إعلان

بعد اغتيال فخري زاده... هل يعمل المتشدّدون بنصيحة روحاني؟

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
الرئيس الإيراني حسن روحاني، أيلول 2019 - "أ ب"
الرئيس الإيراني حسن روحاني، أيلول 2019 - "أ ب"
A+ A-
لا تزال غيوم نزاع إسرائيليّ-إيرانيّ تتلبّد في سماء الشرق الأوسط مع تتالي الأحداث الأمنيّة وآخرها اغتيال العالم الذي وُصف بـ "أبي البرنامج النوويّ الإيرانيّ" محسن فخري زاده يوم أمس الجمعة قرب طهران. قال وزير الخارجيّة محمّد جواد ظريف إنّ هنالك مؤشّرات إلى دور إسرائيليّ في عمليّة الاغتيال داعياً أوروبا إلى التخلّي عن "ازدواجيّتها" وإدانة العمليّة. بحسب التصريحات الرسميّة، ثمّة اختلاف ضمنيّ في الموقف الإيرانيّ حول توقيت الردّ على الاغتيال.
 

بين "البرق" و "الفخ"
المستشار العسكريّ للمرشد الأعلى علي خامنئي حسين دهقان قال: "سنضرب مثل البرق قتلة هذا الشهيد وسنجعلهم يندمون على فعلتهم". وتوعّد خامنئي نفسه اليوم السبت بالثأر لمقتل فخري زاده. لكنّ موقف الرئيس الإيرانيّ حسن روحاني بدا أقلّ اندفاعاً على الرغم من إشارته إلى ضرورة الثأر: "الأمّة الإيرانيّة أذكى من أن تقع في فخّ المؤامرة الذي نصبه الصهاينة. هم يفكّرون بخلق فوضى، لكن عليهم أن يدركوا أنّنا كشفنا ألاعيبهم ولن ينجحوا في تحقيق أهدافهم الخبيثة". وأضاف أيضاً في كلمة متلفزة اليوم السبت: "إيران ستردّ قطعاً على استشهاد عالمنا في الوقت المناسب".

من المرجّح أن يكون حديث روحاني متضمّناً دعوة إلى القيادة الإيرانيّة لعدم الانجرار إلى الردّ في الفترة الانتقاليّة التي تشهدها الولايات المتّحدة. يدرك روحاني أنّ الوقوف الأميركيّ و/أو الإسرائيليّ خلف عمليّة الاغتيال يهدف إلى قتل أيّ مبادرة مستقبليّة للرئيس المنتخب جو بايدن من أجل الانفتاح على طهران. يتزامن ذلك مع الخبر الذي كشفته صحيفة "نيويورك تايمس" حول درس ترامب توجيه ضربة عسكريّة إلى مفاعل نطنز قبل أن يثنيه مستشاروه عن هذه الخطوة. لكنّ الإيرانيّين يدركون أنّ هذا التراجع قد لا يكون نهائيّاً بالنظر إلى طباع ترامب. هذا ما يمكن استنتاجه من كلمة "الفخّ" التي ذكرها روحاني في كلمته.


حجم الاختراق الأمنيّ
ستبقى قدرة إيران على ممارسة "ضبط النفس" محطّ مراقبة. لا يرتبط الموضوع بالاستهداف الذي تعرّض ويتعرّض له كبار علمائها النوويّين وحسب. المشكلة الكبرى متعلقة بحجم الاختراق الأمنيّ في إيران والذي تبدّى أمام العالم خلال الأشهر الأخيرة. ذكرت صحيفة "نيويورك تايمس" أنّه في 7 آب، اغتال الموساد الإسرائيليّ ثاني قياديّ في تنظيم "القاعدة" عبدالله أحمد عبدالله في أحد شوارع طهران. كان عبدالله متورّطاً في تفجير سفارتين أميركيّتين بشكل متزامن في كينيا وتنزانيا، في 7 آب 1998. اختار الموساد تنفيذ عمليّة القتل (والثأر) بعد 22 عاماً بالضبط، أي في اليوم نفسه الذي وقع فيه الاعتداء ضدّ السفارتين. إنّ قدرة الإسرائيليّين على اختيار التوقيت الذي يناسبهم لشنّ عمليّاتهم في العاصمة الإيرانيّة يكشف حجم الاختراق الأمنيّ. (إيران نفت صحّة ما ورد في تقرير الصحيفة).

توقيت اغتيال فخري زاده مثير للالتباس أيضاً. فهو أتى بعد عشرة أعوام على اغتيال العالم النوويّ مجيد شهرياري، وإن بفارق يومين. ليس مؤكّداً ما إذا كان هذا التوقيت مقصوداً أيضاً. لكن لو كان كذلك، فهو دليل إضافيّ على حجم الثغرات الأمنيّة، خصوصاً أنّ فخري زاده كان يتجنّب السفر إلى الخارج خشية من أن يستهدفه الإسرائيليّون وفقاً لصحيفة "صنداي تايمس". والتمكّن من اغتياله على بعد 60 كيلومتراً فقط من العاصمة سيطرح علامات استفهام كبيرة داخل القيادة الإيرانيّة لمعرفة مكامن الاختراقات الأمنيّة والاستخباريّة. يضاف ذلك إلى سلسلة من الانفجارات والحرائق وعمليّات التخريب الغامضة التي طالت محطّات للطاقة الكهربائيّة والنوويّة من بينها مفاعل نطنز.


"تضخيم الرسالة المروّعة"
تأجيل الردّ الإيرانيّ له تداعياته أيضاً على البرنامج النوويّ. في تعليق على عمليّة الاغتيال، نقلت صحيفة "نيويورك تايمس" عن مسؤولين أميركيّين لم تسمّهم قولهم إنّ ما حدث "يضخّم الرسالة المروّعة لكبار العلماء البارزين الآخرين في البلاد والعاملين على ذلك المشروع: إذا كان الرأس المحروس جدّاً لا يمكن حمايتُه، فلا أحد آخر محميّ أيضاً".
وتضيف الصحيفة أنّ أهمّيّة فخري زاده لا تكمن فقط في قدرته الأكاديميّة والعلميّة بل في قدرته أيضاَ على إدراك الروابط بين العلم والسياسة.

بالتطرّق إلى الوضع السياسيّ، كان بارزاً كيف أعاد الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب تغريدتين للصحافيّ الإسرائيليّ يوسي ملمان، واحدة بالإنكليزية والثانية بالعبرانيّة، حيث كتب أنّ "وفاته (زاده) هي ضربة نفسيّة ومهنيّة كبيرة لإيران". وفي ذلك بالحدّ الأدنى موافقة ضمنيّة على عمليّة الاغتيال، وخطوة شبيهة إلى حدّ ما بردّة فعله على اغتيال قاسم سليماني في كانون الثاني الماضي حين نشر بعدها صورة العلم الأميركيّ على حسابه في "تويتر".


الثقة بروحاني
من اغتيال قاسم سليماني وصولاً إلى تصفية فخري زاده وما توسّطهما من ضغوط أمنيّة وسياسيّة على القيادة الإيرانيّة، يبدو أنّ الأميركيّين والإسرائيليّين وضعوا إيران في موقف حرج. كلّما اقترب موعد دخول بايدن إلى البيت الأبيض، نزفت إيران المزيد من نقاط القوّة والنفوذ استعداداً لجولة المفاوضات المفترضة. تريد طهران وبإلحاح وقف هذا النزيف. قد لا يكون أمامها سوى الردّ الأمنيّ على ذلك. غير أنّ ردّاً كهذا ليس مضمون النتائج. هذه هي خلاصة طلب روحاني "تأجيل الانتقام" إلى "الوقت المناسب". فهل يصغي "الجناح المتشدّد" في طهران إلى كلامه؟

لا يثق المتشدّدون بـ "الجناح المعتدل" وعلى رأسه روحاني لأنّ توقّعات الأخير بقطف إيران ثمار الاتّفاق النوويّ خابت كثيراً. ومع ذلك، هم يحتاجون إليه على الأقلّ لإطلاق المحادثات المقبلة، قبل أن تستأنفها حكومة جديدة متوقّعٌ لها أن تكون أكثر تشدّداً بعد انتخابات حزيران 2021. حساباتٌ داخليّة وخارجيّة معقّدة انتظرت القيادة الإيرانيّة في 2020. اغتيال فخري زاده عقّدها أكثر.


الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم