إعلان

مع أو بلا اتّفاق... لماذا تصعب عودة إيران لأسواق النفط؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
منشأة نفطية في جزيرة خرج الإيرانية - "أ ف ب"
منشأة نفطية في جزيرة خرج الإيرانية - "أ ف ب"
A+ A-

يبدو أنّ إيران لن تكون على لائحة الأولويات في أجندة الرئيس الأميركي جو بايدن بالنظر إلى المسائل الداخليّة الملحّة التي تنتظره وأبرزها مواجهة "كورونا"، خصوصاً مع تزايد نسبة الإصابات والوفيات إضافة إلى انخفاض أعداد المتقدّمين للتلقيح. على سبيل المثال، توقّعت إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب أن يتمّ تلقيح 20 مليون شخص بحلول نهاية سنة 2020 غير أنّه حتى أواسط الشهر الحاليّ، بالكاد بلغ هذا الرقم نصف ما كان متوقّعاً.

 

لهذه الأسباب، من المتوقّع أن يحوّل بايدن الملفّ الإيرانيّ إلى فريقه السياسيّ لإعداد استراتيجيّة متكاملة ثمّ مراجعتها عند الانتهاء من إعدادها. إلى الآن، يظهر الفريق غير مستعجل للعودة إلى الاتّفاق النوويّ. على الأقلّ هذا ما صدر عن مرشّح بايدن إلى منصب وزارة الخارجيّة أنطوني بلينكن خلال شهادة أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأسبوع الماضي. وفي تقريرها يوم الجمعة، توقّعت شبكة "بلومبيرغ" ألّا يكون هنالك استعجال أميركيّ لرفع العقوبات المفروضة على طهران.

 

هامش كبير

حتى مع افتراض إزالة العقبات الكثيرة أمام عودة أميركيّة عاجلة إلى الاتّفاق النوويّ، لا يبدو أنّ إيران ستستفيد سريعاً من رفع العقوبات عنها، وخصوصاً تلك التي تتعلّق بصادراتها النفطيّة. ثمّة اختلافات حاليّة حول الأرقام المتّصلة بحجم تلك الصادرات. وصلت ذروتها إلى ما يفوق بقليل 2.5 مليون برميل يومياً قبل انسحاب إدارة ترامب من الاتّفاق النوويّ في أيار 2018.

 

في أيّار الماضي، وصلت واردات الصين النفطيّة من إيران إلى حوالي 130 ألف برميل يوميّاً. وفي أيلول 2020، نقلت وكالة "رويترز" عن موقع "تانكر تراكرز" الذي يراقب حركة ناقلات النفط وعن شركتين أخريين رفضتا ذكر اسميهما أنّ إجمالي الصادرات النفطيّة الإيرانيّة ارتفع في أيلول على الرغم من العقوبات.

 

لكنّ الأرقام تقع ضمن هامش واسع جدّاً يتراوح بين 400 ألف ومليون و500 ألف برميل يوميّاً. وهذا يُظهر صعوبة التعقّب وفقاً للتقرير نفسه. وكانت الوكالة قد نقلت في آب عن شركة "ريفينيتيف إيكون" أنّ إيران صدّرت 100 ألف برميل نفط يوميّاً في تمّوز. أمّا وزير الخارجيّة الأميركيّ السابق مايك بومبيو فقال في الشهر نفسه إنّ بلاده أزالت حوالي 2.7 مليون برميل نفط إيرانيّ يومياً من الأسواق.

 

وفي 12 تشرين الثاني الماضي، قال نائب رئيس منظمة التخطيط والموازنة حميد بورمحمدي إنّ "معدّل مبيعات النفط لغاية اليوم في هذه السنة (الإيرانية) كان 600 ألف إلى 700 ألف برميل يومياً". وتبدأ السنة الإيرانيّة في 20 آذار. في وقت لاحق من اليوم نفسه، تراجع بورمحمدي عن كلامه قائلاً إنّ الرقم يشير إلى الصادرات الإيرانيّة عن السنة التالية.

 

هل تستفزّ إيران الإدارة الجديدة؟

يرى المحلّل والخبير في شؤون أمن وديبلوماسيّة الطاقة في "مركز تحليلات دول الخليج" ومقره واشنطن، الدكتور أُميد شكري كَلِه سَر أنّ إيران واصلت بيع النفط في السوق الرمادية خلال العقوبات. وفي تعليق لـ"النهار العربي" يذكر أنّ الأرقام التي أعطيت عن حجم صادرات النفط الإيرانيّة لا يمكن الوثوق بها.

 

بصرف النظر عن دقّة الأرقام، ثمّة تساؤل بعيد المدى بالنسبة إلى تضارب تصريحات بورمحمدي. هل كان كلامه نوعاً من التحدّي لترامب بعد أيّام على خسارته الانتخابات؟ أم كان إعلاناً أوّليّاً عن استعداد إيران لخرق العقوبات في حال واصلت إدارة بايدن فرضها بعد استلام مهامّها؟

 

توقّعت الباحثة البارزة في "مركز الطاقة العالمية" التابع لـ"المجلس الأطلسيّ" برندا شافر أن تضخّ إيران المزيد من النفط إلى الأسواق حتى قبل انطلاق أي مفاوضات حول اتفاق نوويّ جديد. وقالت خلال المؤتمر الافتراضيّ الذي عقده المركز في العشرين من كانون الثاني إنّ ذلك يعود إلى شعور طهران بأنّ الإدارة الجديدة لن تتشدّد في قمع خروقات إيران للعقوبات الأميركيّة. 

 

عودة ضعيفة وخسائر

حتى في حال رفع العقوبات كلّياً عن القطاع النفطيّ الإيرانيّ ستحتاج إيران إلى الكثير كي تستعيد عافية قطاعها، وتالياً اقتصادها. يوضح شكري أنّه بعد ثلاثة إلى ستة أشهر من توقيع اتّفاق مفترض، بإمكان إيران أن تصدّر مليون برميل نفط يوميّاً لأنّها خزّنت كميات ضخمة منها في الناقلات على سواحل الخليج وفي شرق آسيا خلال العقوبات.

 

من جهته، وفي حديث لـ"المجلس الأطلسيّ" قال النائب البارز لرئيس الطاقة الدولية في مركز "آي أتش أس ماركت" ومقرّه لندن كارلوس باسكوال إنّ أيّ عودة إيرانيّة إلى السوق يجب أن تُقارَن بحجم السوق العالميّة البالغ 93 مليون برميل يومياً. لذلك سيكون تأثير رفع العقوبات عن القطاع النفطيّ الإيرانيّ "صغيراً نسبيّاً".

 

يضاف إلى ذلك العديد من المشاكل الداخليّة التي تعاني منها إيران. فبحسب شكري كلِه سَر، وهو مؤلّف كتاب "ديبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين"، لا تستطيع إيران تلبية جميع احتياجاتها من الصناعة النفطيّة من دون موارد ماليّة وتكنولوجيّة أجنبية. وتابع: "على سبيل المثال، يتطلّب استمرار انخفاض الضغط في حقل بارس الجنوبي، وهو مؤمّن الغاز الرئيسيّ لإيران، إلى تكنولوجيا أجنبيّة متقدّمة. تحتاج إيران لزيادة الإنتاج والإنتاجيّة مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبيّة". كذلك، "إنّ التراجع المستمرّ في إنتاج إيران للنفط يعني انخفاضاً في تأثير إيران داخل ‘أوبك‘ وخسارة أسواق إقليمية".

 

سلوكها بحاجة للمراجعة

في وقت تريد إيران عودة أميركيّة من دون شروط إلى الاتّفاق النوويّ، أي بالتحديد من دون التطرّق إلى توسّعها الإقليميّ أو إلى برنامجها الصاروخيّ، قد يكون ملفّ تطوير الطاقة لديها غير قابل للانفصال عن سياساتها الخارجيّة. يرى شكري كله سر أنّ "دور الطاقة في سياسة إيران الخارجيّة بحاجة للمراجعة". وأضاف: "تحتاج إيران إلى التمويل والتكنولوجيا الخارجيّين لزيادة إنتاجها، لكن بسبب العقوبات الأميركيّة، فإنّه من غير المرجّح أن يتمّ تقديم أيّ منهما حتى تتمكّن إيران من حلّ مشاكلها مع الغرب حول برنامجها النوويّ، الاختبارات الصاروخيّة وقضايا حقوق الإنسان".

 

مرّة جديدة، وحتى مع افتراض حلّ جميع هذه المشاكل الداخليّة والجيوسياسيّة، "تحتاج إيران أيضاً إلى إطار عمل قانونيّ سيساعد في جذب الاستثمارات الخارجيّة". وختم شكري كله سر تعليقه لـ"النهار العربي" مؤكّداً أنّه "من دون شركات طاقة أجنبيّة ورأسمال أجنبيّ، لن تكون إيران قادرة على إنتاج المزيد من النفط والغاز للتصدير".

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم