إعلان

أحقّاً "فشلت" حملة الضغط الأقصى على إيران؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب يوقّع على انسحاب بلاده من الاتفاق النووي، 2018 - "أ ب"
الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب يوقّع على انسحاب بلاده من الاتفاق النووي، 2018 - "أ ب"
A+ A-

بالرغم من مضيّ ثلاثة أشهر تقريباً على دخول جو بايدن البيت الأبيض، لا تزال صحف أميركيّة تنتقد سياسة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب تجاه إيران والمعروفة باسم "حملة الضغط الأقصى". في 10 نيسان (أبريل)، كتبت هيئة التحرير في صحيفة "النيويورك تايمس" أنّ الحملة "فشلت" وأنّ العقوبات شلّت إيران لكنّها دفعتها إلى استئناف نشاطها النووي الذي تخلّت عنه بعد خطة العمل الشاملة المشتركة المعروفة باسم الاتّفاق النووي.

 

ثغرات كبيرة

يمكن أن يقال الكثير عن ضعف قيود الاتّفاق التي تدافع عنه الصحيفة. فهو لم يفكّك البنية التحتية النوويّة لإيران وهذا ما يفسّر انتهاكاتها السريعة له وقدرتها على تهديد الأميركيّين بتصعيد التخصيب وتطوير أجهزة الطرد المركزيّ في وقت قصير جدّاً.

 

على سبيل المثال، قال الرئيس السابق باراك أوباما في مقابلة سنة 2015 إنّه بعد 12 أو 13 أو 14 سنة على توقيع الاتّفاق سيكون لدى الإيرانيّين أجهزة طرد مركزيّ متطوّرة ستخصّب اليورانيوم بطريقة أسرع. من الواضح أنّ قدرة إيران على تشغيل هذه الأجهزة المتطوّرة بعد أقلّ من ست سنوات على إتمام الاتّفاق النوويّ تخالف توقّعات عرّاب الاتّفاق نفسه. فإيران أجرت الأسبوع الماضي "اختبارات ميكانيكية" على أجهزة "آي آر 9" التي تتمتّع بالقدرة على فصل نظائر اليورانيوم أسرع بخمسين مرّة من الجيل الأوّل المسموح باستخدامه وفقاً لاتّفاق 2015.

 

وثمّة الكثير من المخاوف حول ما إذا كانت إيران قد أخفت عن العالم ماضي نشاطاتها النوويّة والتي طُلب منها الكشف عنها قبل الاستفادة من رفع العقوبات بموجب الاتّفاق النوويّ. وفي تشرين الثاني (نوفمبر)، أعلن تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية أنّ تفسيرات طهران حول وجود مواد نووية صناعية في منشأة غير معلن عنها (توركوزآباد) غير مرضية "وغير موثوق بها تقنياً".

 

فكرة لم تكن مستبعدة

بصرف النظر عن مدى التزام إيران بموجبتها النووية وفقاً للاتّفاق ومدى قدرة الأخير على تقييد برنامجها النووي، أعلنت "النيويورك تايمس" أنّه لو أرادت إيران الاستجابة للمطالب الأميركيّة التي فرضها ترامب لفعلت ذلك منذ زمن طويل. وأضافت أنّ التجويع لم يكن فعالاً إلى اليوم بل جعل إيران "جاراً أكثر تمرّداً".

 

في النقطة الأولى، احتاجت الولايات المتحدة إلى ست سنوات من العقوبات تقريباً كي تدفع إيران إلى اتّفاق 2015. في المقابل، امتدّت ذروة عقوبات ترامب حوالي سنة ونصف السنة فقط. بدأت عقوباته الجدّيّة على إيران أواسط 2019 مع إلغاء الاستثناءات الممنوحة للدول الكبيرة في استيراد النفط الإيرانيّ. أمّا العقوبات الماليّة وغير النفطيّة فقد فُرضت سنة 2020. مع ذلك، حتى فكرة تفاوض إيران مع ترامب لم تكن مستبعدة لو فاز الأخير بالانتخابات.

 

في أيلول (سبتمبر) الماضي، أشاد المرشد الإيرانيّ الأعلى علي خامنئي بقرار سلفه روح الله الخميني بقبوله وقف إطلاق النار مع العراق. وصف الخميني حينها تلك الخطوة بأنّها شبيهة بـ"تجرّع كأس السم". أتت تلك الإشادة بالتزامن مع الذكرى الأربعين لانطلاق الحرب العراقيّة-الإيرانيّة. وتساءل البعض عمّا إذا كان كلام خامنئي تلميحاً إلى استعداده لاتّخاذ قرار مشابه يقضي بالتفاوض مع إدارة ترامب، بما أنّ بلاده لم تكن تستطيع تحمّل أربع سنوات أخرى من العقوبات.

 

فنسبة الصادرات والواردات الإيرانيّة مع العالم انخفضت بعد عقوبات ترامب إلى مستويات لم تشهدها البلاد حتى خلال العقوبات الأممية قبل اتفاق 2015، وكذلك الأمر بالنسبة إلى البطالة والعجز المالي وصادرات وإنتاج النفط. إذا كانت العقوبات السابقة قد دفعت طهران إلى طاولة التفاوض بين سنتي 2013 و 2015، فالعقوبات الأقسى التي فرضها ترامب كانت كفيلة، عاجلاً أم آجلاً، بحثّ إيران على ذلك، أكان في ولاية ثانية لترامب، أم في ولاية أولى لبايدن كما هو حاصل حاليّاً.

 

ما قاله كيسنجر

في المفاوضات الجارية، أقدمت إيران على تقديم بعض التنازلات. خلال الأسبوع الماضي، قال خامنئي إنّ "العروض التي يؤمّنونها (الأميركيون) هي عادة متعجرفة ومذلّة... هي ليست أهلاً للنظر فيها". مع ذلك، لم يمنع خامنئي المفاوضين الإيرانيّين من الذهاب إلى فيينا والتحدث مع الأميركيّين بطريقة غير مباشرة، بوساطة من الأوروبّيّين.

 

أبعد من ذلك، وفي ما يشبه الدعوة إلى تسريع المفاوضات، أضاف خامنئي: "يجب على المحادثات ألا تصبح محادثات استنزاف. يجب ألا تخاض بطريقة تجرّ وتطيل الأطراف فيها تلك المحادثات. هذا مؤذٍ للدولة". من المؤكّد أنّ القبول الإيرانيّ بالعودة إلى المفاوضات هو مدفوع بالحاجة إلى التخلّص من "حملة الضغط الأقصى".

 

أمّا أن تكون الحملة هي التي جعلت إيران أكثر تشدّداً في المنطقة بحسب الصحيفة عينها، فتكفي الإشارة إلى أنّ الحوثيّين المدعومين من إيران انقلبوا على الحكومة اليمنيّة المعترف بها دوليّاً خلال مرحلة التواصل الديبلوماسيّ الغربيّ مع طهران. وصعّدت إيران حملتها العسكريّة في سوريا خلال التفاوض على الاتّفاق وبعد إنجازه.

 

ولعلّ أبرز مثل يمكن أن يساق في هذا المجال هو احتجاز الحرس الثوريّ مجموعة من البحّارة الأميركيّين وتصويرهم بطريقة مذلّة قبل أيّام قليلة من دخول الاتّفاق حيّز التنفيذ سنة 2016. إنّ السلوك الإيرانيّ في المنطقة لا يعتمد على طريقة تعامل الأميركيّين مع طهران. هو يجد جذوره في طبيعة النظام الثوريّة داخل البلاد. لهذا السبب، قال الديبلوماسيّ الأميركيّ هنري كيسنجر إنّه لو تصرفت "إيران كدولة لا كقضية ثورية"، فلن يكون هنالك سبب للولايات المتحدة أو أي دولة إقليميّة أو في مجلس الأمن كي تكون في نزاع معها.

 

السؤال المحوريّ

عرضت الصحيفة حججاً ضعيفة أخرى لإقامة الدليل على أنّ حملة الضغط الأقصى فشلت، من بينها توقيع إيران على اتّفاقية الشراكة الاستراتيجيّة مع الصين. لكنّ هذه الاتّفاقيّة كانت مطروحة منذ سنة 2016. كما تخوّفت من أن يؤدّي استمرار سياسة العقوبات إلى ضعف الدولار عالميّاً، وهذا ما لا دليل واضحاً عليه.

 

لقد حملت سياسة "الضغط الأقصى" إيران إلى طاولة المفاوضات مجدّداً. وهي التي أطلقت على الأرجح تعهّد بايدن بـ"تمديد وتوسيع" الاتّفاق الأساسيّ، بعدما كان المسؤولون الأميركيّون يقولون إنّ هدف الاتّفاق واضح ويتعلّق حصراً بالبرنامج النوويّ الإيرانيّ. حتى هذا التعهّد بحاجة إلى النفوذ الإضافيّ الذي أمّنته حملة ترامب. توفّر أو عدم توفّر النيّة لدى بايدن لاستخدام هذا النفوذ هو السؤال المحوريّ للمرحلة المقبلة.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم