إعلان

ربيع الشعوب في إيران: تبريز تهتف بلغتها الأم نصرة للأحواز

المصدر: يوسف الصرخي- النهار العربي
A+ A-
فيما تتدحرج الكرة التي أطلقها الشباب الأحوازي خلال انتفاضة تموز (يوليو) الشعبية والتي شملت معظم المدن العربية من ميناء أبو شهر حتى شمال الأحواز في ديزفول، أصبح التضامن مع هذه الظاهرة الوليدة من ضمن أولويات الشعوب غير الفارسية داخل إيران وعلى رأسها إقليم أذربيجان الجنوبي والذي يقف مع الأحواز في موقف مشترك أمام خطاب الدولة الإيرانية الهوياتي - القومي، حيث أطلقت السلطات الإيرانية ومنذ نشأة الدولة القومية الحديثة على عهد رضا بهلوي حملتها بهدف تغييب وتحريف هوية السكان الأصليين من التركية إلى الفارسية على غرار ما حصل في الأحواز وفي شكل متزامن من قبل.
 
لقد انطلقت احتجاجات تبريز عاصمة إقليم أذربيجان الواقع في الشمال الغربي لإيران والممتد حتى العاصمة طهران حيث تعد ثاني أكبر مدينة يقطنها الأتراك في العالم، بعد أسبوع من انتفاضة الأحواز، وأعلن من خلالها المجتمع المدني والسياسي التركي تضامنه مع العرب في الأحواز طارحاً مطالباته التي تؤكد العدالة والحرية والحكم الوطني المستقل في الإقليم.
 
إن الأهداف الاستراتيجية لهذا النوع من التعطاف العابر للقوميات والذي يأتي خارج التنسيق مع المعارضة الفارسية في طهران، هي بمثابة تحديات جدية أمام الدولة - الأمة الفارسية التي باتت رواية باهتة لا تروي عطش الملايين من أبناء الشعوب إلى الحرية والعدالة والمساواة الشاملة بين الشعوب وبقية الأقليات الدينية والجندرية في عموم المنطقة وليس فقط إيران.
 
يُعد إقليم أذربيجان من أهم الأقاليم غير الفارسية في إيران وأكبرها من حيث وسعته الجغرافية - المدنية وكذلك سكانه الذين يعدون ثاني أكثر قومية بعد الفرس في إيران عدداً وانتشاراً. لقد أدى هذا الإقليم دوراً مهماً في استقرار الملكية الدستورية خلال حكم الإمبراطورية القاجارية باعتباره إقليماً تركياً تتقاطع هويته مع الإمبراطورية التركية الناطقة بالفارسية ومقراً لولاة عهد الإمبراطورية آنذاك.
 
لقد مر الشعب التركي بظروف صعبة حينما قرر وبعد عزل البهلوي الأول خلال الحرب العالمية استعادة حقوقه القومية عبر تأسيس جمهورية أذربيجان الجنوبية عام 1946. كانت دولة أذربيجان مثالاً رائعاً لتحقيق الديموقراطية في تاريخ إيران المعاصر حيث تمتعت النساء فيه للمرة الأولى بحق التصويت وممارسة الحريات المدنية، كما حصل الفلاحون والعمال على حقوقهم وعهدت لهم النخبة الوطنية بذلك.
 
لقد انتهت الدولة التركية الوليدة (بزعامة جعفر بيشه وري) وبعد عام من نشأتها بمجازر مروعة ارتكبها الجيش الإيراني حينما هاجم تبريز، في وقت قد سحب الاتحاد السوفياتي حمايته من (فرقه دمكرات) إثر اتفاق نفطي مع طهران كان السبب في تراجع الفرقة نحو باكو عاصمة أذربيجان الشمالية المحاذية للإقليم وإعدام من تبقى منهم في تبريز وطهران.
 
حديثاً، شارك الإقليم الأذربيجاني (الشيعي) في احتجاجات عدة كان يخوضها بوجه العنصرية المؤسسية والتي تعتبر العرب والأتراك هم سبب دمار إيران تاريخياً، من دون النظر إلى التواجد التركي على رأس السلطة والذي امتد نحو ألف عام أنتج الأدب والثقافة والفن كما حافظ على بقاء اللغة الفارسية وتطويرها مانحاً الأقاليم غير الفارسية الفضاء المتاح من السلام والمشاركة ضمن احترام حدودهم وثقافتهم، كما كان على عهد الامبراطورية القاجارية قبل سقوطها على يد النخبة الفارسية الصاعدة والمتأثرة بالخطاب النازي القومي عام 1925 وتعيين رضا بهلوي ملكاً فارسياً من أولى برامجه هي إلغاء هوية الشعوب ووجودها بصفتها تهديداً لوحدة الأرض والتراب الآري في إيران.
 
إضافة إلى ذلك يعاني الإقليم من مشاكل عدة أهمها البطالة؛ منع النشاط الثقافي والمدني باللغة التركية، والتغيير الديموغرافي في حدود الإقليم ومحاولة عزله عن تركيا، والتلوث ونقل الموارد المحلية من الذهب والنحاس إلى المصانع المتمركزة في العمق الفارسي، وتقسيم الإقليم بين محافظات عدة، والأهم من ذلك كله التجفيف شبه المتعمد لأكبر بحيرة في الشرق الأوسط (بحيرة أورمية) ما يجعل الإقليم في مواجهة مستمرة مع السلطات متجاوزاً المطالبات المحلية إلى مطالبات رئيسية أهمها الحكم الوطني والتخلص من سلطة طهران.
 
بعد أسبوع من انطلاقة انتفاضة تموز (يوليو) الجاري في الأحواز والتي اشتهرت بالمطالبات المتعلقة بالمياه وتجفيف الأراضي من خلال حرف مياه الأنهر؛ الكارون والكرخة والدز والجراحي، والتهجير القسري متجاوزة ذلك إلى مستويات رفيعة تتعلق بحق تقرير المصير وكذلك طرح قضية التحرر الوطني على الرأي العام الداخلي والخارجي، كسرت تبريز صمتها عن المشاركة في الاحتجاجات داخل الفضاء السياسي الفارسي والإيراني كما عرفت به خلال احتجاجات 2008 و2016 و2017 حيث لم يشارك المجتمع التركي المركز الإيراني مطالباته مكتفياً بنشاطه المستقل تارة والبحث عن حلفاء جديين تارة أخرى.
 
لقد أزالت شعارات (أذربيجان... الأحواز، اتحاد اتحاد) في تبريز خلال الأيام الأخيرة الغطاء عن قضية مهمة وحساسة تتعلق بكينونة إيران الحالية وهي اتحاد العرب و"التورك" بوجه الدولة التي اعتبرتهم مشكلة وجودية منذ التأسيس خلافاً للشعب البلوشي والكردي اللذين تمتعا ولو قليلاً ببعض القبول بصفتهم شعوباً تتشارك الجذور مع الشعب الفارسي الحاكم في طهران.
 
تأتي الوحدة بين القضيتين "الشيعيتين" وغير الفارسيتين المحظورتين داخل إيران بمثابة مرحلة جديدة تمسك الشعوب بيدها المبادرة السياسية ضد النظام الحاكم والمعارضة الفارسية التقليدية في وقت واحد، تطرح قضايا جذرية تتعدى سقوط النظام إلى قضايا تم السكوت عنها لقرن من الزمن والتي تغذي الديكتاتورية السياسية والمجتمعية حينما يكون الدفاع عن وحدة الأراضي من واجب حكم مركزي مقتدر وعسكري كاسر يتمثل في شخص الشاه لدى المعارضة من جهة و"الحرس الثوري" وقاسم سليماني لدى النظام الحاكم من جهة أخرى.
 
لقد دخل الفضاء السياسي الإيراني ساحة من التحديات المطروحة أمام جميع اللاعبين بعد انتفاضة تموز الأحواز المستمرة حيث بدأ فيها النظام والمعارضة أكثر انفعالاً أمام لاعب جديد طموح يؤكد الحرية والديموقراطية ليس عبر إسقاط النظام الحالي فقط بل في إعادة صياغة المفاهيم السياسية والثقافية والمجتمعية في إيران حتى تضمن الحقوق القصوى للأقليات، الشعوب والفئات المهمشة في إيران.
 
* كاتب وناقد سياسي وثقافي من الأحواز
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم