إعلان

إيران 2021 حصاد مرّ... عطش وفقر واحتجاجات وانتخابات وعقوبات

المصدر: النهار العربي
اسطنبول - أحمد دغاغله
من إنتفاضة الأحواز
من إنتفاضة الأحواز
A+ A-
العام المودع، ودع حسن روحاني رئاسة إيران معتذراً من الشعب عمّا يمر به من ضنك الحياة، وصعوبة الاقتصاد، متحججاً بالجفاف، واستمرار العقوبات، وجائحة كوفيد-19، ومعلناً أنه، حفاظاً على الوحدة الوطنية، لن يصارح الشعب الإيراني بكل الحقيقة.
 
وبين ما أخفاه روحاني وما أظهره من الأسباب، يمكن معرفة نكهة محاصيل 2021 من خلال أحوال الشعب الإيراني، فوجود إيران ضمن البلدان الأكثر كآبة في العالم، له من الدلالات ما يبيّن سوء ما يمر به الإيرانيون. فبحسب تصريح الأستاذ في كلية الآداب في جامعة "خوارزمي" حسين محمدي: "يصنف المجتمع الإيراني ضمن مجتمعات البلدان العشرة الأوائل في العالم لجهة ارتفاع نسبة الكآبة فيه، ونظراً الى ما تمر به إيران من سوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية، فالوضع آخذ في التدهور، وهذا ما يمكن ملاحظته في الحياة اليومية لعوام الناس".
 
وإذا كان الإيرانيون فقدوا في العام الماضي نسبة من اعتبار عملتهم مقابل الدولار، وضيعوا جزءاً من حجم اقتصادهم، فإن خساراتهم المعنوية كانت أكبر حجماً وأكثر فداحةً.
 
أرجوحة المفاوضات النووية
سواء أكانت العقوبات مجرد شماعة أم حقيقية، فإن الحكومة لا تبالي بالتحجج بها، فمن وجهة نظر الإعلام الرسمي كل ما ينزل بإيران له علاقة بالعقوبات، إن لم تكن مباشرة، فغير مباشرة. فالمفتاح هناك، في فيينا، وفي جلسات المفاوضات، فإن أفلحت فليبشر الشعب الإيراني بالفلاح، وإن أخفقت، فالأمر إلى الله أولاً وأخيراً. هذا هو منطق الحكومات المتعاقبة في إيران.
 
وفي البحث عن هذا المفتاح سعت حكومة روحاني الى الذهاب بإيران إلى طاولة المفاوضات، آملة بأن تصل إلى اتفاق يفضي الى رفع العقوبات عنها، عسى أن تتنفس الصعداء في أيامها الأخيرة. فاستبشرت بمجيء جو بايدن الذي فتح في وجه دولة روحاني بوارق من الأمل، فعادت الأطراف الى فيينا -ملتقى المتخاصمين- وحدقت أعين الإيرانيين بشاشة الأخبار، تنتظر نبأ رفع العقوبات، والتوصل إلى صيغة تغلق الباب الذي طالما دخلت منه الرياح، فتقدمت المفاوضات، جولة بعد جولة، حتى كتبت منسقة الإتحاد الأوروبي -مورا- على حسابها في تويتر: "لقد أحرزنا تقدماً جيداً، وهناك اتفاق يتشكل"، واتبعها السفير الروسي  -إليانوف- بتصريح أكثر تفاؤلاً: "بات الاتفاق في متناول اليد".
 
لكن إرادة ما في إيران كانت تبحث عن مزيد من الوقت، ويا لبراعة الإيرانيين في خلق الحجج، فبينما كان يتصاعد فتيل الأمل، وينتظر الجميع في فيينا عودة الوفود التي رجعت الى بلدانها للتشاور، أعلن نائب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن "إيران لن تعود إلى المفاوضات إلا بعد تنصيب الرئيس الجديد، فالبلاد تمر بمرحلة انتقال ديموقراطي"، تصريح أضاع مساعي أشهر عدة من المفاوضات، وأثار استياء كبيراً عند الأميركين والأوروبيين. وربحت منه إيران المزيد من الوقت للتسريع بمشروعها النووي.
 
ما تطمح اليه إيران هو الحضور الى طاولة المفاوضات، وبيدها ورقة التوصل الى السلاح النووي، تلك التي لها كلام الفصل، وقدرة الحسم. غير أن خطة إيران لشراء مزيد من الوقت باتت مكشوفة عند الطرف الغربي، اذ إن بعد استئناف الجولة السابعة من المحادثات في الشهر الجاري، جاء في التصريح الأوروبي: "ليس هناك متسع من الوقت، وفي حال عدم التوصل إلى توافق نهائي، لا يبقى في المستقبل القريب سوى قشرة خاوية من التوافق النووي". وأضاف مستشار الأمن الأميركي جيك سويلفان أن واشنطن، والقوى العالمية، خلف الأبواب المغلقة، توصلت إلى تعيين أجل محدد للمفاوضات النووية مع إيران، والتي تنتهي خلال الأسابيع القليلة المقبلة. 
 
وبين إصرار الدولة العميقة في إيران على المماطلة، وبين تلويح أميركا والدول الأوروبية بتحديد أجل للإنتقال الى المعالجة العسكرية، تبقى آمال الشعب الإيراني متأرجحة، حتى أجل غير مسمى.
 
الإنتخابات
أما داخلياً فقد تكون الانتخابات الرئاسية أهم حدث مرت به إيران في عام 2021، انتخابات استبعد مجلس صيانة الدستور منها 98 في المئة من المرشحين، من بينهم، الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، ورئيس المجلس السابق علي لاريجاني، والنائب الأول للرئيس إسحاق جهانجيري. استبعادات أدت، وعند جمعها بعوامل أخرى كالظروف الإقتصادية وعدم الرضا  الشعبي وغيرها من العوامل، إلى حالة من اللامبالاة الواسعة بشأن البلاد عموماً، وبالانتخابات خصوصاً.
 
فنسبة مشاركة 48.8 في المئة من الناخبين في هذه الانتخابات، هي أدنى نسبة للمشاركة في تاريخ الجمهورية الإسلامية، أي 28 ملیون إيراني من بين ما يقارب 60 ملیوناً، انتهت بانتخاب ابراهيم رئيسي المتشدد رئيساً للبلاد.
 
إنتخابات أكثر ما برز فيها يأس الشعب، وفقدان ثقته بصندوق الانتخابات، وإحباطه من إنجاح أي عملية إصلاحية. فإذا كان التيار المتشدد في إيران هو الفائز في الانتخابات، فمشروعية النظام كانت هي أولى الخاسرين.
 
كوفيد-19
كانت بداية 2021 غير سعيدة للإيرانيين، فبينما كان العام يستبشر بالحصول على لقاح لكورونا، صرح المرشد الأعلى بممنوعية استيراد اللقاح من أميركا وبريطانيا، مخاطباً شعبه بأن "الإميركيين والبريطانيين غير جديرين بالثقة على الإطلاق، وليس من المستبعد أنهم يرىدون تلويث الدول الأخرى"، وطمأن الشعب الى أن إيران ستحصل على اللقاحات من أماكن أخرى، يمكن الاعتماد عليها.
 
غير أن تنبؤات الإدارة الإيرانية أخفقت، فلا ايران تمكنت من إنتاج لقاح بركة (الداخلي)، ولا روسيا -المعتمد عليها- التزمت مواعيدها في تأمين لقاح "سبوتنيك". 
 
مجموعة أخطاء وضعت الإيرانيين بصدور عارية مقابل جائحة قل نظيرها فتكاً، فتزايدت أرقام المصابين والمتوفين، وعلى الرغم من تضارب الأرقام، والشكوك الكبيرة في صحتها، أخذت البلاد تتصدر قائمة الضحايا في العالم لأيام عدة. وأصبحت إيران ضمن الدول العشر الأوائل في سوء إدارتها للأزمة، إذ إن بحسب الإحصاءات المنتشرة في موقع worldometrs.inof حلت إيران، واستناداً الى إحصاءاتها الرسمية، في المرتبة التاسعة عالمياً. وأما بحسب الإحصاءات غير الرسمية لأعداد المصابين والمتوفين، فتحظى إيران بالمرتبة الرابعة عالمياً في نسبة ضحايا كورونا.
 
لكن مع مجيء رئيسي، وتقليص دائرة حظر المرشد على الشركات المنتجة للقاح، بدأت إيران حملة تطعيم واسعة بينت تأثيرها بالإنخفاض الشديد في عدد المصابين، اذ إن الرئيس الجديد، في خطاب له لمناسبة مرور 100 يوم على توليه منصبه، أنبأ الإيرانيين بحقن أكثر من مئة مليون جرعة من اللقاح. 
 
الجفاف... والإستعصاء على الحل
قد تكون الإنتفاضة التي اندلعت في الأحواز في 15 تموز (یولیو)، هي الأكبر من بين الاحتجاجات التي شهدتها إيران خلال العام الماضي، والتي أدت الی مقتل أکثر من عشرة من المتظاهرين، واستقطبت تعاطف الکثیر من المدن. والسبب هو، أزمة المیاه التي حذر منها الكثير من الخبراء، ومنهم وزير الزراعة السابق عيسى كلانتر الذي وصفها بأنها "أكثر خطورة من أميركا وإسرائيل على البلاد"، وأما توقعات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، فتزيد الأمر تعقيداً، إذ أفادت بأن خلال السنوات الخمس المقبلة ستشهد البلاد انخفاضاً في الأمطار بنسبة 75 في المئة، كما سترتفع درجة الحرارة بشكل غير مسبوق. 
 
إذاً، احتجاحات الأحواز لمدة أكثر من أسبوعين متاليين وما شهدته من ضحايا لم تكن سوى بداية لحروب المياه القادمة في إيران، إذ استمرت الاحتجاجات في معظم المدن بالتناوب، وكان آخرها قبل أيام قليلة في إصفهان التي شهدت صدامات بين المتظاهرين والشرطة. 
 
الاقتصاد
وأما عن الفاتورة، والتي عادة ما تأتي آخراً؛ لتبيّن حساب الربح والخسارة، فدفعتها إيران غالية جداً، لدعمها الإرهاب والسعي الى التمدد والمرواغة للحصول على السلاح النووي وتجاهل المجتمع الدولي. أمور اذا جمعت مع فرض العقوبات فإن نتيجتها فاقت المتوقع. 
 
فقد شهدت إيران في العام الماضي تضخماً بنسبة 49 في المئة، وهي نسبة وصفها الإستاذ الجامعي فريدون خانوند بأنها "منقطعة النظير في تاريخ إيران المعاصر"، وتسببت بازدياد نسبة الفقر في إيران. الواقع الذي أكده رئيس لجنة الإغاثة الإيراني بختياري بقوله إن "ثلث سكان إيران أصبحوا دون مستوى الفقر". أما موازنة العام الماضي فشهدت عجزاً بنسة 33 في المئة.
 
وأما اولئك الذين كانوا يحمّلون بعض الحكومة مسؤولية ما يحصل من تدهور اقتصادي، فجاء بهم دولاب الأيام بمجيء رئيسي الى سدة الحكم، ليريهم الحقيقة، وأنه لا يمكن لبلاد نفطية كإيران أن تدار في ظل البيع المحدود للنفط، كما لا يرجى لاقتصادها الرونق إذا ما انقطع من العالم الخارجي، وأن تضخم إيران الذي وضعها في المرتبة السادسة عالمياً له مضاعفات، اقتصادية واجتماعية جمة، فالفقر، والتضخم، والقمع الإجتماعي، وغياب الحوافز، والضغوط السياسية، وهجرة النخب، إن اجتمعت، ستفقد الشعب آماله، وحوافزه، وعندئذ لا يبقى معنى لا للمجتمع ولا للحياة.
 
وللمتابع أن يرى بين سوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية، علاقة مباشرة، بمطالبة الشعب الإيراني بالتغيير، فكلما انخفضت معدلات جودة الحياة، زادت ضغوط الشعب. وفي احتجاجات المعلمين -التي تمر هذه الأيام في ذورتها-، والاحتجاجات النقابية، وثورات العطش، تمكن ملاحظة نماذج مرشحة للتكرار، بدرجات أقوى، ومساحات أكبر.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم