إعلان

رحل "ترامب"... هل حان الوقت للاستفادة من الغاز الإيراني؟

المصدر: النهار العربي
يوسف بدر
يوسف بدر
خط انابيب الغاز بين ايران وباكستان
خط انابيب الغاز بين ايران وباكستان
A+ A-
 خلال ولايتي الرئيس حسن روحاني، اهتمت إيران بتطوير حقولها من الغاز الطبيعي، وعلى رأسها حقل بارس الجنوبي الذي يسهم بـ70% من إنتاج الغاز الإيراني، وهو حقل مشترك مع قطر. 
 
ويبدو أن حكومة روحاني ركزت على تطوير الحقول المشتركة بعد يأس بسبب العقوبات وصعوبة استيراد التكنولوجيا المتطورة وهجرة الشركات والاستثمارات الأجنبية من إيران في ظل العقوبات الأميركية. فقد خسرت الهند عقداً لتطوير حقل غاز "فرزاد-بي" الإيراني العملاق والمشترك مع السعودية، بسبب هذه العقوبات؛ وهو ما دفع الشركات الإيرانية المحلية للاهتمام بتطوير قدراتها والعمل محل الشركات الأجنبية لتطوير حقول النفط والغاز.

وقد بلغ إنتاج الغاز مليار متر مكعب يومياً في إيران. وتعدّ ثالث أكبر منتج للغاز الطبيعي في العالم، ولديها ثاني أكبر احتياطي للغاز عالمياً؛ فقد أعلن وزير النفط الإيراني بيجن زنكنه، في شباط (فبراير) 2021، عن زيادة احتياطي بلاده من الغاز الطبيعي إلى 33 تريليون متر مكعب، من 9 تريليونات متر مكعب فقط قبل نحو 40 عاماً.

وهذا الحجم الضخم من الإنتاج والاحتياطي يضع إيران في مكانة مميزة في عالم الطاقة وصادرات الغاز؛ غير أن تعطل الاتفاق النووي في عهد الرئيس دونالد ترامب، عطل خطط إيرانية وإقليمية للاستفادة من الغاز الإيراني. 
 
ولكن بمجيء الرئيس الديموقراطي جو بايدن، تجددت الآمال في الاستفادة من مكاسب الاتفاق النووي في حال عودة واشنطن إليه، وإمكان وصول الغاز الإيراني إلى أسواق إقليمية وأوروبية. فقد كانت إدارة الرئيس باراك أوباما، سمحت للشركات الغربية بالاستثمار في صناعة الغاز والنفط في إيران؛ حيث أتاح الاتفاق النووي لشركة توتال الفرنسية توقيع عقد قيمته 5 مليارات يورو لتطوير حقل غاز بارس الجنوبي؛ لكنها سريعاً ما خرجت من هناك جراء العقوبات الأميركية.

نحو آسيا
تجد إيران صعوبات في نقل غازها نحو آسيا؛ فدول بحر قزوين وآسيا الوسطى مشبعة بالغاز الطبيعي، وهو ما تتغذى عليه قوة اقتصادية ضخمة هي الصين التي تعتمد على غاز دول مثل تركمانستان وأوزبكستان وكازاخستان. 

غير أن عين الصين ما زالت أيضاً على الغاز الإيراني؛ ولذلك سعت للاستثمار في حقل إيران الأضخم (بارس الجنوبي). كما تضمنت الاتفاقية الاستراتيجية بين البلدين، أن تستثمر بكين 280 مليار دولار في صناعة النفط والغاز والبتروكيماويات الإيرانية، منها 120 مليار دولار لتطوير البنية التحتية للإنتاج والنقل. وهو ما يعني أن الصين ما زالت تهتم بالغاز الإيراني؛ بخاصة أنها تنافس جارتها الهند في ذلك. 

وسعت الهند أيضاً للاستثمار في حقل "فرزاد-بي" الضخم؛ لكن ما زال إمكان وصول الغاز الإيراني عبر الأنابيب إلى الهند وباكستان، تعيقه الخلافات والصراعات السياسية بين هذين البلدين. إلى جانب "الفيتو" الأميركي الذي يواجه صادرات الغاز الإيراني نحو آسيا، وإمكان أن يدعم الصين. فقد أنهت إيران الجزء الخاص بها من خط الغاز نحو باكستان عام 2013، ولكن إسلام أباد فشلت في إتمامه بسبب الضغوط الأميركية، فقد خطط الرئيس ترامب للخروج من أفغانستان والاتفاق مع حركة "طالبان" لتأمين عمل الشركات الأميركية في مد خط غاز من دولة تركمانستان عبر أفغانستان وصولاً إلى باكستان؛ وذلك تفادياً لتمدد الغاز الإيراني نحو آسيا.

نحو دول الجوار
مع اقتراب رفع العقوبات عن إيران، ظهرت اهتمامات من دول الجوار بالغاز الإيراني، ففي أيار (مايو) 2021، تحدث وزير الطاقة والمعادن في سلطنة عمان، محمد بن حمد الرمحي، عن إحياء خطط استيراد الغاز الإيراني عبر خط الأنابيب في حالة إعادة الاتفاق النووي. وتحدث الوزير عن رغبة السلطنة في توسيع شبكة خطوط الأنابيب الخاصة بها إلى اليمن. وهو ما يعني أن سلطنة عمان وإيران تشتركان في رؤية تعزيز نفوذهما داخل دولة اليمن المطلة على باب المندب من خلال بوابة صادرات الغاز الطبيعي.
 

وتهتم إيران بصادراتها من الغاز إلى دول الجوار؛ لتعزيز مساحة نفوذها وارتباطها مع هذه الدول، وهو نشهده مع الحالات العراقية والأرمينية والتركية، وهذه الدول هي بوابة لإيران نحو أوروبا.

وما زال خط "أنبوب الصداقة" أو "الأنبوب الإسلامي" الذي أشعل الحروب في سوريا حلماً لم ينطفئ؛ إذ سينقل الغاز الإيراني الى أوروبا عبر العراق وسوريا، وهو ما سيثير الاستياء الشديد عند صناع القرار الأميركي والأتراك والقطريين إذا أبصر النور.

نحو أوروبا 
يمثل الغاز الإيراني البديل الأمثل للغاز الروسي بالنسبة الى أوروبا؛ بخاصة أن أوروبا أصبحت في معادلة صعبة بين روسيا والولايات المتحدة، وأصبح الكثير من القرارات الأوروبية تجاه روسيا تأخذ بعين الاعتبار مسألة الغاز الروسي. حتى أن روسيا نفسها ناورت بخط الغاز "السيل التركي"؛ ليصل غازها نحو أوروبا عبر مسارات متنوعة؛ تضمن من خلالها استمرار استخدام ورقة الغاز في سياستها تجاه الأوروبيين.

وقبل تعليق الاتفاق النووي في عهد الرئيس ترامب، نشط الأتراك والأوروبيون في الحديث عن إمكان نقل الغاز الإيراني نحو أوروبا عبر تركيا والبحر الأسود؛ ففي خريف 2014 وعلى هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، عرض الرئيس الإيراني حسن روحاني على نظيره النمسوي، هاينز فيشر، أن تقوم إيران بمد أوروبا بالغاز الطبيعي في ظل الخلافات الروسية الأوكرانية، التي تسببت في تعطيل وصول الغاز الروسي إلى أوروبا.

لكن من الواضح أن روسيا اجتذبت تركيا لإفشال هذه الطموحات؛ فالتدخل في الحرب السورية لم يكن من أجل الرئيس السوري بشار الأسد، بل من أجل أهداف مركّبة، منها صد وصول الغاز الإيراني إلى أوروبا. 

والواضح أن روسيا سمحت لتركيا بنقل غازها إلى أوروبا؛ لتمارس ضغطاً على أنقرة إذا ما اتفقت مع إيران وأوروبا ضد الغاز الروسي. 

لكن الحرب الأخيرة التي أشعلتها تركيا بين أذربيجان وأرمينيا، كشفت أن أنقرة ما زالت مستمرة في حلمها بأن تتحول الشريان الأكبر للطاقة نحو أوروبا؛ إذ تحارب بإصرار لأن يمر غاز شرق المتوسط وقطر (عبر السعودية والأردن وسوريا)، ودول بحر قزوين، وروسيا، وإيران من خلالها أراضيها نحو أوروبا.

وما زالت روسيا تسعى لتوجيه الغاز الإيراني نحو آسيا حتى لا يدخل في منافسة معها على السوق الأوروبية؛ فقد وقعت روسيا مع باكستان عام 2018 مذكرة تفاهم حول مشروع خط بحري لتوريد الغاز من إيران إلى باكستان والهند. وإن كان هذا المشروع لم يدخل حيز التنفيذ بعد؛ لكن ربما العودة إلى الاتفاق النووي، والتقارب بين واشنطن وطهران يرفعان "الفيتو" عن الغاز الإيراني نحو الدول الآسيوية الحليفة مع الولايات المتحدة.
 
 
ولا يتوقف حلم نقل الغاز الإيراني إلى أوروبا على إيران أو سوريا؛ فاليونان أيضاً لديها مكاسب من هذا الخط؛ إذا تحقق تنفيذه واستطاعت سوريا أن تتجاوز المرور عبر الأراضي التركية في الوصول إلى أوروبا؛ وهو ما يفسر أن اليونان من أوائل دول حلف الناتو والاتحاد الأوروبي التي أعادت علاقاتها مع سوريا. 

المحصّلة
إن صادرات الغاز الإيراني لن تظل رهن الاتفاق النووي؛ ولكن رهن الحسابات السياسية الإقليمية والدولية؛ فهل ستنجح إيران في تخطي العقبات التركية والخليجية في نقل غازها إلى أوروبا حيثما شاءت أن تمد أنابيبها؟ 
وهل ستكتفي بالأسواق الآسيوية الغنية بشرياً ومن ثم استهلاكياً؛ لكنها ستعتمد على سياسة المقايضة والدين في استيراد الغاز الإيراني كما في الحالة العراقية؟ 
وهل سترفع الولايات المتحدة يدها عن صادرات الغاز الإيراني نحو آسيا أو أوروبا؟
 
وهل ستقبل روسيا بدخول الغاز الإيراني منافساً لها في الأسواق الأوروبية، بخاصة أن موسكو تعتبر مسألة الغاز مركزاً للأمن القومي والتفوق السياسي بالنسبة اليها؟
 
والسؤال الأكبر: هل ستتمكن إيران في ظل حاجة منظومة إنتاج وتصدير الغاز للتطوير لديها، وفي ظل ارتفاع حجم استهلاكها للغاز في أسواقها المحلية؛ أن توفر للسوق الدولية احتياجاتها من الغاز؟ 

كل هذه الأسئلة ستكون الإجابة عنها رهينة مستقبل العلاقات بين واشنطن وطهران، ومدى حاجة الولايات المتحدة لإيران في سياستها الجديدة "التوجه نحو آسيا".
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم