إعلان

تحليل إخباري: "ظريف ليكس" مناورة أم فخ؟

المصدر: النهار العربي
علي حمادة
علي حمادة
وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف
وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف
A+ A-
 حفلت وسائل الاعلام الإقليمية والدولية بخبر تسريب موقع "إيران إنترناشيونال" أجزاء من  الحديث المسجل الذي أدلى به وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الى خبير اقتصادي مقرب من الحكومة الحالية يدعى سعيد ليلاز، و دام ثلاث ساعات، تحدّث فيها ظريف عن تجربته كوزير للخارجية، و كان من المفترض حسبما أفادت معلومات حصل عليها  الموقع المشار إليه أن يُنشر بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة. هذا لم يحصل، حيث أن أجزاءً مهمة من الحديث جرى تسريبها، وتناولت الكثير من المواضيع الإقليمية والدولية التي تهم ايران، فضلاً عن مواضيع داخلية تتعلق بطبيعة اتخاذ القرار في المؤسسات الإيرانية لا سيما في ما يختص بالسياسة الخارجية.
 
ولعل أهم ما أدلى به ظريف بشأن علاقة العسكر "أيام  قائد "فيلق القدس" السابق قاسم سليماني" بالسياسة الخارجية قوله: "ضحيت بالدبلوماسية لصالح ساحة المعركة، أكثر مما ضحيت بساحة المعركة لصالح الدبلوماسية". وقوله أيضاً عن تدخل العسكر بقرارات الحكومة: "يحدث هذا عندما يكون الوسط العسكري هو من يقرر... يحدث هذا عندما يريد الميدان العسكري الهيمنة على استراتيجية البلاد". و عن علاقته بقاسم سليماني، قال: "لم أتمكن ابداً خلال مسيرتي المهنية من القول لقائد ساحة المعركة (سليماني وغيره) أن يفعل شيئاً معيناً لاستغله في الدبلوماسية". ويضيف: "في كل مرة تقريباً اذهب فيها للتفاوض كان سليماني هو الذي يقول إنني أريدك أن تأخذ هذه الصفة أو النقطة بعين الاعتبار . كنت اتفاوض من أجل نجاح ساحة المعركة". 
 
هذه عيّنة صغيرة من الحديث المسجل الذي تم تسريبه، لكنها تطرح اكثر من علامة استفهام تتعلق بتوقيت التسريب، والمضمون، و الأهم في الرسالة التي أراد محمد جواد ظريف أن يبعث بها من خلال تسجيل يحمل في طياته نقداً لاساليب الحكم في إيران، ولهرمية السلطة الفعلية التي يمسك بها العسكر على حساب الحكومة. 
 
أولاً، هذه ليست المرة الأولى التي يخرج فيها ظريف في شكل او آخر الى الفضاء الإعلامي بمواقف تمثل نوعاً من النقد، أو من التمرد الجزئي على هرمية القرار في النظام الإيراني؟ ففي مرحلة تبوّئه مركز المندوب الدائم لإيران في الأمم المتحدة خلال عهد الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد قدم استقالته، و عاد الى طهران ليعمل في الحقل الاكاديمي، وكان ذلك احتجاجاً على غلبة المنحى الأمني في إدارة شؤون المندوبية الإيرانية في الأمم المتحدة. و هو أشار في الحديث المسرب أمس الى أن "معظم هيكل وزراة الخارجية أمني". 
 
وفي نهاية شباط (فبراير) 2019 قدم ظريف استقالته من الحكومة احتجاجاً على زيارة الرئيس السوري بشار الأسد الى طهران التي كان سبق أن عمل على تنظيمها مع قاسم سليماني، لكنه في ما بعد استبعد منها، ولم يعلم بوصول الأسد الى طهران إلا من وسائل الاعلام.
اذاً ليست المرة الأولى التي يبرز فيها ظريف على الساحة الاعلامية كمعترض على غلبة  المقاربة العسكرية – الأمنية على القرار الحكومي في البلاد. و ليست المرة الأولى التي يظهر نفسه من خلال هذا المنحى الاعتراضي كنصير لقرار حكومي يتمتع بهوامش أكبر في القرار، لا سيما القرار الدبلوماسي. و ذلك أنه يخوض اليوم معركة دبلوماسية دقيقة، تتعلق بالمفاوضات الجارية في فيينا من أجل العودة الى الاتفاق النووي الإيراني الأميركي الموقع عام 2015، ورفع العقوبات الأميركية عن إيران، في توقيت دقيق ألا وهو اقتراب الانتخابات الرئاسية في ايران. ويشكو ظريف من أنه يتعرض لضغوط داخلية كبيرة في ما يتعلق بالمفاوضات، بينما يقدم نفسه كما قال في التسجيل المسرب: "كلنا ثوريون مثل المرشد، لكن تم تقسيم المهمات، أحدنا يكون دبلوماسياً، والآخر يكون عسكريا او اقتصادياً. إن قوة إيران في ثوريتها". 

في مطلق الأحوال ثمة أسئلة عديدة تتعلق بالتسجيل... لماذا قام ظريف بتسجيل يحمل هذا المضمون في مرحلة معقدة، و هو لا يزال في موقعه، ويقود مفاوضات فيينا؟ فهل أن هذا التسجيل هو بطاقة خروج مسبقة من الحكم يريد من خلالها أن يستبق عودة المحافظين إلى سدة الرئاسة وتسلّم الحكومة؟ أم انها مقدمة لتقديم ترشيحه للانتخابات الرئاسية المقررة في 18 حزيران (يونيو) المقبل؟ أم أنه يخطط للخروج تماما من الحكم و لعبة السلطة؟ ربما الى الفضاء الاكاديمي في الخارج حيث سيتلقى العديد من العروض المغرية من كبريات الجامعات في الولايات المتحدة؟ و لا يغيب سؤال عن احتمال أن يكون التسجيل، وتوقيت تسريبه نوعاً من المناورة التي يقوم بها ظريف في سبيل تليين الموقف الأميركي او تبريره للعودة السريعة الى الاتفاق النووي بطبعته الاصلية من دون تعديلات! 
 
صحيح ان محمد جواد ظريف يتعرض لانتقادات واسعة من فريق من المحافظين الراديكاليين، الذين يقولون عنه إنه "مغرّب"، يميل في تفكيره الى النمط الغربي، والى القيم الغربية في العمل الدبلوماسي، وحتى في ثقافته الاكاديمية العالية (درس في الولايات المتحدة، وعمل دبلوماسياً فيها). و لكن ثمة من يعتبر أن ظريف ليس أكثر من واجهة للنظام، و أنه جزء من الماكينة الكبيرة التي تضم العسكر وغير العسكر، وأنه بارع في إدارة معارك العلاقات العامة لا سيما في الغرب، حيث يمتلك شبكة علاقات واسعة في الولايات المتحدة وأوروبا. وشارك في مئات المؤتمرات الدولية و الإقليمية، واعطى مئات المقابلات الصحافية لكبريات الصحف وشبكات الاعلام الغربية الكبرى، وفضلاً عن انه ينشر بإنتظام  مقالات في الصحافة الغربية دفاعا عن موقف إيران بوجه مختلف عن الوجه الذي يقدمه العسكر.
 
من هنا نسأل: هل سرّب التسجيل عمداً؟ والاهم هل أنه مناورة لتسهيل اقتناص العودة الى الاتفاق النووي؟ أم هو فخ نصب له لمنعه من الترشح إلى الانتخابات الرئاسية؟ موضوع يستحق المتابعة. 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم