إعلان

بايدن يسحب أصوله العسكرية من المنطقة بطلب من إيران؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس الأميركي جو بايدن - "أ ب"
الرئيس الأميركي جو بايدن - "أ ب"
A+ A-

عند منعطف إقليميّ حسّاس، ارتأى الرئيس الأميركيّ جو بايدن سحب أصول عسكريّة دفاعيّة ضخمة من دول عربيّة شرق أوسطيّة. قالت إدارته إنّها نسّقت مع الحلفاء قبل أن تتّخذ القرار. لكن في نهاية المطاف، من الواضح أنّ قراراً كهذا كان قد حُسم منذ فترة وادّعاء التنسيق هو من قبيل الأصول الديبلوماسيّة. تدرك القوى الإقليميّة أنّ بايدن يريد تركيز جهوده في شرق آسيا، ولهذا السبب اختار تخفيف البصمة الأميركيّة في الشرق الأوسط – بصرف النظر عن صحّة الخيار للمصلحة الأميركيّة قبل المصلحة المشتركة. ليس هذا القرار، أو تحديداً هذا السبب/الذريعة، فريداً من نوعه. فقد استخدمته الإدارة لتبرير انسحابها أيضاً من أفغانستان على الرغم من إمكانيّة خدمته الصين بدلاً من الولايات المتحدة.

 

تحدّث بايدن كثيراً عن عودة المنهجيّة والمهنيّة إلى آليّة صناعة القرار في البيت الأبيض بعد فترة من الارتجاليّة التي طغت على قرارات الرئيس السابق دونالد ترامب. إذا صحّ هذا التوصيف بالنسبة إلى خيارات عدّة اتّخذها ترامب، فهذا لا يعني عدم انطباقه على بعض خيارات الإدارة الحاليّة أيضاً. وأفغانستان – مجدّداً – مثلٌ حيّ على ذلك. لقد حسم بايدن خياره بشأن الانسحاب حتى قبل إنهاء فريقه مراجعة السياسة الأفغانيّة. وأصرّ بايدن على قراره حتى مع اعتراف مسؤولين أميركيّين وأمميّين بأنّ العلاقة بين "القاعدة" و"طالبان" لم تنقطع وأنّ الأولى ستعيد على الأرجح تجميع نفسها في غضون سنتين، بينما قد تجتاح الثانية العاصمة كابول في غضون ستّة أشهر، وربّما أقلّ.

 

دعوة

ما تدركه القوى الإقليميّة وخصوصاً الخليجيّة أنّ سحب الأصول العسكريّة الدفاعيّة ومن بينها ثماني بطّاريّات صواريخ من طراز "باتريوت" قد لا يهدف إلى تعزيز الموقف الأميركيّ تجاه الصين – أقلّه ليس بطريقة أساسيّة. قرار بايدن الأخير الذي كشفته أوّلاً صحيفة "وول ستريت جورنال" ثمّ أكّدته لاحقاً وزارة الدفاع لا ينفصل عن محاولات استرضاء إيران لإنجاح مهمّة العودة إلى الاتّفاق النوويّ. حين بدأت الإدارة تنفّذ قرارها بداية الشهر الحاليّ، لم تبالِ كثيراً بالمتغيّرات السياسيّة داخل إيران التي قضت بتمهيد الطريق أمام المتشدّد ابرهيم رئيسي للوصول إلى الرئاسة. ورئيسي مصنّفٌ منذ أقلّ من عامين على لائحة العقوبات الأميركيّة لانتهاكه حقوق الإنسان. حتى أنّها لم تبالِ بتعرّض قواعدها العسكريّة في العراق إلى هجمات متكرّرة وصلت إلى حوالي 45 هجوماً منذ توليها السلطة في كانون الثاني (يناير) الماضي.

 

بالإمكان التساؤل عن الرسالة غير المباشرة التي توجّهها واشنطن بقيادة بايدن إلى الإيرانيّين: هل هي "دعوة" للمزيد من الهجمات الإقليمية؟. في 2018، حين سحبت إدارة ترامب بعض أصولها العسكريّة من الشرق الأوسط باتّجاه منطقة الإندو-باسيفيك، تعرّضت السعوديّة بعد عام لهجوم حوثيّ-إيرانيّ بالمسيّرات استهدف منشآت "أرامكو". من غير المستبعد أن تقرأ طهران الحدث الأخير كدعوة أو كعدم معارضة أميركيّة لهجوم مماثل. فبعدما رفعت الإدارة الحوثيّين عن لائحة الإرهاب، شنّ هؤلاء المزيد من الهجمات ضدّ مأرب وكذلك ضدّ أهداف مدنيّة السعوديّة، فاقتصر الردّ الأميركيّ الخافت على بيانات التنديد والالتزام بالدفاع عن الرياض.

 

دفعهم إلى أحضان الخصوم

من جهة أخرى، تشبه آليّة اتّخاذ القرار بشأن تخفيض الحضور العسكريّ في الشرق الأوسط آليّة قرار الانسحاب من أفغانستان. ويبدو أنّ الأولى لم تتضمّن التشاور مع الكونغرس حتى أنّ الإعلان جاء يوم الجمعة في 19 حزيران (يونيو) وسط إغلاق فديراليّ لمناسبة ذكرى انتهاء العبوديّة في الولايات المتحدة. في عنوان تهكّميّ على موقع مجلّة "نيوزويك" الأميركيّة، كتبت المستشارة الرفيعة المستوى في "مركز الدراسات الدوليّة والاستراتيجيّة" بوني غليك أنّ "إيران والصين تحبّان فترات ما بعد ظهر الجمعة في البيت الأبيض" مشيرة إلى أنّ العطلة جنّبت الإدارة الأسئلة المحرجة عن الموضوع.

 

ذكرت غليك أوّلاً أنّه لم يعد لحلفاء واشنطن الدافع لتخفيض مبيعات الطاقة إلى الصين، أكان لغايات استراتيجيّة أم مناخيّة كما تتمنّى الإدارة الحاليّة. ومن ناحية ثانية، لفتت الكاتبة النظر إلى أنّ حلفاء الولايات المتحدة سيبحثون عن دول أخرى لتأمين الدفاع عن مصالحهم ومن ضمنها روسيا والصين. وبحسب تحليلات أخرى، قد لا يكون سحب واشنطن بعض الجنود والمقاتلات وبطاريات "الباتريوت" من السعودية والأردن والعراق والكويت فكرة أميركيّة من الأساس.

 

مطلب فتنازل ثمّ انتصار

يرى رئيس معهد "جيوبوليتيكال فيوتشرز" جورج فريدمان أنّ سحب هذه الأصول لا علاقة له على الأغلب بإعادة الانتشار، لأنّه يجدر بواشنطن أن تتمتّع باحتياطيّ عسكريّ قادر على تلبية حاجات مستجدّة أو طارئة. بالمقابل، لم يستبعد أن تقول إيران للأميركيّين خلال مفاوضات فيينّا أنّ هدفها من السلاح النوويّ هو "ردع" الدول العربيّة عن شنّ حرب عليها كما حصل في عهد صدّام حسين. فبوجود تفوّق دفاعيّ أمّنته واشنطن لدول الخليج لا تستطيع إيران ردعها عن مهاجمتها بحسب التبرير الإيرانيّ. إذا طرحت إيران هذه الحجّة فعلاً فقد تقدّم إدارة بايدن هذا التنازل من أجل إلزام طهران بالامتثال لاتّفاق نوويّ يفرض قيوداً متشدّدة عليها.

 

لو صحّ هذا التحليل فسيكون الانتصار الإيرانيّ على الديبلوماسيّين الأميركيّين أقوى اليوم ممّا كان عليه في 2015. حينها، وبحسب كلام وزير الخارجيّة محمد جواد ظريف، طلب الأميركيّون من إيران التفاوض بشأن سلوكها في الإقليم. بعدما ردّت طهران باقتراح تخفيض واشنطن دعمها العسكريّ لدول الخليج العربيّ، رفض الأميركيّون هذا المقترح وانتهى التفاوض مع إيران حول الشأن الإقليميّ عند هذا الحدّ، لينصبّ مجدّداً على الشأن النوويّ. وإذا كانت واشنطن بقيادة بايدن قد تنازلت في الشؤون الأمنيّة الإقليميّة خلال التفاوض حول الملفّ النوويّ، فكم بالأحرى ستكون تنازلاتها أكبر إذا وصلت مع طهران إلى مرحلة التفاوض حول سلوكها في المنطقة. من الشرق الأوسط وصولاً إلى آسيا مروراً حتى بأوروبا، لا يبدو أنّ إدارة بايدن مقبلة على الكثير من الإنجازات في المدى المنظور.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم