إعلان

تيّار الإصلاحيّين انتهى في إيران؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
مناصرة للمرشح الرئاسي الفائز ابرهيم رئيسي تحمل صورة تجمعه بالمرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي - "أ ب"
مناصرة للمرشح الرئاسي الفائز ابرهيم رئيسي تحمل صورة تجمعه بالمرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي - "أ ب"
A+ A-

خلت الانتخابات في إيران من أيّ مفاجأة مع فوز رئيس السلطة القضائية ابرهيم رئيسي بالمعركة الرئاسيّة من الجولة الأولى. بحسب الأرقام الأوّليّة حصد رئيسي نسبة 62% من الأصوات، وهو رقم قريب من تقرير أصدره "مركز استطلاع الرأي العام للطلاب الإيرانيين" يوم الأربعاء وقد توقّع فوز رئيسي بنسبة 64% من الأصوات. وكان الأخير قد خسر في انتخابات 2017 أمام الرئيس المنتهية ولايته حسن روحاني حين حصد حوالي 38% من الأصوات مقابل 57% لروحاني. خلال السنوات الخمس الأخيرة، طرأت تطوّرات كبيرة مكّنت رئيسي من كسب السباق بسهولة.

 

هكذا تراجع الإصلاحيون في خمس سنوات

في 2017، كان روحاني والفريق الإصلاحيّ خارجَين من "انتصار ديبلوماسيّ" كبير بعد التوقيع على الاتّفاق النوويّ والوعود التي رافقته بتدفّق مليارات الدولارات إلى إيران. جسّد فوز ترامب بالرئاسة الأميركيّة تحوّلاً سلبيّاً في المشهد الداخليّ الإيرانيّ بفعل انسحابه من الاتّفاق وفرض عقوبات قاسية جدّاً على القطاعات الأساسيّة في البلاد. خلال سنتين فقط، انكمش حجم الاقتصاد الإيرانيّ بأكثر من 10% وتراجعت الاحتياطات الأجنبية بحوالي 40 مليار دولار. وانخفضت صادرات إيران النفطية من حوالي 2.2 مليون برميل قبل فرض العقوبات إلى حوالي 400 ألف السنة الماضية.

 

وبعدما انتشرت جائحة "كورونا"، تفاقمت الأزمات الداخليّة. فقدَ أكثر من مليون إيرانيّ (من أصل 27 مليون نسمة من القوّة العاملة) وظائفهم في سنة 2020 وحدها. وفي شباط (فبراير) 2021، وصل التضخّم إلى 48% وهو يكاد يقارب ضعفي النسبة التي بلغها في شبط 2020. وخلال السنة الماضية أيضاً خسر الريال الإيرانيّ نصف قيمته أمام الدولار. واشتدّ الضغط أكثر على إيران في كانون الثاني (يناير) 2020، بعدما اغتالت الولايات المتحدة قائد "قوّة القدس" قاسم سليماني. وازدادت عزلة البلاد بعدما أسقطت عن طريق الخطأ طائرة تجاريّة أوكرانيّة على متنها 176 راكباً نصفهم تقريباً من الإيرانيّين الحاملين لجنسيّات أجنبيّة.

 

أدّت كلّ هذه التطوّرات وغيرها إلى إلقاء المحافظين اللوم على الإصلاحيّين في ما آلت إليه الأمور. وتسرّبت تسجيلات عدّة لوزير الخارجيّة محمّد جواد ظريف ينتقد فيها الحرس الثوريّ والمتشدّدين ممّا اضطرّه إلى الاعتذار. بذلك، تلقّت حظوظ الإصلاحيّين ضربة جديدة في الانتخابات. ولعب مجلس صيانة الدستور دوراً أساسيّاً في مساعدة رئيسي على الفوز مع استبعاد المنافسين الإصلاحيّين من اللائحة الرسميّة للمرشّحين النهائيّين، وسمح فقط لمحافظ البنك المركزيّ السابق عبد الناصر همّتي، وهو شخصيّة تفتقد للخبرة في العمل السياسيّ، بمنافسة رئيسي. وانسحب معظم المتشدّدين من السباق الانتخابيّ تفادياً لتشتّت الأصوات. لعلّ انسحاب الأمين العام السابق لمجلس الأمن القومي الأعلى في إيران سعيد جليلي أبرز مثل على ذلك.

 

مفاجأة لم تتكرّر

للمفارقة، لم تكن حظوظ همّتي معدومة أقلّه عند المقارنة مع محطّة انتخابيّة سابقة في إيران. تذكّر مراقبون كيف كان رئيس مجلس الشورى علي أكبر ناطق نوري المرشّح المفضّل لـ"الدولة العميقة" سنة 1997، لكن في الساعات الأخيرة تدفّق مؤيّدو الإصلاحيّين إلى صناديق الاقتراع وقلبوا النتيجة لصالح المعتدل محمد خاتمي الذي فاز بالرئاسة بنسبة 70% من الأصوات. مع ذلك، كان صعباً توقّع سيناريو شبيه في 2021 لأسباب عدّة.

 

يسود اعتقاد عام بأنّ رئيسي هو الشخصيّة المفضّلة لخامنئي كي يخلفه في منصب المرشديّة العليا. إذا كان بالإمكان تحمّل خسارة رئيسي انتخابات 2017، بما أنّ ذاك الاستحقاق شكّل في أسوأ الأحوال فرصة لرئيسي كي يكسب أضواء سياسيّة، فإنّ خسارته انتخابات 2021 ستؤدّي إلى استبعاده من لائحة المرشّحين لخلافة خامنئي. من جهة ثانية، يمكن ملاحظة أنّ جيلاً جديداً من رجال الدين الأكثر تشدّداً يحلّ تدريجيّاً مكان الجيل الأوّل في عدد من المناصب القياديّة (مجالس خبراء القيادة وصيانة الدستور وتشخيص مصلحة النظام) مثل أحمد خاتمي وعلي رضا عرفي ورئيسي نفسه وآخرين. في هذا السياق، يرى البعض أنّ وصول رئيسي إلى الرئاسة هو جزء من صورة أكبر تدلّ إلى تحوّل إيران من "جمهوريّة إسلاميّة" إلى "دولة إسلاميّة".

 

علاوة على كلّ ذلك، لم يتّفق الإصلاحيّون على كيفيّة خوض الانتخابات. فمنهم من أيّد همّتي ومنهم من تبنّى المقاطعة بعدما فقدوا الأمل بإمكانيّة التغيير من الداخل. كلّ هذه العوامل منعت حدوث مفاجأة شبيهة بتلك التي حصلت منذ حوالي ربع قرن. وعلى أيّ حال، أغلقت تداعيات انتخابات 2009 الباب نهائيّاً أمام إمكانيّة حصول هكذا مفاجآت. وفي المحصّلة، لم يحلّ همّتي حتى في المركز الثاني الذي تبوّأه القائد السابق للحرس الثوريّ محسن رضائي بعد فرز 90% من الأصوات.

 

نهاية عصر؟

على ضفّة موازية، يبدو أنّ نسبة الاقتراع وصلت إلى .848% علماً أنّ استطلاعات الرأي كانت تضع هذه النسبة بين 30 إلى 40% كحدّ أقصى. بذلك، سجّل الإقبال رقماً أفضل من التوقّعات وأفضل من الانتخابات التشريعية في شباط (فبراير) 2020، حين اقترع حوالي 42,5% فقط من الناخبين الإيرانيّين. مع ذلك، يبقى الرقم أدنى بكثير ممّا تمّ تسجيله في 2017 مع 73% من نسبة اقتراع، كما يبقى الرقم الأدنى في تاريخ الانتخابات الرئاسيّة بعد الثورة.

 

أشارت مراسلة صحيفة "نيويورك تايمز" للشؤون الإيرانيّة والشرق أوسطيّة فرناز فصيحي إلى فرز حوالي مليون بطاقة اقتراع إمّا بيضاء وإمّا ملغاة، ونقلت عن مصادر قولها إنّ هذا الأمر عبارة عن فعل اعتراض. وربّما كان فعل الاعتراض بارزاً جدّاً في العاصمة طهران مع نسبة إقبال بلغت فقط 25%. لكنّ هذا الاعتراض قد يعبّر عن آخر دور يؤدّيه الإصلاحيّون قبل اضمحلال تيّارهم في إيران بحسب ما كتبه الباحث الزائر في "المجلس الأوروبّيّ للعلاقات الخارجيّة" والمتخصّص في الشؤون الإيرانيّة إسفنديار باتمانغيليدج.

 

يبدو باتمانغيليدج متأكّداً من أنّ الانتخابات الحاليّة تعني نهاية الإصلاحيّين. فخيبة الأمل الموجودة بين قسم كبير من الإيرانيّين بسبب النظام، ومن ضمنه الإصلاحيّين أنفسهم بحسب مجلّة "إيكونوميست" البريطانيّة. ومع فقدان قدرتهم على التغيير طوال ثماني سنوات في مقابل توسّع قدرة المتشدّدين على الإمساك بمفاصل الدولة ومواردها، يمكن أن يكون توقّع باتمانغيليدج دقيقاً. مع ذلك، يعبّر الأخير عن تفاؤله بتمتّع المجتمع المدنيّ في إيران بالطاقة الخلّاقة لإنتاج بديل عن الإصلاحيّين. لكن قبل البحث في حقيقة إمكانات المجتمع المدني، ثمة سؤال ملحّ عن شكل المؤسّسات في إيران بعد الغياب الكبير للإصلاحيّين عن المشهد السياسيّ. هل تستطيع إيران تحمّل دوران لعبة سياسيّة جديدة تفقد فيها ثنائيّة ميّزتها طوال أربعين عاماً من دون أن ينشأ عنها أزمة سياسيّة في المستقبل المنظور؟

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم