إعلان

مقابلة نادرة مع الرجل الخفي في "الموساد": إدارة الملف الإيراني قاصرة والوضع سيّئ للغاية

المصدر: النهار العربي
فلسطين- مرال قطينة
تعبيرية
تعبيرية
A+ A-
الرجل الخفي الذي قاد فرقة "قيصاريا" من مقاتلي جهاز "الموساد" الإسرائيلي، كان رئيس وحدة إدارة العمليات عندما قامت إسرائيل بسرقة الأرشيف النووي الإيراني من قلب طهران، والذي نشأ في بيت لضباط في حي عسكري وهو ابن لأم كانت عضواً في عصابة "الهاغاناه" ثم خدمت كضابط في سلاح البحرية الإسرائيلي... التحق بدورة للطيران عام 1977، وخدم في سلاح المدرعات كما شارك في حصار واجتياح بيروت 1982، وأكمل دراسته الجامعية وتخصص في الاستشراق. خلال دراسته التقى بفتاة تبيّن أنها من أقارب رجل الموساد الشهير مايك هراري رئيس فرقة قيصاريا في ذلك الوقت، التي بدورها اقترحت عليه أن يرسل سيرته الذاتية إلى الموساد، وعلى إثرها أخضعه الجهاز للتدريب وطلب منه أن يكون شخصاً آخر، وأن يفعل أشياء ليست من طبيعته، أغلبها مرتبط بالتفاعل مع الناس والبيئة المحيطة.
 
اسمه الكامل وصورته وكل تفاصليه الأخرى لا تزال ممنوعة من النشر، لذلك رمز له بالحرف (أي)، في مقابلة نادرة طويلة ومفصلة أجرتها صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية ونشرتها في ملحقها الأسبوعي، مع النائب السابق لرئيس الموساد. للمرة الأولى تحدث الرجل الذي أحيل على التقاعد مؤخراً بعد 34 عاماً من العمل في الموساد، عن مراكز صنع القرار في إسرائيل خلال عهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
 
بالرغم من ولائه الشديد للنظام إلا أنه يصف "إدارة جهاز الموساد بأنها سيئة، كما أن إدارة نتنياهو سيئة جداً"، وفقاً للصحيفة، فالرجل غير عادي كما أن وظيفته لم تكن عادية، اذ إن القليل من كبار موظفي جهاز الموساد إنْ وجدوا فإنهم عملوا لعقود في القسمين الأكثر شهرة في الجهاز الاستخباري الحساس في القسم التشغيلي المسؤول عن الاغتيالات وتشغيل الجواسيس، والقسم الإداري الذي يقوم بإدارة العمليات. (أي) كما تصفه الصحيفة يشبه كثيراً "كيليشيه" أو صورة العميل اللطيف والنحيف الذي يمكنه الاندماج داخل الحشد من دون أن يتم كشفه، إضافة الى أنه خدم رئيساً لفرقة قيصاريا في ذروة الصراع ضد البرنامج النووي الإيراني، لذلك بعد انهاء مهمات منصبه كرئيس للفرقة، تم انتدابه لشغل منصب نائب رئيس الموساد وبالتالي رئيساً لإدارة تنظيم العمليات في الجهاز. تعتبر فترة خدمته في المناصب العليا واحدة من أهم الحقبات في تاريخ الموساد من الناحية التشغيلية، كما أنها الفترة التي وجهت فيها انتقادات حادة للجهاز بسبب نشر العمليات السرية التي يقوم بها، أو بتعبير أدق يستغل النظام السياسي الإسرائيلي نشر هذه العمليات وبتعبير أكثر دقة بنيامين نتنياهو.
 
قطع رئيس الموساد يوسي كوهين و(أي) شوطاً طويلاً معاً، إذ خدما سوية في الضفة الغربية وكذلك في أوروبا، علماً أن كوهين جاء قبله بثلاث سنوات. وحسب التقييم العام لجهاز الموساد كان (أي) المرشح الأقوى لأن يكون الرئيس المقبل للجهاز، إلا أن إعلان نتنياهو اختياره (د) خلفاً لكوهين فاجأ في شكل كبير أعضاء الموساد الكبار، لأن (د) أقل خبرة من (أي)، كما أن الإسرائيليين لا يخوضون في غمار تفاصيل هذه الصراعات التي تبقى بعيدة من الأعين.
 
الرئيس الأسبق للموساد مئير دغان اتخد قراراً بنقل (أي) من قسم "تسوميت" المسؤول عن تجنيد العملاء وتشغيلهم الى قسم قيصاريا ليجلس خلف باب مغلق. لم يكن (أي) متميزاً ولم يعجب ذلك رئيسه المباشر في العمل يوسي كوهين، لذلك طغت المشاحنات باستمرار على العلاقة بين الرجلين، إلا أن تدخل داغان، بعد الهدنة أدى إلى ترقية (أي) وتحديداً بعد عملية اغتيال القيادي البارز في حركة "حماس" محمود المبحوح في دبي، وكشف الخلية التي نفذت اغتياله بما في ذلك جوازات سفرهم وصورهم وكل تفاصيلهم، بالرغم من نَسب العملية الى جهات دولية أخرى إلا أن بصمات الموساد في المكان كانت واضحة، ما اضطر الجهاز لإجراء تغييرات غير عادية ومسبوقة للتكييف مع العصر الجديد حيث الكاميرات وتقنيات التعرف إلى الوجه في كل مكان، وكانت مهمته الرئيسية إعادة تأهيل قيصاريا بعد الفشل الذريع والأزمة الحادة التي ألمت بالقسم.
 
ووفقاً للصحيفة فإن عملية القرن بالنسبة إلى (أي)، كان إشرافه المباشر على سرقة الأرشيف النووي الإيراني من قلب طهران، حدثاً غير عادي سواء من حيث التحضيرات أو من حيث النتائج وقدرات الجهاز التأثير في سير العملية. كان هناك وزن في اتخاذ القرارات، فإيران كانت وما زالت على رأس قائمة الموساد. لم يكن (أي) ينوي الإسهاب أو الخوض في غمار تفاصيل هذه العملية وأبعادها لكنه تطرق اليها من زاوية "أنها استنفدت قدرات الجهاز بمساعدة الطائرات من دون طيار التي تم استخدامها أثناء العملية وبمشاركة جهاز الأمن الداخلي "أمان"، واستغرقت عملية التحضير لها ما يقارب العام، فمعدل التحضير لأي عملية يستغرق عاماً ونيفاً على أبعد تقدير.
 
يقول (أي): "في الحقيقة الاستثناء الوحيد هو أن دولة إسرائيل طرحتها على الطاولة، بالنسبة إلى الإيرانيين كان واضحاً أن في إمكانه فعل شيء من هذا القبيل ومن فعل ذلك، بعد ما اكتشفوا الأمر صبيحة اليوم التالي أننا سرقنا أغلب الوثائق، في بلد مثل إيران جل اهتمامهم ليس أنهم اكتشفو أن شيئاً كهذا قد حدث. انه مختلف عن قصف الطائرات وسط دمشق، فالإيرانيون يفضلون عدم نشر مثل هذه الأخبار في حال لم يعرف الناس عنها وهي بالنسبة إليهم وصمة عار للسلطة".
 
ويشرح (أي) الذي عرّفته الصحيفة بصاحب النظرة الحادة والرصينة ومن أشد منتقدي السلوك الإسرائيلي في التعامل مع الملف النووي الإيراني، بالرغم من انه شارك في تنفيذ العملية أثناء شغله منصباً رفيعاً، "أنه لم يعارض نشر تفاصيل هذه العملية بالرغم من أن النشر يتعارض مع طبيعته وآخرين في الموساد، الا أن نتنياهو ويوسي كوهين أصرّا على النشر باعتباره وسيلة للضغط على الشركاء، وليمارسوا ضغوطاً على الإيرانيين في المستقبل، فلولا النشر لما اقتنع الأوروبيون أن لدى إسرائيل أرشيفاً حقيقياً.
 
عندما كشفت إسرائيل للعالم عن سرقتها الأرشيف الإيراني، كان (أي) في لندن في اجتماع مع مسؤولي المخابرات البريطانية يقول أنه شعر "مثل العريس" لأنه لا يوجد جهاز استخبارات يقوم بمثل هذه العمليات، لا من الروس ولا الأميركيين ولا البريطانيين ولا حتى الصينين.
 
ويشير (أي) الى كم السخرية والنفاق الذي قابلته إسرائيل داخل مجموعة 5+1 أنه كان ضرباً من ضروب الجنون ولا يزال، وبرأيه أن وكالة الطاقة النووية ومفتشيها لا يقومون بدورهم وعملهم المطلوب، "قلنا لهم لم يعد بمقدوركم الكذب... ها هي القنابل الخمس التي صممها الإيرانيون وأظهرنا لهم المخططات، وزودناهم بخرائط للمواقع ذات الصلة ببرنامج الأسلحة النووية الإيرانية، فالتحرك والضغط الإسرائيليان كانا وراء خروج دونالد ترامب من الاتفاق. كان لإسرائيل تأثير كبير في أجندة ترامب في الشرق الاوسط، وكان لها تأثير بفض الاتفاق وإسقاطه نهائياً. نحن زودنا ترامب بكل المعلومات فهو كان يعتمد في تصريحاته على العناوين ونحن قمنا بتزويده بالعناوين التي كان يحتاجها حتى يتمكن من طرد الجميع والخروج من الاتفاق. وسواء كانت هذه الخطوة صائبة أم خاطئة كنا نضرب على الوتر الحساس وفقاً لحاجتنا.
 
وفي معرض حديثه عن الاتفاق النووي، قال (أي) إنه بالرغم من أن الاتفاق كان سيئاً للغاية بالنسبة إلى إسرائيل، الا أنه مقتنع تماماً أن إسرائيل ارتكبت خطأ فادحاً عندما قررت العمل على انهيار الاتفاق وليس تحسينه، فاليوم هناك انتاج للصواريخ وأجهزة الطرد المركزي متقدمة، وتخصيب اليورانيوم في أكثر من موقع، كاشان وناتانز، ولم يتوقف الإيرانيون لثانية عن توسعهم الإقليمي. الوضع اليوم اسوأ كثيراً مما كان عليه أثناء الاتفاق، وعندما تنظر للخلف خمس سنوات فإن ما قمنا به ليس جيداً وأعادنا إلى نقطة الصفر، واذا لم نستخلص الدروس سنبقى نراوح مكاننا، كما أن الخلافات اليوم بين واشنطن في عهد جو بايدن مع نتنياهو هي أمر مفهوم وأشبه بالدم الفاسد، فالأميركيون يعرفون أن هدف إسرائيل الاستراتيجي هو إفشال الصفقة مع طهران".
 
ويخلص (أي) الى "أنه لا يتذكر الكثير من العمليات التي قام بها في الموساد على مر سنوات عمله، التي كانت لها صلة بالتوجيه السياسي. يمكن للمرء أن يختلف حول ما إذا كانت هذه هي الطريقة الصحيحة للتعامل مع الملف النووي الإيراني. توافق يوسي كوهين مع سياسة رئيس الوزراء الذي يتعامل مع الشأن الإيراني كل الوقت. تعامل الموساد مع الملف الإيراني كأولوية قصوى خدمت بالتأكيد توجهات نتنياهو الشخصية في حملته الانتخابية، كما أنها سهّلت على الموساد الحصول على ضوء أخضر من رئيس الوزراء في عمليات كثيرة، لكنها لم تضمن خلال السنوات الماضية استقلالية الموساد".
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم