إعلان

إحياء الاتفاق النووي... احتمال مرجّح أم ضئيل؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
قصر كوبورغ الذي يستضيف محادثات إحياء الاتفاق النووي - "أ ب"
قصر كوبورغ الذي يستضيف محادثات إحياء الاتفاق النووي - "أ ب"
A+ A-

تصاعدت في الآونة الأخيرة احتمالات توصّل المحادثات في فيينا إلى إعادة إحياء الاتفاق النووي بصيغة أو بأخرى. حتى البيانات الأميركية التي عادة ما اتخذت طابع الحذر بالمقارنة مع التصريحات الإيرانية والروسية، وإلى حدّ أقل الأوروبية، أصبحت أكثر صراحة في توقّع إمكانية كهذه.

في 16 شباط (فبراير) أفاد المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس أنّ واشنطن "في خضمّ المراحل النهائية" من المحادثات غير المباشرة مع إيران قائلاً إنّ "هذه في الحقيقة المرحلة الحاسمة التي سيكون عندها بمقدورنا تحديد ما إذا كانت العودة للامتثال لخطّة العمل الشاملة المشتركة وشيكة أم لا". في اليوم نفسه، غرّد كبير المفاوضين الإيرانيين علي باقري كني على تويتر أنّ الأطراف المتفاوضة في فيينا اقتربت من التوصل إلى اتفاق "أكثر من أي وقت مضى".

 

وكشفت مصادر ديبلوماسية غربية الخميس لوكالة "رويترز" أنّ الاتّفاق الأميركيّ-الإيرانيّ يتبلور ويتضمّن "إجراءات متبادلة" و"ينفّذ على مراحل". ويقول المندوبون المفاوضون إنّ الجزء الأكبر من نص المسوّدة تمّت تسويته ولكن لا تزال هنالك بعض القضايا الشائكة. بالفعل، لا يعني التقدّم الذي أشار إليه المسؤولون توصّلاً حتميّاً إلى الاتّفاق. فقد حذّرت فرنسا الأربعاء إيران بأنّ أمامها بضعة أيام لإنجاز الاتّفاق عبر اتخاذ قرارات سياسية حاسمة، وإلّا ستكون سبباً "في اندلاع أزمة خطيرة في الأيام المقبلة". بالمقابل، تردّ طهران بأنّ الكرة باتت في ملعب الغرب وخصوصاً واشنطن. و يوم السبت، حمّل وزير الخارجية حسين أمير عبداللهيان الغرب مسؤولية أي فشل للمحادثات.

 

احتمالات الإخفاق...أكبر

تظهر هذه التصريحات دخول الأميركيّين والإيرانيّين مرحلة شدّ حبال لانتزاع تنازلات إضافيّة في سباق الأمتار الأخيرة. على الرغم ممّا يبدو أنّه اهتمام أميركيّ-إيرانيّ مشترك بالعودة إلى الاتفاق النووي، لا تزال احتمالات الإخفاق واردة وبقوّة. يرى رئيس "مجموعة أوراسيا" لاستشارات المخاطر وأستاذ العلوم الجيوسياسية في جامعة كولومبيا أيان بريمر أنّ احتمالات الإخفاق أكبر من فرص النجاح.

 

يوضح بريمر في مجلة "تايم" الأميركية أنّ إيران لا تحتاج إلى تقديم تنازل كبير في المفاوضات بما أنّ الصين راغبة بتجاهل العقوبات وشراء نفطها، وهذا ما يفسّر تحسّن قيمة العملة الإيرانية في الشهرين الماضيين. كذلك، لدى إيران مخاوف من سيطرة الجمهوريّين على الكونغرس في الانتخابات النصفيّة بما يؤثّر سلباً على حوافز الاستثمار العالمي في البلاد. بالمقابل، أضاف بريمر، لا تستطيع إدارة بايدن البقاء إلى الأبد في فيينا، هي المشغولة بقضايا عدة مثل تذبذب سياستها الوبائيّة وبلوغ التضخم مستويات قياسيّة وخطر اجتياح روسيّ لأوكرانيا والحاجة إلى التركيز على الصين. لكنّ بعض الأسباب التي ذكرها بريمر قد تدفع بايدن إلى التعجيل في التوصّل إلى الاتفاق النووي لا العكس.

 

التوتّر حول أوكرانيا

إنّ خوف واشنطن من اجتياح روسيّ لأوكرانيا قد يدفعها إلى تقديم التنازلات الأخيرة للتركيز على الجهد الديبلوماسيّ وربّما العسكريّ لاحقاً في دعم كييف لو حصل الهجوم. في الواقع، ووسط تصاعد الضغوط حول أوكرانيا، قدّمت إدارة بايدن "بوادر حسن نيّة" متعدّدة خلال الشهرين الماضيين، أهمّها إعادة العمل بالإعفاءات على البرنامج النوويّ الإيرانيّ "بشقّه المدنيّ" لتحفيز الشركات العالميّة على العودة والعمل في هذا الجانب. وسمحت واشنطن الشهر الماضي لكوريا الجنوبية بدفع أكثر من ستين مليون دولار لشركة "دياني" الإيرانية من حساب مجمّد كتعويض ماليّ بعد تقديم دعوى قضائيّة. ليس مؤكّداً مدى ارتباط هذه التنازلات بالضغط الذي تواجهه الإدارة في أوكرانيا، خصوصاً أنّ سياسة التنازلات ليست جديدة بالنسبة إلى الإدارة الحاليّة. مع ذلك، لا يمكن إسقاط هذا الترابط من الحسابات الأميركيّة بما أنّ المبادرات الأخيرة تتعلّق في جانب منها بالشقّ الماليّ الذي تهتمّ به إيران بشكل أكبر. على أيّ حال، تنفي الولايات المتحدة تصنيف خطواتها في إطار التنازل.

 

التضخّم... رادع أم حافز؟

من جانب آخر، قد يكون التضخّم الذي ذكره بريمر دافعاً كي تقبل إدارة بايدن بشروط إضافيّة لإيران. لقد وصل سعر الوقود في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوى له منذ يوليو/تموز 2014. يعدّ هذا العامل مساهماً في التضخّم الذي يشهده المواطنون الأميركيّون في أسعار السلع. بلغ التضخّم في يناير/كانون الثاني قرابة 7.5% وهو المعدّل الأعلى منذ أربعين عاماً. وقفز مؤشّر أسعار المستهلك 0.6% في الشهر نفسه متأثراً بارتفاع أسعار الطاقة والإيجارات والسلع الغذائيّة، مع توقّعات بتدخّل الاحتياطيّ الفيديراليّ في مارس/آذار لرفع أسعار الفائدة.

 

إذا كان بايدن يرغب برفع فرص حزبه للاحتفاظ بمجلسي الكونغرس، أو على الأقلّ بتخفيف حدّة الخسائر المتوقّعة، فسيكون عليه خفض أسعار السلع على رفوف المتاجر، هذه الأسعار التي تمثّل الهاجس الأكبر حالياً للناخب الأميركيّ. قد يكون التوصّل إلى اتّفاق مع إيران ورقة قويّة بيد بايدن لتخفيف الضغط عبر السماح بضخّ كمّيات إضافيّة من النفط الإيرانيّ في الأسواق العالميّة. ذكر الكاتب في شبكة "بلومبرغ" جوليان لي مفارقة وهي إمكانيّة أن تساعد إيران، الخصم الطويل المدى لواشنطن، سائقي السيارات الأميركية في خفض أسعار الوقود. ونقل أمس عن مجموعة "سيتي غروب" تقديرها أنّ إيران قادرة على تعزيز إنتاجها بنصف مليون برميل يومياً بحلول أبريل/نيسان أو مايو/أيار وبـ1.3 مليون برميل يومياً بحلول نهاية 2022.

 

قد تكون عودة إيران سريعاً إلى السوق النفطيّة دونها عقبات، كما ذكر "النهار العربي" في تقرير سابق. لكنّ حسابات الإدارة يمكن أن تتمحور حول أنّ وجود النفط الإيرانيّ في الأسواق، مهما كانت كمّيّاته، أفضل للاقتصاد الأميركيّ من عدم وجوده.

 

حسابات إيران

بطبيعة الحال، هنالك رغبة إيرانيّة أيضاً بتحسين الاقتصاد وخفض التضخّم الذي تخطّى 40%. لكنّ حسابات المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس الإيرانيّ ابراهيم رئيسي قد تختلف عن حسابات بايدن في أنّهما لا يواجهان استحقاقاً انتخابياً داخلياً، كما أنّهما يراهنان على القوى الأمنيّة شبه العسكريّة لقمع أيّ احتجاجات غاضبة. رفع موازنة الحرس الثوري للعام 2022/2023 إلى ضعفي ما كانت عليه في الموازنة الماضية مؤشّر إلى هذه الفكرة.

 

لهذه الأسباب، يبدو أنّ إيران تشعر بامتلاكها يداً أعلى في مفاوضات فيينا بالمقارنة مع الولايات المتحدة. ربّما تحتاج الأخيرة إلى بذل جهد إضافيّ لإقناع طهران بإنجاح محادثات فيينا. مسار الإدارة السابق القائم على تقديم التنازلات التدريجيّة يوحي بعدم وجود مانع أمامها لتقديم "بادرة حسن نيّة" أخرى. قد لا تتعلّق الأخيرة بمطلب إيران القديم-الجديد بضمان عدم الانسحاب مستقبلاً من الاتفاق، بل ربّما بتقريب موعد رفع العقوبات النفطيّة التي يبدو أنّها ستأتي "في وقت لاحق" بحسب نصّ مسوّدة الاتّفاق. الأنظار لا تزال موجّهة إلى فيينا للتأكّد ممّا إذا كانت الإدارة مستعدّة للتقدّم خطوة إضافيّة نحو إيران... خطوة ستشكّل مادة دسمة للجمهوريّين في حملات الانتخابات النصفيّة المقبلة. حسابات بايدن معقّدة بين الداخل والخارج ووقت الانتهاء منها يتقلّص بمرور الوقت.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم