إعلان

كيف تحوّل بايدن إلى ناخب بارز لرئيسي؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
رئيس السلطة القضائية ابرهيم رئيسي يتقدم بمستندات ترشحه إلى رئاسة الجمهورية الإيرانية - "أ ب"
رئيس السلطة القضائية ابرهيم رئيسي يتقدم بمستندات ترشحه إلى رئاسة الجمهورية الإيرانية - "أ ب"
A+ A-

تكاد إيران تناور بنجاح إدارة ديموقراطيّة ثانية في أقلّ من عشرة أعوام. من الحجج التي صاغتها إدارة أوباما كي تروّج للاتّفاق النوويّ، أنّ الانفتاح على إيران سيؤدّي تدريجيّاً إلى تغيّرات داخليّة تُمكّن الإصلاحيّين من توسيع حضورهم في السلطة. كان بالإمكان أن يكون لهذه الحجّة مبرّراتها خلال الفترة الأولى التي تلت التوقيع على الاتّفاق.

 

في تشرين الأوّل 2015 شهد الرئيس الإيرانيّ حسن روحاني ازدياداً في شعبيّته مع غالبيّة إيرانيّة أعربت عن أملها بنجاح مؤيّدي روحاني في الانتخابات التشريعيّة التي كانت ستقام خلال السنة التالية. فاز الإصلاحيون في 2016 محقّقين تقدّماً كبيراً عن أرقامهم في 2012. لكنّ ذلك الفوز لم يكن ليعني انتصاراً لأفكار أوباما لسببين على الأقلّ.

 

 

تبادل أدوار

لا يوافق جميع المراقبين على أنّ هنالك فارقاً كبيراً بين "الإصلاحيّين" و"المحافظين". بالنسبة إلى هؤلاء، لا يعدو الأمر كونه تبادل أدوار يمكن أن يفيد الإيرانيّين في تواصلهم مع الغرب، وهذا ما حصل في 2015، خصوصاً عبر سمّاه الإيرانيّون "ديبلوماسيّة الابتسامة". بعبارة أخرى، إنّ الإصلاحيّين والمحافظين يلعبون دورَي الشرطيّ الجيّد والشرطيّ السيّئ بحسب رافضي وجود اختلاف جوهريّ بين المعسكرين. ويشير البعض مثلاً إلى أنّ الآمال بانخفاض الإعدامات خلال حقبة روحاني تبدّدت سريعاً.

 

علاوة على ذلك، ذكرت منظّمات حقوقيّة إيرانيّة أنّ الإعدامات خلال ولايتَي روحاني كانت أعلى بكثير من تلك التي سجّلتها ولايتا محمود أحمدي نجاد. ودافع الإصلاحيّون بقوّة عن إعدام الصحافيّ روح الله زم الذي استُدرج من فرنسا إلى العراق ثمّ اقتيد من هناك إلى إيران حيث تمّ إعدامه في كانون الأوّل (ديسمبر) 2020. قال روحاني إنّ الإعدام تمّ بناء على حكم من القضاء المستقلّ. أمّا وزير الخارجيّة محمّد جواد ظريف فاستدعى السفيرين الألمانيّ والفرنسيّ لإسماعهما رفض بلاده إداناتهما لتنفيذ الحكم القضائيّ.

 

 

ظريف وروحاني يشتكيان

حتى مع استبعاد فرضيّة وجود تبادل أدوار بين الطرفين، ثمّة اعتقاد بأنّ الإصلاحيّين لا يستطيعون توسيع حضورهم السياسيّ إلّا بمقدار ما يسمح لهم بذلك المرشد الأعلى علي خامنئي و"الحرس الثوري". هذا الاعتقاد غير مبنيّ على مجرّد تحليلات وحسب، بل بات يستند أخيراً إلى الشكاوى التي أطلقها ظريف نفسه، أكان بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

 

حصل ذلك حينما تقدّم ظريف باستقالة موقّتة عقب عدم إعلامه بزيارة الرئيس السوريّ بشار الأسد إلى إيران، أو حين تمّ تسريب تسجيلات له لا يستبعد فيها أن يكون المتشدّدون قد أسقطوا عمداً الطائرة الأوكرانيّة في كانون الثاني (يناير) 2020، أو حين قال في مقابلة لم تكن معدّة للنشر إنّ "الحرس الثوري" يتمتّع بصلاحيّات أكبر من صلاحيّاته في الشؤون الخارجيّة. وتواصل إحباط الإصلاحيّين حتى وصل الأمر إلى استبعادهم من لائحة التنافس على الانتخابات الرئاسيّة الشهر المقبل.

 

طالب روحاني خامنئي بإصدار توجيهاته إلى مجلس صيانة الدستور ليعيد النظر في قراره من أجل أن تصبح الانتخابات الرئاسيّة أكثر تشاركيّة، لكن من دون جدوى. استبعد المجلس مئات المرشّحين إلى الرئاسة ومن بينهم نائب روحاني إسحق جهانغيري والرئيس السابق لمجلس الشورى علي لاريجاني. ومن المرجّح أن تهدف قرارات المجلس إلى ضمان فوز رئيس السلطة القضائية المحافظ ابرهيم رئيسي بالرئاسة، كي يصار لاحقاً إلى اختياره خلفاً لخامنئي في منصب المرشد الأعلى.

 

علقت في سرديّتها

تظهر هذه الخطوة أنّ جهود بايدن للتفاوض مع إيران من أجل تعزيز موقع الإصلاحيّين ذهبت سدى. بإمكن الإدارة أن تعاود تركيز خطابها على الديبلوماسيّة كوسيلة لمنع إيران من الوصول إلى القنبلة النوويّة، بصرف النظر عن الملفّات الأخرى، كحقوق الإنسان والسلوك الإيرانيّ في المنطقة وغيرها. لكنّها لا تستطيع تحويل سرديّتها بعيداً من الإطار الزمنيّ الذي قرّرت إيران التفاوض فيه. لقد حذّر الإيرانيّون، وفي مقدّمهم ظريف، من أنّ "نافذة الفرصة" تُغلق أمام الأميركيّين للعودة إلى المفاوضات.

 

تضمّن ذلك التحذير إشارة إلى أنّه بمجرّد وصول متشدّد إلى الرئاسة الإيرانيّة فإنّ باب المحادثات سيُغلق. بعد اعتماد الإدارة كلاماً صلباً في البداية عن أنّه لن يكون هنالك تفاوض مع إيران قبل إيقاف التخصيب، سارع الأميركيّون إلى التفاوض غير المباشر في فيينا حتى قبل اتّخاذ طهران أي خطوة عمليّة بشأن وقف التخصيب. من خلال الفوز شبه المحسوم لرئيسي بالرئاسة، فقدت واشنطن – مجدّداً – ما كانت تأمله من تأثير على التطوّرات السياسيّة داخل إيران. فالحكومة الإيرانيّة لا تطلق مفاوضات مع الغربيّين بناء على وجود أو عدم وجود معتدلين فيها، بل بناء على ضوء أخضر من المرشد. وثمّة المزيد.

 

ما يشترك به الجمهوريون والإيرانيون

يُتّهم رئيسي بالمشاركة في "لجنة الموت" التي نفّذت أحكام الإعدام خارج نطاق القضاء بحقّ "مجاهدي خلق" سنة 1988. سيكون بايدن أمام معضلة معنويّة في حال استأنف مفاوضات فيينّا، والمسار الداخليّ الإيرانيّ لا يحاكي توقّعات إدارته الأوّليّة خصوصاً أنّه مهتمّ بالترويج لحقوق الإنسان في سياساته الخارجيّة.

 

لا يعني ذلك أنّ المفاوضات ستتوقّف بسبب التحوّل الكبير في المشهد السياسيّ الإيرانيّ. لكنّ فوز رئيسي سيشكّل مادّة دسمة للجمهوريّين لانتقاد خطوات بايدن الإيرانيّة. وسيضاف هذا العامل إلى سلسلة الأسباب غير القليلة التي تمنع الجمهوريّين من المصادقة على الاتّفاق النوويّ المقبل كمعاهدة دوليّة إذا قرّر بايدن التعامل معها على هذا الأساس.

 

لقد جرّت طهران واشنطن إلى فخّها في فيينّا، فاستفادت من التعهّدات الأميركيّة برفع العقوبات قبل أن تعبّد الطريق الرئاسيّ أمام رئيسي. بذلك، إنّ أيّ نتيجة إيجابيّة صادرة عن المفاوضات سيقطفها المتشدّدون في المرحلة المقبلة، بفعل إصرار بايدن على التفاوض مع إيران قبل الانتخابات.

 

النتيجة ليست أنّ الحجّة التي كانت تَعِد باستفادة الإصلاحيّين من الانفتاح الأميركيّ لم تتحقّق وحسب، بل إنّ عكسها هو الذي حصل. وهذه النتيجة لم تكن خارج إطار التوقّعات. منذ أقلّ من أسبوعين، حذّر نائب رئيس "المجلس الأميركي للسياسة الخارجية" إيلان بيرمان من رغبة واشنطن بالتأثير على السياسات الإيرانية الداخلية. اتّهم بيرمان الإدارة بأنّها تسيء فهم تلك السياسات. هذه قراءة قسم كبير من معارضي بايدن... ومن قادة إيران على حدّ سواء.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم