إعلان

هل يستغلّ بايدن الفوضى في إيران للعب دور "الشرطيّ الجيّد"؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
محسن فخري زاده - "أ ب"
محسن فخري زاده - "أ ب"
A+ A-
تنبئ كل المؤشّرات الإقليميّة بوجود إصرار أميركيّ-إسرائيليّ على تكبيل يدي الرئيس المنتخب جو بايدن لمنعه من إحياء الاتّفاق النوويّ مع ايران. فالعقوبات وعمليّات التخريب والاغتيال التي شهدتها إيران هذه السنة لا تترك مجالاً للشكّ. في أيلول 2020، أعلن المرشّح الديموقراطيّ أنّه يريد العودة إلى الاتّفاق نقطة انطلاق لتمديد بنوده وتوسيع نطاقه ليشمل برنامج إيران الصاروخيّ وسلوكها الإقليميّ. هذا وحده كافٍ لتوقّع نهاية الاتّفاق القديم، لا لأنّ إيران ترفض أساساً أيّ تفاوض حوله وحسب، بل لأنّ التعديلات المقترحة كافية لتغيير طبيعته. ليس معنى ذلك أنّ بايدن ذاهبٌ حكماً بهذا الاتّجاه، فحسابات البرامج الانتخابيّة لا تطابق عادة حسابات البيدر السياسيّ في البيت الأبيض.

يضاف إلى ذلك أنّ بايدن يريد إشراك الحلفاء التقليديّين لتوسيع الاتّفاق الأساسيّ. وإلى الآن ليس معلوماً ما إذا كان هؤلاء يريدون معالجة الجانبين الصاروخيّ والإقليميّ من الاتّفاق، أم يرغبون في إعادة إحيائه كما كان من أجل استئناف نشاطاتهم التجاريّة مع طهران. ما يتبيّن نظريّاً، أنّ بايدن ليس مهتمّاً بإنعاش الاتّفاق كما هو، بحسب ما كتبه أو صرّح به خلال حملته الانتخابيّة. قد يشكّل هذا التوجّه حافزاً إضافيّاً لرئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو والرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب لتدمير ما أمكن – وما تبقّى – من اتّفاق 2015.


"لم نخرج من الغابة بعد"
قبل اغتيال كبير العلماء النوويّين الإيرانيّين محسن فخري زاده، انصبّ التركيز الإعلاميّ على احتمال شنّ ترامب ضربة سريعة ومحدّدة ضدّ منشأة نطنز النوويّة. لم يحُل تراجع ترامب عن هذه الخطوة دون استمرار القلق من تلك الضربة. قال مسؤول أميركيّ للكاتب السياسيّ في صحيفة "واشنطن بوست" دايفيد إغناسيوس يوم الجمعة الماضي "إنّنا لم نخرج من الغابة بعد"، في إشارة إلى أنّ الضربة ضدّ إيران لا تزال على الطاولة، حيث أنّ "الاحتمال صغير إنّما حقيقيّ". لكنّ عمليّة الاغتيال قد تُظهر للأميركيّين أنّ هامش تحرّكهم أوسع من أن يكون مقصوراً على توجيه الغارات أو فرض العقوبات.

وضع الاغتيال طهران بين خيارين: إمّا الردّ والمخاطرة بتصعيد يفقدها "حظوتها" لدى الإدارة الجديدة، وإمّا السكوت لكسب ودّ بايدن مع المخاطرة في الوقت نفسه بتلقّي المزيد من الاغتيالات القاسية. وقد أبدى المحلّل السياسيّ المحافظ فؤاد إيزادي خشيته من هذا الأمر في مقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمس". إنّ زيادة الضغط على إيران لا تؤشّر فقط إلى رغبة ترامب بتقييد خلفه في التعامل معها. بأقصى الاحتمالات، يمكن أن يتسبّب ترامب بمزيد من التصعيد مع طهران لإرهاق بايدن في بداية ولايته عبر دفعه إلى حلّ أزمتين على الأقلّ في آن: الملفّ الإيرانيّ وجائحة "كورونا".

في الأحوال الطبيعيّة، ليس من عادة الرؤساء المغادرين للبيت الأبيض القيام بخطوات تعرقل انطلاق خلفهم. وهذا ما قاله الرئيس السابق لهيئة الأركان المشتركة الجنرال مايكل مولن في حديث إلى شبكة "أن بي سي". فهو أشار إلى أنّ الرؤساء المنتهية ولايتهم يفعلون ما بوسعهم "لإعطاء أيّ رئيس أكبر مقدار ممكن من الخيارات ومن المساحة"، مضيفاً أنّ ما يجري حاليّاً هو عكس ذلك.


"الشرطيّ الجيّد/الشرطيّ السيّئ"
إنّ توتيراً، وربّما صداماً عسكريّاً محدوداً لا يصل إلى حرب شاملة، ليس خبراً سيّئاً لجو بايدن بالمطلق. ينطلق تقييم الحدث من معرفة النيّة الحقيقيّة للرئيس المنتخب. ناشر شؤون الأمن الدوليّ في شبكة "سي أن أن" نِك والش يعتقد أنّ جميع الأطراف المعنيّة، الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، لا تريد الحرب حاليّاً. فواشنطن منشغلة أساساً بسحب جنودها من أفغانستان والعراق، ولا تريد إسرائيل خوض حرب منفردة مع طهران بما أنّ المستقبل السياسيّ لنتنياهو لا يزال غامضاً. أمّا إيران، فهي تدرك أنّها ستكون خاسرة في حرب تقليديّة ضدّ أعدائها علماً أنّها قد تُنزِل بهم أضراراً قادرين على إدارتها.

يعتقد والش أنّ توتّراً كبيراً يسبق تقرّب بايدن من إيران لن يعيق هذا المسار، مضيفاً أنّ بإمكان بايدن لوم ترامب وتقديم اتّفاق "أقلّ مواتاة" بالنسبة إلى إيران لإيقاف جميع تداعيات التصعيد. فإيران غير قادرة على تحمّل تلقّي ضربات محرجة لفترة طويلة تظهرها أنّها عاجزة عن الدفاع عن نفسها. لذلك، ستكون مسألة وقت قبل التوجّه إلى طاولة المفاوضات بحسب رأيه. ومجدّداً، لن يعيق بايدن لعب دور "الشرطيّ الجيّد"، حين يكون "الشرطيّ السيّئ" قد بيّن أنّه قادر على قتل "أثمن الموارد البشريّة في الضواحي الآمنة لطهران".
 

نصيحة
كيفيّة استفادة بايدن من أوراق القوّة التي يؤمّنها له ترامب مسألة قيد التكهّن. تقديم اتّفاق "أقلّ مواتاة" للإيرانيّين وفقاً لوالش توصيف يحمل الكثير من الغموض. هل يكتفي بايدن بتشديد القيود النوويّة من دون التطرّق إلى برنامجها الصاروخيّ؟ لا ينصحه بذلك الكاتب السياسيّ في صحيفة "نيويورك تايمس" توماس فريدمان. فالصواريخ الإيرانيّة، خصوصاً الدقيقة منها، تثير القلق لدى الإسرائيليّين أكثر من البرنامج النوويّ. فاستخدام إيران القنبلة النوويّة سيكون انتحاراً لها، بعكس الصواريخ الدقيقة التي طوّرتها مؤخّراً والتي استهدفت من خلالها المنشآت النفطيّة لشركة "أرامكو" والتي تشكّل الخطر الحقيقيّ على دول المنطقة. لذلك، طلب فريدمان من بايدن ألّا يذهب إلى التفاوض إذا لم يكن في نيّته معالجة هذا البرنامج لأنّه سيرى مقاومة إقليميّة كبيرة لاتّفاق لا يعالج الجانب المذكور.

سيكون صعباً، إن لم يكن مستحيلاً اليوم، معرفة كيفيّة استفادة بايدن من الفوضى التي تعاني منها إيران حاليّاً في المفاوضات المقبلة. مع ذلك، ثمّة ما يلفت النظر: عدم صدور بيان إدانة من بايدن أو كبار مستشاريه لعمليّة اغتيال فخري زاده. قد يتغيّر ذلك في الساعات أو الأيّام المقبلة. لكن حاليّاً، لا يعبّر ذلك عن موقف فريق مستعجل لمدّ خطوط التواصل مع إيران. 


الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم