إعلان

لماذا رفضت إيران "الهديّة"؟

المصدر: "النهار لعربي"
جورج عيسى
الرئيس الإيراني حسن روحاني - "أ ب"
الرئيس الإيراني حسن روحاني - "أ ب"
A+ A-
بصرف النظر عمّا يقوله القادة الإيرانيون عن عدم اهتمامهم بالانتخابات الرئاسية الأميركية بما أنّ واشنطن لديها مشكلة مع النظام أيّاً كان شاغل البيت الأبيض، ترى طهران أنّ الرئيس المنتخب جو بايدن سيكون أفضل لمصالحها من الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب. بالحدّ الأدنى، أبدى بايدن استعداده للعودة إلى الاتفاق النووي بمجرّد عودة إيران إليه. يعني ذلك أنّ بإمكانها تأمّل رفع جزئيّ للعقوبات. وبالحدّ الأقصى، أقلّه بالنسبة إلى المنظور الإيرانيّ، يمكن أن يكون بايدن نسخة ثانية من أوباما حيث يمكن أن يقدّم كلّ التسهيلات الممكنة لإنجاح الاتّفاق. فقسم كبير من فريقه السياسيّ عمل في إدارة أوباما، من بينه وزير خارجيّته أنطوني بلينكن الذي أدّى دوراً بارزاً في مفاوضات الاتّفاق.

 
توقيت سيّئ
إذاً، كان على إيران تلقّف "الهديّة" المجّانيّة الآتية من وراء البحار استعداداً لرفع العقوبات الذي طال انتظارها له. بعد اغتيال كبير العلماء النوويّين الإيرانيّين محسن فخري زاده، تجنّبت إيران الردّ لاجئةً إلى لازمة "سنردّ في الوقت المناسب". بدا أنّ إيران أرادت تفادت التصعيد العسكريّ لعدم إهدار فرصة مدّ الجسور مع إدارة بايدن. لكنّها سرعان ما تراجعت عن هذه السياسة عبر إعدام الصحافيّ الإيرانيّ روح الله زم. يمكن فهم الإصرار على إعدام الصحافيّ من ضمن تصعيد إيرانيّ في توقيت بالغ السوء لطهران.

كان زم يعيش في فرنسا قبل أن يتمّ استدراجه إلى العراق خريف 2019 ثمّ يلقي الحرس الثوريّ القبض عليه. ولاحقاً ظهر زم على الإعلام واعترف بجرائمه المفترضة وهي التجسّس والخيانة. وكان زم قد نقل بشكل متواصل تظاهرات الإيرانيّين بين 2017 و2018 على موقعه الإلكترونيّ "آمد نيوز". واختارت إيران إعدامه قبل يومين من انطلاق "منتدى الأعمال الأوروبي – الإيرانيّ" المموّل من بروكسل. تمّ تأجيل المؤتمر بعد استنكارات قويّة من ألمانيا وفرنسا فما كان من وزير خارجيّة إيران محمد جواد ظريف إلّا أن استدعى سفيري الدولتين لشجب تدخّلهما في شؤون بلاده. وكانت وزارة الخارجيّة الفرنسيّة قد وصفت خطوة إيران بـ "البربريّة" قائلة إنّ الأمور "لن تعود إلى طبيعتها".
 
أمّا ألمانيا فقد أعربت عن صدمتها خصوصاً من طريقة "اختطاف" زم. وألغت النمسا وإيطاليا أيضاً مشاركتهما في المنتدى. كلّ هذه الأحداث دفعت هيئة تحرير صحيفة "واشنطن بوست" المناوئة لدونالد ترامب إلى كتابة أنّ إيران "لا تنوي تحسين العلاقات مع الغرب".

حلقة الوصل
أبدت إيران مراراً غضبها من سلوك الأوروبّيّين معها. بالنسبة إليها، واصل الثلاثيّ الأوروبّيّ (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا) دفاعه عن الاتّفاق النوويّ، من دون أن ينعكس ذلك استثمارات في إيران. تتصرّف الأخيرة من منطلق أنّ الأوروبّيّين ليسوا سوى حلقة وصل بين طهران وواشنطن. لكنّها بخطوتها الأخيرة خاطرت بكسرها. وكأنّ وصول بايدن إلى السلطة خلق انطباعاً لدى إيران بأنّها لم تعد بحاجة إلى حلقة الوصل هذه. لكنّ تشديد بايدن على العودة إلى التحالفات الدوليّة من أجل مواجهة الملفّات العالقة ومن بينها الملفّ النوويّ يؤكّد انزياح هذه الحسابات عن سكّتها الصحيحة.

بالمقابل، يبدو أنّ بريطانيا وألمانيا اقتربتا قليلاً من موقف ترامب في هذا الشأن فصنّفتا "حزب الله" على لائحة الإرهاب. كذلك، أعلنت ألمانيا مؤخّراً على لسان وزير خارجيّتها هايكو ماس أنّ برلين "لا تثق" بطهران وأنّ العودة إلى الاتّفاق النوويّ بصيغته الأساسيّة لم تعد كافية. لذلك، كان إعدام زم خياراً خاطئاً مثيراً نفور دول لا تزال تعطي مسألة حرّيّة الصحافة وحقوق الإنسان عموماً أهمّيّة كبيرة في سياستها الخارجيّة. وخاطر هذا الفعل بإبعاد فرنسا التي تعدّ من أبرز المدافعين عن إيران والدولة الوحيدة في الثلاثيّ الأوروبّيّ التي لم تصنّف "حزب الله" على لائحة الإرهاب.
 
ولم تَصدر الإدانات عن أوروبا وحسب، بل شجب كبار المسؤولين المرتقبين في إدارة بايدن هذا الفعل مثل بلينكن نفسه ومستشار شؤون الأمن القوميّ جايك سوليفان. وغرّد الأخير أنّ واشنطن ستصطفّ إلى جانب شركائها في "الوقوف بوجه انتهاكات إيران (لحقوق الإنسان)".

 
تصريح غريب
لم تدافع حكومة الرئيس الإيرانيّ حسن روحاني عن إعدام زم وحسب. أطلق روحاني تصريحات لا تساعده كثيراً في الإبقاء على حظوظ التفاوض. فهو قال الأربعاء: "لم تغمرنا الفرحة بقدوم السيّد بايدن، لكنّنا سعداء برحيل ترامب" واصفاً إيّاه بـ "الإرهابيّ" و "الخارج على القانون". هذا التوصيف قد يدفع شخصاً بطباع ترامب أن يردّ على إيران بقسوة خصوصاً أنّ منافذ بقائه في البيت الأبيض قد سُدّت أمامه.

لا شكّ في أنّ عمليّات التخريب التي طالت منشآتها النوويّة والعسكريّة والكهربائيّة خلال الأشهر الأخيرة، إضافة إلى اغتيال فخري زاده والرجل الثاني في تنظيم "القاعدة" بالقرب وداخل العاصمة الإيرانيّة، تهدف إلى تصعيب عودة بايدن إلى الاتّفاق النوويّ. ومع وصفه ترامب بـ "الإرهابيّ" يخاطر روحاني بوضع بلاده في موقف أكثر إحراجاً، لو وجّهت الإدارة الحاليّة ضربة قويّة أخرى إلى إيران. علاوة على كلّ ذلك، اتّهمت الولايات المتّحدة وللمرّة الأولى إيران بالتورّط في "الموت المحتمل" للعميل السابق في مكتب التحقيقات الفيديراليّ بوب ليفينسون الذي اختفى في إيران منذ 13 عاماً. وقال بومبيو: "لن نتوانى عن ملاحقة أولئك الذين أدّوا دوراً في اختفائه".

 
حسابات محتملة
ليس واضحاً ما إذا كانت خطوات إيران بما فيها تصريحات روحاني محسوبة بدقّة. قال الأخير إنّه لا يتوقّع أن يؤثّر إعدام زم على علاقات إيران مع الغربيّين، مضيفاً أنّ الإعدام منصوص عليه في الدستور الإيراني. لكن كما ذكرت مجلّة "ذي ايكونوميست" البريطانيّة"، "حتى بمعايير إيران كانت العدالة قاسية". ربّما تُولي إيران الأهمّيّة الكبرى لقمع الأصوات "المنشقّة" لا إلى العلاقات مع الغربيّين. وزم كان متشدّداً جدّاً في طروحاته. فهو ردّد أنّ "روح الله (الخميني) بدأ الثورة، روح الله (زم) سينهيها". وعلى الرغم من الإدانات التي أصدرها المقرّبون من بايدن، ثمّة احتمال، بحسب "الإيكونوميست"، في أنّ "حرص الإدارة الجديدة على تقييد تخصيب إيران لليورانيوم يفوق (حرصها على قضيّة) حقوق الإنسان".

 هل هذه هي حسابات إيران؟ ربّما. وإن كانت كذلك حقاً فهي محفوفة بمخاطر جمّة.


الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم