إعلان

ايران تمارس سياسة النعامة في انتظار الانتخابات الأميركية !

المصدر: النهار العربي
علي حمادة
علي حمادة
المرشد الإيراني علي خامنئي
المرشد الإيراني علي خامنئي
A+ A-
بالرغم من كل الضجيج الإعلامي، وتصريحات كبار قادة "الحرس الثوري" الإيراني، و خطب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في ايران السيد علي خامنئي النارية والمشبعة تهديدا للأميركيين  لم يسبق لإيران منذ تجرعت "كأس السم" بقبول وقف الحرب مع العراق أيام الإمام الخميني، أن تصرفت بعقلانية، لا بل بحذر شديد في ما يتعلق بصراعها مع الأميركيين كما يحدث اليوم. فمنذ قتل الأميركيون قائد "فيلق القدس" و الرجل الثاني عملياً في إيران، قاسم سليماني، اختار الإيرانيون أن يتعاملوا مع سياسة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتشددة بأقسى أنواع ضبط النفس، وتحاشي الصدام المباشر مع الولايات المتحدة المستعدة للمواجهة والنزال في آخر بقعة من العالم. فمسلسل الخطوات الاميركية المتشددة مع إيران لا ينتهي منذ قررت الإدارة الحالية الانسحاب من الاتفاق النووي، ثم تشديد العقوبات المتدرجة التي لم تتوقف حتى اليوم. وثمة أمثلة كثيرة على "الانضباط" الفائق للإيرانيين في التعامل مع إدارة ترامب مثل تعاملهم مع قضية ناقلات النفط التي صادرتها البحرية الأميركية في عرض المحيط الأطلسي، وهي في طريقها إلى فنزويلا، حيث نفى الإيرانيون في البداية أن تكون صودرت، إلى أن قدم الأميركيون أدلة على ذلك، أو الانضباط الأهم في كيفية الرد على قتل قاسم سليماني نفسه قرب مطار بغداد، حيث لم ترد طهران عملياً على قتل أهم شخصية عسكرية في البلاد. أكثر من ذلك تعرضت ايران في الأشهر القليلة الماضية لهجمات  "مجهولة المصدر" ، يرجح أن الاميركيين   والإسرائيليين تعاقبوا على القيام بها في قلب البلاد ،ضد مكنشآت ذات طبيعة عسكرية استراتيجية، كمفاعل نطنز النووي، وغيره من المنشآت الحيوية، وبقي الإيرانيون يتعاملون مع هذه الاحداث بكثير من ضبط النفس، ان لم نقل بقبول الانكسار المرحلي أمام قوة هائلة مستعدة للنزال معها مباشرة . 
 
و هل يمكن أن يتجاهل المراقب الغارات التي قامت بها إسرائيل على مدى الاعوام الماضية ضد اهداف تابعة لـ"الحرس الثوري" الإيراني ، والمليشيات التابعة له، وفي مقدمها "حزب الله" في سوريا   والعراق، و لم يرد عليها الإيرانيون حتى اليوم في إطار سياسة تحاشي الصدام المباشر، والانزلاق نحو مواجهة كبرى. حتى "حزب الله" الذي ظل يتوعد الإسرائيليين بالرد على قتلهم لعدد من قادته في سوريا، ظل رده في اطار الرد الإعلامي لاهداف دعائية في أوساط جمهوره، ولم يخرج الحزب المحسوب أنه ذراع إيرانية في لبنان عن إطار "الهدنة " الواقعية التي قامت اثر حرب ٢٠٠٦ في لبنان، مع الإسرائيليين. 
 
إلامَ يؤشر هذا الامر؟ ببساطة الى أن القرار الإيراني اتخذ منذ وقت طويل بعدم الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة خلال ولاية الرئيس الحالي دونالد ترامب لمعرفة الأولى بأن الثانية مستعدة للدخول في مواجهة حامية، ومؤلمة جداً معها، قد تذهب الى حدود الحرب المحدودة التي لا يمكن لإيران أن تخرج منها سالمة. والأمر انطبق على الذراع الإيرانية الأساسية في الإقليم، أي "حزب الله" الذي تحاشى طوال ااشهر الماضية التصعيد الجدي مع الإسرائيليين لعلمه أن موازين القوى، في ظل التقارب الكبير بين الأجندتين الأميركية والإسرائيلية يمكن أن يفضي الى مواجهة قاسية قد تهدد "استقرار" الحزب في  قاعدته اللبنانية التي تمكن خلال الأعوام الماضية من أن يعزز سيطرته على جميع مفاصلها، بحيث ما عاد من الممكن التمييز بين الدولة اللبنانية و "حزب الله" . 
 
لماذا اتخذ الإيرانيون هذا القرار في الإقليم؟ لأنهم دخلوا منذ اليوم الأول للمواجهة مع إدارة ترامب في لعبة الانتخابات المقبلة. و قد تحاشوا حتى الان منح ترامب "ورقة" رابحة في المواجهة معه. و كلما اقترب موعد الانتخابات، وتشددت الإدارة الأميركية الحالية مع ايران، لن تجد الادارة المذكورة أمامها سوى طرف يتراجع، أو يتجاهل، أو ينفي، أو يمارس سياسة النعامة. وفي أحسن الأحوال لن يجد أمامه أكثر من موقف اعلامي دعائي يهدف الى كسب الوقت، وانتظار الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، وتمني فشل ترامب في الفوز بولاية ثانية، مما يفضي في هذه الحالة إلى فتح الباب أمام طهران لاعادة ترتيب أوراقها مع إدارة جو بايدن المستعد للعودة الى الاتفاق النووي الإيراني، وإن مع مطالبته بإدخال تعديلات على الاتفاق كما أشار بايدن في مقال نشر في موقع قناة "سي أن أن" الأسبوع الماضي.
 
هكذا يؤدي الإيرانيون دورهم في الانتخابات الأميركية المقبلة في الثالث من تشرين الثاني ( نوفمبر) من خلال تجنب أي صدام مع ترامب يمكن ان يخدمه في الانتخابات  بحشد الأميركيين خلف الإدارة اذا ما حصل صدام عسكري بين البلدين. 
 
خلاصة القول إن طهران تلعب ورقة الانتخابات من خلال ممارسة ضبط النفس الى اقصى الحدود،   وتحاشي أي صدام ، وتلقي الضربات واستيعابها الى حدود بعيدة كما حصل حتى الان، و كما سيحصل في الأسابيع القليلة المقبلة التي تفصلنا عن الانتخابات الأميركية.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم