إعلان

كيف ستحلّ سيول قضيّة احتجاز إيران ناقلتها النفطيّة؟

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف مستضيفاً نائب وزيرة الخارجية الكورية الجنوبية تشوي جونغ-غون، 11 كانون الثاني 2021 - "أ ب"
وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف مستضيفاً نائب وزيرة الخارجية الكورية الجنوبية تشوي جونغ-غون، 11 كانون الثاني 2021 - "أ ب"
A+ A-
في الرابع من كانون الثاني (يناير)، احتجزت إيران ناقلة نفط كوريّة جنوبيّة بناءً على مزاعم بخرقها القوانين البيئيّة. توقّف كثر عند هذا التبرير، إذ رأوا فيه غرابة واضحة لصدوره عن دولة تزرع ألغاماً بحريّة. كانت ناقلة النفط "هانكوك شيمي" تنقل 7 آلاف طنّ من مادّة الإيثانول متوجّهة من السعوديّة إلى الإمارات، وعلى متنها طاقم من 20 شخصاً. وقالت وكالة "تسنيم" الإيرانيّة شبه الرسميّة إنّ أعضاء الطاقم، ومن بينهم 5 كوريّين جنوبيّين إضافة إلى إندونيسيين وفيتناميين، محتجزون في ميناء بندر عباس.
 
 
بين تصريحات النفي والتأكيد
نفت إيران بداية أن يكون للاحتجاز علاقة بطلبها من كوريا الجنوبيّة الإفراج عن أموالها النفطيّة المجمّدة بموجب العقوبات الأميركيّة والتي تبلغ حوالي 7 مليارات دولار. ودعت طهران المجتمع الدوليّ إلى عدم تسييس القضيّة طالبةً من واشنطن وباريس عدم التدخّل فيها، بعدما طلبتا من إيران الإفراج عن الناقلة "فوراً".

بالمقابل، نقلت وكالة "يونهاب" الكوريّة عن مسؤول كوريّ الأربعاء قوله إنّ طهران تضع تلك المسألة بنداً في المفاوضات. كذلك، ذكرت صحيفة "كوريا تايمس" أنّه على الرغم من نفيها استخدام احتجاز السفينة كنفوذ في تعاملها مع سيول، صعّدت طهران، في الوقت نفسه، انتقاداتها لكوريا الجنوبيّة بسبب عدم إفراجها عن تلك الأصول.

بعد أيام على الاحتجاز، هدّدت سيول طهران بأنّها تستعدّ للتحرّك قضائيّاً ضدّها مشيرة إلى أن لا أدلّة على ادّعاءات إيران حول تسبّب الناقلة بالتلوّث. غير أنّ المتحدّث باسم الخارجيّة الإيرانيّة سعيد خطيب زاده دعا كوريا الجنوبيّة إلى "التصرف بعقلانّية" في التعامل مع الاحتجاز واصفاً تهديدها بأنّه "غير مفهوم ومرفوض". اللافت للنظر أنّه في تموز الماضي، استدعت كوريا الجنوبيّة السفير الإيرانيّ في سيول للاعتراض على تقارير حول نيّة طهران التحرّك قضائيّاً ضدّها في مسألة تجميد أموالها.

منذ أربعة أيّام، قال مدير مكتب الرئيس الإيرانيّ محمود واعظي إنّ إيران رفضت عرض سيول بشأن شراء سيارات إسعاف بالأموال الإيرانيّة المجمّدة. من جهتها، قالت الحكومة الكوريّة الجنوبيّة إنّها كانت تناقش الأمر باقتراح من إيران وليس منها. وذكر واعظي أنّ زيارة النائب الأوّل لوزيرة الخارجيّة الكوريّة تشوي جونغ-غون لإيران الأسبوع الماضي، سبق أن تمّ تحديدها في كانون الأوّل، لمناقشة ما يرتبط بملفّ الأموال المجمّدة لا باحتجاز ناقلة النفط . كذلك، ذكر واعظي أنّ الوفد الكوريّ الجنوبيّ تعهّد الحصول على إذن أميركيّ لإطلاق الأموال المجمّدة، وفقاً لوكالة "يونهاب".

 
"استسلام"
في خطوة مشابهة، احتجزت إيران ناقلة نفط هنديّة سنة 2013 بناء على تهم بخرق القوانين البيئيّة. واستغرق الأمر 26 يوماً كي يتمّ الإفراج عنها. في 2013 كما في 2021، وجدت إيران نفسها تحت ضغط عقوبات مشدّدة، كما تحت ضغط التفاوض أو الاستعداد له على الأقلّ. إذاً التصعيد الإيرانيّ متوقّع في المرحلة الحاليّة والمقبلة. ما ليس واضحاً مدى مواصلة إيران سياستها عبر احتجاز ناقلات النفط. فقد تكون العمليّة الأخيرة مرتبطة، إضافة إلى الضغط على الغرب، بالعلاقات الثنائيّة مع كوريا الجنوبيّة وما شهدته من تراجع اقتصاديّ.

فمن 2019 وحتى 2020، تراجعت صادرات إيران إلى كوريا الجنوبيّة بنسبة 99.5%. وبحسب موقع "إيران إنترناشونال"، بلغ هذا التراجع رقماً قياسيّاً في ثلاثة عقود، إذ إنّ سنة 1998 التي شهدت أدنى حجم من الصادرات الإيرانيّة إلى كوريا الجنوبيّة، مثّلت تقدّماً عن حجم الصادرات في 2020 بحوالي 115 ضعفاً. كذلك، انخفضت صادرات كوريا الجنوبيّة إلى إيران بنسبة 34% في 2020 عن السنة التي سبقتها.

رفض المتحدّث باسم الخارجيّة الإيرانيّة سعيد خطيب زاده أمس الأخبار التي تقول إنّ هنالك احتمالاً في الإفراج عن ناقلة النفط في وقت قريب. وذكر أنّ القضيّة لا تزال قيد التحقيق وأنّ السلطة القضائيّة هي الجهة المختصّة التي ستبتّ بالموضوع. يبدو أنّ سيول على دراية بأنّ القضيّة ستطول قبل حلّها. منذ بضعة أيّام، ذكرت "كوريا تايمس" أنّ تشديد إيران على المسار القضائيّ لحلّ المشكلة خفّف من آمال سيول بالتوصّل إلى حلّ ديبلوماسيّ.

كثّفت كوريا الجنوبيّة مسعاها الديبلوماسيّ فأرسلت شوي الأحد الماضي للقاء عدد من المسؤولين على رأسهم وزير الخارجيّة محمد جواد ظريف ورئيس المجلس الاستراتيجيّ للعلاقات الخارجيّة كمال خرازي إضافة إلى نظيره عباس عرقجي. ويوم الاثنين، اتّهم خرازي كوريا الجنوبية بـ"الاستسلام للضغط الأميركيّ". ووصف ظريف نفسه تجميد الأموال الإيرانيّة بأنّه "أكبر عائق" أمام تطوير العلاقات الثنائيّة، وقال أيضاً إنّ التداعيات الصحّيّة والاقتصاديّة التي تعاني منها البلاد بسبب جائحة "كوفيد-19" تجعل وصول إيران إلى الأموال المجمّدة "أولويّة أساسيّة" في العلاقات بين البلدين. والتقى شوي أيضاً بحاكم البنك المركزيّ الإيرانيّ عبد الناصر همتي الذي رفع المطلب نفسه لضيفه.

من جهتها، نقلت صحيفة "شوسان إيلبو" الكوريّة الجنوبيّة عن مصدر ديبلوماسيّ قوله إنّ الرئيس الإيرانيّ حسن روحاني وجّه السنة الماضية رسالتين إلى نظيره الكوريّ الجنوبيّ مون جاي-إن طالباً فيهما من سيول الإفراج عن الأموال.
 

ماذا بعد؟
ترجّح التصريحات الإيرانيّة، إن لم تؤكّد تماماً، محوريّة الملفّ الماليّ كدافع أساسيّ عمليّة الاحتجاز. ربّما اختارت إيران كوريا الجنوبيّة تحديداً لقدرة الأخيرة على التوسّط مع الولايات المتّحدة من أجل حلّ المسألة. وربّما اختارت أيضاً توقيتاً مناسباً لسيول كي تطلق عمليّة الوساطة، قبل أيّام قليلة من دخول الرئيس المنتخب جو بايدن البيت الأبيض. في الماضي، لم يكن بإمكان كوريا الجنوبيّة تلبية مطالب إيران خوفاً من غضب إدارة ترامب، واحتمال حدوث انتكاسة في المحادثات حول نزع السلاح النوويّ من كوريا الشماليّة. هذا ما أوضحته الكاتبة السياسيّة في صحيفة "هانكيوريه" بارك مين هي.

وأضافت أنّ الوضع يقترح على سيول إطلاق حوار مع إدارة بايدن حول احتجاز السفينة والأموال المجمّدة لكن أيضاً حول البرنامج النوويّ لكوريا الشماليّة، بما يمكّنها من "استخدام استراتيجيّتها في لعبة الشطرنج المعقّدة" على مستوى السياسات الدوليّة. بذلك، رفضت بارك الفصل بين القضيّتين.

بصرف النظر عمّا إذا كان من شأن تشبيك الملفّين تعزيز موقع كوريا الجنوبيّة كوسيط دوليّ، ستظلّ إيران معوّلة على دور الوساطة مقابل استمرارها باستخدام السفينة كورقة ضغط. لكن يبقى السؤال عمّا إذا كانت سيول ستطلب التوسّط مباشرة مع إدارة بايدن كي تسمح لها بالإفراج عن جزء من الأموال لاستعادة ناقلتها. إن نجح هذا الأمر فلا شيء يمنع إيران من تكرار أسلوبها مع دول أخرى تحتجز أموالها في بنوكها، كاليابان مثلاً، جارة كوريا الجنوبيّة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم