إعلان

​الرواية الكاملة لتتبّع الموساد خطوات محسن زاده حتى اغتياله

المصدر: النهار العربي
فلسطين- مرال قطينة
شعار الموساد
شعار الموساد
A+ A-
خلافاً للنجوم الآخرين في الثورة الإسلامية مثل قاسم سليماني، كان محسن فخري زاده حتى يوم الجمعة الماضي مجهولاً بالكامل تقريباً للإيراني العادي.
 
يظهر ملفه الاستخباري أن السبب في ذلك لم يكن افتقاره للأهمية، بل العكس تماماً، ففخري زاده الذي قاد في العقود الأخيرة أهم مشروع رائد منذ وصول الخميني الى السلطة، كان من أبرز الشخصيات في المراتب العليا في الجمهورية الإسلامية، وأدرك الإيرانيون أنه كان مستهدفاً، لذلك أحاطوه بحماية أمنية مشددة، وحرصوا على أن يعرف أقل عدد من الأشخاص مكانه وماذا يفعل.
 
كشف المحلل العسكري رونين بيرغمان في تحقيق مطوّل في صحيفة "يديعوت أحرنوت" الإسرائيلية عن وضع الموساد خطة لاغتيال فخري زاده، وأنه كان على رأس قائمة العلماء الإيرانيين الذين تعقبهم وكتب: "من المنطقي أن لا تعلق ملصقات رأس مشروعك الأكثر أهمية وسرية بين أشجار النخيل في شوارع طهران، بخاصة إذا كان مطلوباً للاستجواب من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية". 
 
عام 2008 كثر الحديث عن استعدادت إسرائيل لمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية، وأثناء زيارة الرئيس جورج بوش إسرائيل، وخلال حفل العشاء انتقل بوش ورئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود أولمرت وستيف هادلي وإيهود باراك الى غرفة جانبية، وبين رائحة الويسكي والسيجار في الهواء طلب باراك الإذن من بوش لشراء أنظمة من الأسلحة المتطورة، بما في ذلك الطائرات المتطورة التي تقلع عمودياً والقنابل التي تخترق المخابئ. لم يكن على المرء أن يكون عبقرياً ليفهم سبب هذا الطلب. الرئيس بوش أوضح لمحدثيه موقفه الرافض تدمير البرنامج النووي الإيراني، لكن أولمرت قال لبوش: أريد أن أريك شيئاً مهماً، فغادر باراك وهادلي الغرفة... هنا طلب أولمرت من بوش: "سيدي الرئيس أرجو منك عدم التحدث عن هذا مع أي شخص ولا حتى مع رئيس وكالة الاستخبارات المركزية".
 
سحب  أولمرت جهاز تسجيل صغيراً وضغط على زر التشغيل، جاء صوت رجل يتحدث الفارسية، هنا قال أولمرت: "هذا محسن فخري زاده، رئيس برنامج "عماد" المشروع النووي العسكري السري الإيراني الذي تنفي إيران وجوده بالمطلق". 
 
كيف وصل هذا التسجيل الى أولمرت؟ وفقاً لبيتر بيكر - كاتب سيرة الرئيس بوش، فإن أولمرت أخبر بوش أن الموساد جنّد عميلاً مقرباً من رئيس المشروع النووي الإيراني سجل ما قاله فخري زاده. 
 
ولأن بوش لا يتحدث الفارسية، قدّم أولمرت النص الإنكليزي. كان زاده يتحدث بصراحة وبالتفصيل عن مشروع حياته "تطوير الأسلحة النووية الإيرانية"، وكان يشكو من عدم توفير الميزانيات الكافية لهذا البرنامج، فمن ناحية اشتكى من "أنهم يريدون خمسة رؤوس وبسرعة، ومن ناحية أخرى لا يدعونه يعمل"، أخيراً ينتقد فخري زاده بعض زملائه في وزارة الدفاع والحرس الثوري بقسوة.
 
قرأ بوش الترجمة والتزم الصمت محاولاً استيعاب الأمر، فالاستماع لرئيس البرنامج يتحدث عن خمسة رؤوس حربية نووية شيء مختلف تماماً ويغير قواعد اللعبة.
 
أدرك أولمرت أن بوش لن يبيع إسرائيل الأسلحة التي طلبتها، لذلك قرر استغلال الفرصة لطلب آخر هو "تعاون استخباري كامل، من دون أسرار، إسرائيل ستقدم كل ما لديها من معلومات بشأن الملف النووي، من الآن فصاعداً نعمل معاً في كل شيء".... وافق بوش.
ر
كان التسجيل جزءاً من ملف ضخم جمعه الموساد بجهد كبير ومجنون ومعقد لسنوات، عن شخص واحد: فخري زاده، ضم كما لا يحصى من التفاصيل والوثائق والصور والتسجيلات، بعضها من مصادر إسرائيلية وأخرى من أجهزة استخبارات أجنبية ومنها مصادر مرئية.
 
 
بعد عامين تم تنفيذ عملية سايبر إلكترونية مشتركة إسرائيلية - أميركية أطلق عليها "الألعاب الأولمبية"، ألحقت أضراراً جسيمة بالمشروع النووي الإيراني، وأخرت تقدمه كثيراً. كان الفيروس متطوراً، وتمكن من السيطرة على أجهزة الطرد المركزي، ومن غير المستبعد أن تكون العملية وليدة تلك الليلة التي استمع خلالها بوش لتسجيل فخري زاده.
 
يشرح بيرغمان أنه "في ضوء عدم وجود أي تأكيد رسمي لوقوف إسرائيل وراء اغتيال فخري زاده، من المهم أن نفهم كيف يتم إنشاء ملف استخباري لأي شخص سيكون الهدف لاغتيال منظم". في جهاز الموساد يتم إنشاء ملف (تي بي أس) اختصار لمصطلح العلاج السلبي أي "الاغتيال"، عادة ما يتم إنشاء الملف من قبل موظفين محترفين وعملاء ميدانيين وضباط استخبارات وخبراء في الشأن.
 
المنطق واضح هنا المحترفون هم الذين يعرفون من "يساوي وزنه ذهباً" ومن يشكل خطراً جسيماً، ومن سيؤدي استبعاده من اللعبة الى تخفيف التهديدات للأمن القومي بشكل كبير، يقوم المحترفون بجمع ملف للمعلومات حتى يتوصلوا الى استنتاج مفاده أن الأمر يتجاوز الحد، فيرفعوا الأمر الى رئيس الجهاز، وفي حال قبوله التوصية يأخذها الى رئيس الوزراء للموافقة عليها من حيث المبدأ، وبعدها تبدأ الاستعدادات لتنفيذ المهمة.
 
في تلك اللحظة تأخذ المعلومات طابعاً مختلفاً، إضافة لتوثيق "الأفعال السيئة" للهدف، وتبدأ مرحلة جمع دقيق لروتين حياته، وعندما يشعر الجهاز بأنه قادر على تنفيذ المهمة يعود الى رئيس الوزراء ويتم بعدها طرح المهمة للنقاش في "لجنة رؤساء الخدمات" التي تضم رؤساء الموساد والشاباك وقائد القوات المسلحة، كما يحضر رئيس الأركان بعض الاجتماعات.
 
ويشير بيرغمان الى أن "من المواد الاستخبارية التي تم جمعها اتضح أن المهندس الواعد محسن فخري زاده من مواليد 1961 متزوج ولديه أبناء، كان أستاذاً للفيزياء في جامعة الإمام الحسين، كانت محاضراته تحظى بشعبية بين الطلاب. رئيس معهد الأبحاث النووية التحق بالحرس الثوري عام 1979 وعمل في البداية ضابط علمياً".
 
عام 1993 أومض اسم فخري زاده رادار جهاز الموساد للمرة الأولى، تم توظيف عميل شاب اطلق عليه اسم" كالان" قيل يومها إن له مستقبلاً واعداً، ونجح بتمرير المخططات الأولى لجهاز الطرد المركزي من إيران، كانت هذه بدايات نظام التخصيب النووي، حصل فخري زاده على ثروة من المعرفة والمعدات من والد المشروع النووي الباكستاني الدكتور عبد القادر خان، أما العميل "كالان" الذي ارتقى الى مستوى التوقعات، فهو اليوم رئيس جهاز الموساد يوسي كوهين.
 
 
بعدما أصبح الموساد في قلب عين زاده، تبين أن هناك شيئاً دقيقاً آخر أكثر مركزية وأهمية. تم اكتشاف العديد من الوثائق التي قام بتوقيعها بقلم حبر أزرق على جانبي الصفحة، مواد في غاية السرية ولا يتم تحميلها على جهاز كومبيوتر، إضافة لزياراته المتكررة لأحد المواقع التجريبية مع أقرب مساعديه، كما أنه طلب من رجاله العثور على موقع لإجراء تجربة نووية تحت الارض.
 
يظهر ملف فخري زاده أنه مدير ممتاز ومثير للإعجاب، تكنوقراط موهوب، التزم الهدف الذي وضعه أمامه، دقيق في الرسومات والتفاصيل بقلمه الأزرق، لا يتعامل مع المسائل الأخلاقية، فقط كيف سيصنع القنبلة الذرية لإيران وكيف يخدع العالم ويخفيها.
 
عام 2002 أعدّ الموساد قائمة بأسماء كبار العلماء الإيرانيين، معظمهم أعضاء في "مجموعة أسلحة" فخري زاده، وتم وضع اسمه على رأس القائمة، في مرحلة ما أعدّ الموساد سيناريو لاغتياله بناءً على ملفه، وافق أولمرت على الخطوط العريضة للعملية، لكن شعبة الاستخبارات في الجيش عارضت بشدة إيذاء فخري زاده، ليس من باب الشفقة، كما أن مسؤولاً رفيعاً في الموساد أقنع أولمرت بأن الإيرانيين على علم بمخطط الاغتيال، فأمر أولمرت داغان بإلغاء العملية، لكن أولمرت ادعى أن داغان من ألغى العملية.
 
عام 2008 ظهر أن فخري زاده كان يبني موقعاً ضخماً لتخصيب اليورانيوم داخل شبكة أنفاق في أعماق جبال منطقة بيرديو. 
 
عام 2015 ظهر إمكان قتل فخري زاده مرة أخرى، لكن جهاز الموساد حذر من أن مثل هذا الاغتيال سيتسبب بأزمة، لأن إدارة الرئيس أوباما كانت تفاوض إيران من دون علم إسرائيل. في إسرائيل يزعمون أنه رغم رياح المصالحة مع واشنطن، استمر فخري زاده في العمل ساعياً وراء القنبلة طوال الوقت، لم يتخل المهندس المخضرم ذو القلم الأزرق عن حلمه الكبير "وضع رأس نووي على صاروخ" لكن اغتيالاً غامضاً قطع هذا الحلم. 

  


 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم