأربع ساعات التي كان على الكابينت الإسرائيلي مراجعة الاتفاق خلالها، عندما تلقت غولدا صيغة الاتفاقية اشتكت من قصر الوقت، وأخبرت وزراءها أن كيسنجر لم يف بوعده، وأن إسرائيل لا تستطيع الآن تغيير الاتفاقية أو رفضها أو معارضتها من دون الإضرار بعلاقاتها مع الولايات المتحدة، وإذا فعلت ذلك فلن تتلقى المزيد من الأسلحة الضرورية لوجودها، وقالت: "وقف إطلاق النار مقابل عودة الأسرى الإسرائيليين، عندما لا يكون هناك خيار فلا خيار".
 
وخلص أنديك الى أنه على مدى السنوات الأربع التالية، أسفرت هذه الجهود التي أطلق عليها مصطلح (التخطي الدبلوماسي) بسبب الرحلات التي لا تعد ولا تحصى التي قام بها كيسنجر بين القاهرة وتل أبيب ودمشق وعواصم عربية أخرى، عن ثلاث اتفاقيات هي: اتفاقيتان في سيناء بين إسرائيل ومصر، واتفاقية فصل مرتفعات الجولان بين إسرائيل وسوريا، تخلت فيها إسرائيل عن الأراضي التي احتلتها مقابل خطوط فاصلة مستقرة، كما تمكن كيسنجر من إرساء أسس السلام في الشرق الأوسط تحت رعاية أميركية، وأدت العملية التي بدأها الى اتفاقية السلام بين إسرائيل ومصر، وفي نهاية المطاف الى اتفاقيات أوسلو واتفاقية السلام مع الأردن. لم يكن كيسنجر خالياً من العيوب، لكنه كان صاحب رؤية استراتيجية ومهارة، كان مستعداً لتحمل المخاطر والارتجال ولديه قدرات ميكافيلية للاستفادة من القوة الأميركية، إذا كانت الدبلوماسية هي فن جلب القادة الى أماكن لا يريدون الذهاب اليها، فإن كيسنجر كان سيد اللعبة.
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم