إعلان

هل عدّل ترامب نظرة الشعب الأميركيّ تجاه إيران؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس الأميركي دونالد ترامب ينسحب من الاتفاق النووي، 2018 - "أ ب"
الرئيس الأميركي دونالد ترامب ينسحب من الاتفاق النووي، 2018 - "أ ب"
A+ A-

حاول الأوروبيون حثّ إدارة بايدن على تقديم تنازلات مبكرة للإيرانيين من أجل إحياء الاتفاق النووي. حصل ذلك بعد أسابيع قليلة على تنصيب جو بايدن رئيساً وفقاً لما قاله ديبلوماسيان أوروبيان لمجلة "فورين بوليسي" شرط عدم الكشف عن اسمهما. اقترح الأوروبيون رفع بعض العقوبات من أجل دفع الولايات المتحدة إلى موقع أقرب للامتثال ووضع المسؤولية على إيران للقيام بخطوات مماثلة. شرح كبير الباحثين في الشؤون الإيرانية في "مجموعة الأزمات الدولية" علي واعظ أنّ الأوروبّيين لم يدركوا ثقل هذا الملفّ وتأثيره على السياسات الأميركيّة الداخليّة. وقال للمجلّة نفسها: "الاتفاق النووي ليس مسألة سياسية داخلية في أوروبا. لم يفهموا حجم العرقلة التي ستفرضها المعارضة السياسية الداخلية أمام التقدم" في هذه القضية.

 

إذا كان الحزب الجمهوريّ يشكّل النواة الصلبة لمعارضة أيّ عودة إلى الاتّفاق النوويّ بصيغته الأساسيّة، فإنّ أصواتاً ديموقراطيّة بارزة تؤيّد الجمهوريّين في مسعاهم. ولعل أهمّها رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ بوب مينينديز. وجّه الأخير رسالة إلى بايدن رفقة زميله الجمهوريّ ليندزي غراهام يحضّانه فيها على العمل مع الحلفاء بمن فيهم منتقدو الاتفاق لتشديد بنوده وتقييد إمكانية طهران في زعزعة استقرار المنطقة وتطوير صواريخها البالستية. تمّ توجيه هذه الرسالة إلى الرئيس الأميركيّ يوم الخميس الماضي وقد وقّع عليها 41 سيناتوراً إضافيّاً من كلا الحزبين بحسب المجلّة.

 

اغتيال سليماني

مع مجيء ترامب إلى الحكم وانسحابه من الاتفاق النووي، وخصوصاً بعد اتّخاذه قرار اغتيال القائد السابق لـ"قوة القدس" قاسم سليماني، ازداد الاهتمام الأميركيّ بالملفّ الإيرانيّ. وتصاعد أيضاً – بشكل عام – عدد الأميركيّين الذي ينظرون إلى طهران كتهديد أساسيّ للولايات المتحدة. في 8 كانون الثاني 2020، نشرت وكالة "رويترز" استطلاعاً نظّمته بالتعاون مع شركة "إيبسوس" بين 6 و 7 كانون الثاني وجد أنّ 53% من الأميركيين يعارضون طريقة تعامل ترامب مع إيران، بزيادة 9% عن استطلاع سابق أجري قبل شهر تقريباً. مع ذلك، تضاعفت نسبة الأقلية الأميركية التي تؤيّد "ضربة وقائيّة" ضد إيران إذ وجد استطلاع الرأي أنّ 27% من الأميركيّين قالوا إنّه يجب على واشنطن أن تضرب أولاً، بعدما كانت النسبة 12% في أيار.

 

لكن في 15 كانون الثاني، نشر مركز "بيو" للأبحاث استطلاعاً آخر وجد أنّ 48% من الأميركيّين أيدوا اغتيال سليماني مقابل رفض 43% للعمليّة. ووجد أيضاً أنّ أقلّيّة (44%) رأت في مقاربته إضعافاً للولايات المتّحدة عبر جعلها أقلّ أمناً. بينما أبدت الأكثرية ارتياحاً نسبياً تجاه الضربة (28% قالوا إنّها جعلت الولايات المتحدة أكثر أماناً و26% وجدوا أنّها لم تغيّر الوضع القائم).

 

ليس واضحاً سبب الاختلاف بين الاستطلاعين. قد يعود الأمر إلى المنهجيّة حيث استطلعت "رويترز/إيبسوس" عدداً أقلّ من الأميركيين (1108 مقابل 1504 لـ"بيو") وإلى شمول الاستطلاع الأخير فئات أوسع من الأميركيين بما أنّه أجري باللغتين الإنكليزية والإسبانية (مقابل اللغة الإنكليزية لـ"رويترز/إيبسوس"). كذلك، أجرى "بيو" استطلاعه بين 8 و 13 كانون الثاني، أي أنّ معظم المستجوبين أعطوا رأيهم بعد الردّ الإيرانيّ الضعيف على اغتيال سليماني.

 

استطلاع ثالث: المشهد أوضح

بصرف النظر عن هذين الاستطلاعين، ثمّة ما يؤشّر إلى أنّ الرأي العام الأميركيّ بدأ يميل في السنوات الأخيرة إلى التشدّد أكثر في نظرته تجاه إيران. بحسب مركز "غالوب" ازدادت النظرة الأميركيّة السلبيّة تجاه إيران بين شباط 2019 وشباط 2020 من 82% إلى 88%. علماً أنّ هذه النسبة كانت 79% في شباط 2016 أي في السنة الأخيرة من ولاية أوباما وبعد التوقيع على الاتفاق النووي. وهذا يعني أنّ النظرة السلبية العامة للأميركيين تجاه إيران ازدادت 9% بين نهاية ولاية أوباما ونهاية ولاية ترامب. وبحسب أرقام المركز نفسه، نادراً ما وصلت النظرة السلبية إلى هذا الرقم خلال العقود الثلاثة الماضية، باستثناء سنتي 1989 و 2008.

 

وسأل "غالوب" الأميركيّين عن الدولة التي يرونها "أكبر عدو" للولايات المتحدة. من سنة 2016 وحتى 2020، ارتفعت نسبة الذين أجابوا "إيران" من 14 إلى 19%. وتقترب هذه النسبة من نسبة الذين قالوا سنة 2020 إنّ الصين هي العدو الأول (22%) وروسيا (23%). وبين 16 و 29 كانون الثاني 2020، وافق 53% على اغتيال سليماني مقابل رفض 45% منهم للضربة. وفي 2019، وافق 35% من الأميركيّين على توجيه ضربة عسكريّة إلى إيران في حال فشلت الجهود الديبلوماسيّة والاقتصاديّة. في 2007 كان هذا الرقم أقل: 28%. أمّا الذين رفضوا التحرّك العسكريّ بالرغم من فشل هذه الجهود فقد انخفضت نسبتهم بشكل بسيط خلال هذه الفترة من 45 إلى 43%.

 

ارتياب وإحباط عميق

تُظهر هذه المؤشّرات تغيّراً في المزاج الشعبيّ الأميركيّ تجاه إيران بعد السنوات التي قضاها ترامب في البيت الأبيض. هذه المؤشّرات عرضة للتبدّل بوجود أحداث دوليّة دراميّة، كما حصل في 2018 حين رأت غالبيّة الأميركيّين أنّ "العدوّ الأول" هو كوريا الشمالية (51%) وقلّة (7%) أنّ إيران هي كذلك. لكنّ المنحى العام يشير إلى أنّ الأميركيّين يميلون إلى الارتياب أكثر من طهران. يفرض المزاج الشعبيّ نفسه كأحد عوامل صناعة القرار في واشنطن، تنفيذيّاً وتشريعيّاً. نتيجة ذلك هي أنّ الملفّ لم يعد مجرّد صراع سياسيّ بين إدارتين وحزبين مختلفين فقط بل إنّ تداعياته باتت تؤثّر بشكل أكبر في الخيارات الشعبيّة الانتخابيّة.

 

يفسّر ذلك جزئيّاً أسباب عدم مسارعة بايدن إلى الانضمام مجدّداً للاتفاق النوويّ بمجرّد فوزه بالرئاسة، والإحباط الذي انتشر بين الأوروبيين أو بين مؤيّدي إحياء الاتّفاق. لهذا السبب، قال أحد المساعدين في الكونغرس الأميركيّ لـ"فورين بوليسي" إنّه كان يتوجّب على الإدارة الحاليّة أن تفعل ذلك في اليوم الثاني على استلامها مقاليد الحكم. وأضاف: "هذا واحد من أوضح التزامات الرئيس بايدن. كمرشّح، أعلن بايدن عن الحاجة ‘الملحّة‘ لعودة الانضمام إلى خطة العمل الشاملة المشتركة. أنا لا أشعر بالإلحاح اللعين".

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم