إعلان

أيّ علاقة بين صفات رئيسي وخلل النظام الإيراني؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي.أب
الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي.أب
A+ A-

قيل الكثير عن الأسباب التي دفعت المرشد الإيرانيّ الأعلى علي خامنئي إلى تعبيد الطريق الرئاسيّ أمام ابراهيم رئيسي. يتصدّر انتماؤه إلى الفريق المتشدّد تلك الأسباب إضافة إلى ولائه المطلق للنظام ومشاركته في "لجنة الموت" التي نفّذت الإعدام خارج نطاق القضاء بحقّ الآلاف، إن لم يكن عشرات الآلاف، من "مجاهدي خلق" ومجموعات يساريّة أخرى.

 

ولا تزال مشاركته في تلك اللجنة (1988) تطارده من حين لآخر، لكنّه يردّ على المنتقدين بالقول إنّ تلك الأحكام أصدرتها المحكمة العليا وإنّ العقوبات الأميركيّة استهدفته لمجرّد قيامه بعمله كقاضٍ. ويسعى خامنئي إلى تنصيب رئيسي كمرشد مقبل للجمهورية. تولّي هذا المنصب منوط بمجلس خبراء القيادة، إلّا أنّ لتوجيهات المرشد الكلمة-الفصل في هذا الإطار.

 

ليس رئيسي المسؤول الإيرانيّ الوحيد الذي تنطبق عليه صفة الولاء للنظام بشكل عام وللمرشد بشكل خاص. على سبيل المثال، انطبقت على الرئيس السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي في إيران سعيد جليلي صفات القيادة والولاء. لكنّه سرعان ما انسحب من السباق مخلياً الطريق من آخر العقبات التي اعترضت وصول رئيسي إلى الرئاسة: انقسام أصوات المحافظين. وليس مستبعداً بحسب البعض أن يحصل جليلي لاحقاً على مكافأة لولائه تتضمّن تسهيل إيصاله إلى رئاسة الجمهوريّة بعد وصول رئيسي إلى منصب المرشديّة العليا.

 

مليارات الدولارات

ثمّة أسباب أخرى تدفع المرشد إلى إيلاء الثقة الكبرى برئيسي. سلك الرجلان المسار نفسه تقريباً للوصول إلى السلطة. تولّى خامنئي ورئيسي إدارة مؤسّسة "آستان قدس رضوي" ثمّ منصب رئاسة الجمهوريّة فمنصب المرشد الأعلى (بحسب ما هو متوقّع لرئيسي). وتعدّ "آستان قدس رضوي" التي تشرف على العتبة الرضوية المقدّسة إمبراطوريّة ماليّة خاضعة لإشراف المرشد. كما تمثّل إحدى المؤسّسات الكبيرة التابعة للصناديق الخيريّة الضخمة التي تضمّها "بنياد". والأخيرة هي مؤسّسة اقتصاديّة بارزة تابعة لبيت المرشد بحسب تحقيق لوكالة "رويترز".

 

وتقدِّر دراساتٌ قيمة العقارات التي تملكها "بنياد" بحوالي 20 مليار دولار وتضمّ نصف الأراضي في مدينة مشهد تقريباً كما تمتلك شركات كبيرة مثل رضوي للنفط والغاز ورضوي للتعدين وغيرها. وتعدّ "آستان قدس رضوي" من أقدم المراكز الدينيّة والروحيّة إذ تبلغ من العمر أكثر من 1200 عام. وقبل مغادرتها السلطة بأيّام قليلة، فرضت الإدارة الأميركيّة السابقة عقوبات على تلك المؤسّسة كما على "هيئة تنفيذ أوامر الخميني". وجاء في لائحة التصنيف الصادرة عن وزارة الخزانة الأميركيّة أنّه ثمة اعتقاد بتمثيل هاتين المؤسّستين وحدهما نصف الاقتصاد الإيرانيّ.

 

"انتهازيّة ذكيّة"

لا شكّ في أنّ إدارة الإمبراطوريّات الماليّة للنظام الإيرانيّ تعدّ إحدى أهمّ الميزات التفاضليّة التي يتمتّع بها رئيسي والتي تدفعه للتمتّع برضا وثقة المرشد الأعلى. ولموقع مؤسّسة "آستان قدس رضوي"، أي مدينة مشهد تحديداً، أهمّيّة خاصّة في المعادلة. بحسب الباحث المتخصّص في شؤون إيران والعراق الدكتور ويلفريد بوشتا، "يضع خامنئي جلّ ثقته في تحالف (مدينة) مشهد الذي يتمركز حول إمام المدينة وخطيب جمعتها السيّد آية الله أحمد علم الهدى والد زوجة رئيسي. وخامنئي نفسه كمشهديّ تربطه بهذه الدائرة علاقات عائليّة وماليّة واقتصاديّة وثيقة منذ 1979". وأضاف بوشتا في "مركز كارنيغي للسلام الدولي" أنّه على الصعيد الشخصيّ يتمتّع رئيسي بـ"هدوء الأعصاب، ورفض التنازلات، والولاء، والجدارة. وجميعها صفات تبدّت أثناء ارتقائه السلّم القضائيّ..."

 

في سياق مشابه، وبالحديث عن الصعود والارتقاء، يشير سجّاد صفائي في مجلّة "فورين بوليسي" إلى أنّ تصنيفات كـ"المتشدّد" تحجب من الوقائع بمقدار ما تكشف منها. ويكتب أنّ "اختزال رئيسي بشخص متعصّب يعني إغفال العنصر المهيمن في شخصيّته السياسيّة: انتهازيّته الذكيّة. هذه هي الصفة التي تفسّر صعوده بأفضل شكل". بهذا المعنى، يمكن القول إنّ خامنئي لم يجد في رئيسي مجرّد موالٍ لسياساته وحسب، بل أيضاً شخصيّة قادرة على التشبيك بين مختلف القوى التي يتشكّل منها نظام بعد الثورة.

 

يرى البعض أنّ رئيسي يفتقد للكاريزما. لكنّ نجاحه في الارتقاء إلى منصب الرئاسة يدلّ إلى إمكانات تعوّضه عن فقدان هذه الكاريزما (في حال صحّ هذا التوصيف) وتتلخّص هذه الإمكانات في العلاقات الشخصيّة الوطيدة داخل السلطة القضائيّة لكن أيضاً مع الحرس الثوري ومع مجلس خبراء القيادة الذي شغل منصب نائب رئيسه. إذاً، ما هي أهمّيّة شبكة العلاقات التي صاغها رئيسي خلال مسيرته؟

 

"اتّفاق سرّيّ"

بحسب ما يذكره بوشتا، إنّ "الثقة بين خامنئي ورئيسي كبيرة بما يكفي ليتوصّلا معاً إلى اتّفاق سرّيّ يقتضي أن يمهّد خامنئي لرئيسي الطريق إلى عرش الخلافة في مقابل ضمانات يقدّمها رئيسي بعدم المساس بثروة عائلته ولا بمكانة (نجله) مجتبى (خامنئي)". ما يريده المرشد ببساطة هو تجنّب "صراعات مريرة وتصفية حسابات دموية" بعد رحيله.

 

في أوّل مؤتمر صحافيّ بعد فوزه بالرئاسة والذي عقده يوم الاثنين، قال رئيسي: "أنا فخور لكوني مدافعاً عن حقوق الإنسان وعن أمن وراحة الشعب كمدّع عام أينما كنت" مضيفاً أنّ "كلّ الأعمال التي قمت بها خلال الفترة التي شغلت فيها منصبي كانت دوماً باتّجاه الدفاع عن حقوق الإنسان". في كلام رئيسي استعداد ضمنيّ للتعامل مع أيّ اضطرابات ممكنة في المستقبل خصوصاً أنّها أمرٌ وارد جدّاً.

 

فللمرّة الأولى منذ تأسيس نظام ما بعد الثورة، شهدت إيران ثلاثة اضطرابات مستمرّة – وإن متقطّعة – على امتداد حوالي سنتين (2017-2019) تخلّلتها إضرابات مستمرّة لقطاعات مختلفة. وشارك رئيسي في قمع الانتفاضات والثورات التي اندلعت في إيران خلال العقد الماضي بدءاً من الثورة الخضراء وصولاً إلى انتفاضة تشرين الثاني 2019. كما أصدر الكثير من أحكام الإعدام.

 

أنْ يفضّل خامنئي رئيسي على نجله مجتبى – أقلّه بحسب بعض المؤشّرات الحاليّة – يعني أنّ الرئيس الجديد يتمتّع بقدرات غائبة لدى مجتبى: التعامل مع الانتفاضات المقبلة، وامتصاص أيّ صراعات محتملة بين مراكز القوى المختلفة في إيران. لكن هذا يعني أيضاً أنّ لرئيسي ميزات شخصيّة بارزة بمقدار ما في النظام من مكامن ضعف بارزة. قدرة رئيسي على إصلاحها أو حتى تغطيتها تبقى قيد المتابعة.  

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم