إعلان

إيران... انهيار معيشي غير مسبوق والعلاج بالمسكّنات يُنذر بانفجار

المصدر: النهار العربي
اسطنبول - أحمد دغاغله
الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي يزور أحد الأسواق في طهران يوم الجمعة 13 أيار (مايو) في ظل تزايد الاستياء الشعبي من الغلاء.
الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي يزور أحد الأسواق في طهران يوم الجمعة 13 أيار (مايو) في ظل تزايد الاستياء الشعبي من الغلاء.
A+ A-
 تضخّم منقطع النظير في إيران، وغلاء فاحش يشمل كل السلع وأولاها الخبز. صدمة أذهلت الشعب حتى حار بأمره، فمن الإيرانيين من يهرع إلى الجمعيات ليسبق موجة الغلاء قبل أن تطاول سلعته، ومنهم من ينزل إلى الشارع ليفصح عن استيائه، فتواجهه قوات الأمن لتندلع الاشتباكات بين شعب أرعبه شبح الجوع ونظام يخاف على نفسه من الهزات المتتالية. وبذلك تبقى إيران على صفيح ساخن، وحبلى بمفاجآت.

ليس الآن فقط، بل منذ أربع سنوات بدأت إيران تفقد سيطرتها على مركب اقتصادها المريض والمنخور بالفساد بالأساس، أي منذ أن انسحب الرئيس الأميركي حينها دونالد ترامب من الاتفاق النووي، لتبدأ بعد ذلك وتيرة جديدة من التراجع في الاقتصاد الإيراني. فمنذ عام 2018 ارتفع الدولار الأميركي مقابل الريال الإيراني سبعة أضعاف. ويوماً بعد آخر ازداد الثقل على كاهل الشعب، حتى جاءته حكومة الرئيس إبراهيم رئيسي بنبأ سحب الدعم الحكومي عن الكثير من السلع، ولا سيما الخبز، ليُدخل الإيرانيين في حالة أشبه بالصدمة.

وارتفع سعر الخبز وحده عشرة أضعاف، أما أسعار البيض والألبان فتضاعفت خلال ساعات فقط بعد إعلان الحكومة سحبها الدعم الحكومي منها، كما شملت موجة الغلاء الزيت حتى صار يعرض بسعر يفوق السابق بخمسة أضعاف، فيما يُتوقع أن يكون الدواء أيضاً على قائمة جنون الأسعار.
 
العلاج بالقمع والمسكّنات!
وسارعت حكومة رئيسي لاتخاذ إجراءات لمنع تحوّل الاستياء الشعبي إلى انتفاضة تهز كيان النظام، وأول ما اعتمدته هو الانتشار المكثف جداً للقوات الأمنية وقوات مكافحة الشغب، في رسالة إلى من يخطر في بالهم الاعتراض أو النزول للشارع للاحتجاج، بأن للنظام قدرة على القمع الواسع، وهو ما يشهد عليه تاريخه في مواجهة الاحتجاجات السياسية والمعيشية.
 
أما الحل الثاني للنظام فتمثل بحقن المسكنات لتعزيز قدرة الإيرانيين على التحمل، ففور إعلان الحكومة الذي فاقم الغلاء الفاحش، صرح مسؤولون عن تخصيص دعم مالي لكل الإيرانيين، غير أنه يبقى مجمداً في الحساب المصرفي للأفراد، وستعمل الحكومة على تحريره بمراحل عدة، لتتخذ منه وسيلة تحول دون وصول الاحتجاجات إلى نقطة الانفجار واللاعودة.
 
ودفع الوضع المعيشي المتدهور إلى غضب شامل في إيران، بحيث لا يقتصر على المحكومين بل يشمل كذلك مقرّبين من الحكومة، إذ بات الجميع يدينون ويشجبون هذا الواقع. ومن لا يستطيع من دوائر النظام البوح باستيائه يختار السكوت أو تأجيل تصريحاته إلى ما بعد هدوء العاصفة، في انتظار ما ستؤول إليه موجة الاستياء.

ويلفت مراقبون إلى أن المرشد، وعلى رغم ما تشهده البلاد من احتقان واحتجاجات في العديد من المدن، لا يزال يختفي وراء صمت غريب، إذ لم يصدر منه خلال الأيام الماضية أي تصريح ولم يسجّل له أي ظهور في وسائل الإعلام. أما ميليشيات "الباسيج" التي تعتبر الظهير الأول والرئيسي للمتشددين ولحكومة رئيسي، فقد هددت في موقف مفاجئ بسحب دعمها من الحكومة في حال استمرار تدهور الأحوال، فيما جريدة "جمهوري إسلامي" الموالية للنظام تجاوزت المتوقع في انتقاد الحكومة، حيث طالبت رئيسي بتقديم استقالته والكف عن العبث باقتصاد البلاد.
 
ويقول متابعون إن أعضاء مجلس الشورى يمارسون ما يشبه النفاق مع الشعب الإيراني، إذ إنهم في اجتماعاتهم تحت قبة المجلس يقرون للحكومة كل ما تحتاجه من قوانين، ليعلنوا بعد ذلك بصفتهم الفردية براءتهم من قراراتها وما تسببه للإيرانيين من ويلات. ومن هؤلاء ممثل مدينة شيراز علي رضا باك فطرت الذي وجه نقده اللاذع للحكومة لعدم إشرافها على الأسواق، عازياً كل ما يحصل من تدهور في البلاد إلى "تسلل أعداء النظام إلى مراكز القرار"، وذلك دون أن يتحدث عن مسؤولية مجلس الشورى والقوانين التي تصدر عنه في ما يحل بالبلاد.
 

وحتى العديد من رجال الدين والذين دابوا على مدح النظام صاروا يعتمدون سياسة الحذر ويشجبون ما يحصل من ضغوط اقتصادية غير مسبوقة بحق الإيرانيين، ليأمنوا بذلك شظايا الاستياء الشعبي وتبعاته المتوقعة، فأحد أشهر هؤلاء، محمد حسين بويانفر، غرّد مخاطباً رئيسي: "جئتَ لتستأصل الفقر غير أنك استأصلت الفقراء"، فهول ما يحصل في إيران جعل جميع المسؤولين بين حالتين إحداهما الصمت والأخرى إعلان البراءة مما يحصل، إذ لا أحد مستعد لتحمّل المسؤولية على مختلف المستويات.

أسباب الانهيار الاقتصادي
عجز كبير في الموازنة، وتضخم منقطع النظير في تاريخ إيران، وظروف عالمية معقدة، وحرب وجائحة الكورونا وافتقار النظام لخريطة طريق تمكنه من الإفلات من أحواله المأزومة... كلها أسباب جعلت إيران في عمق نفق لا تعرف سبيلاً واضحاً للخروج منه.

ويقول الصحافي مسعود سفيري إنه "كان من المحتم وصول إيران إلى مثل هذه المرحلة من التدهور الاقتصادي. فضعفها في إدارة مواردها وعدم كفاية كوادرها الإدارية المتمثلة في دولة إبراهيم رئيسي وإمساك المرشد علي خامنئي بدفة الحكم أمور أدت إلى خسارة النظام لما كان متبقياً من قدراته الاقتصادية، فتصاعد الاستياء الشعبي حتى وصل إلى ذروته، ولم يعد الناس يثقون بنظام صار ديدنه النكث بالوعود وتحميل الشعب ما لا يطيق وإشهار السلاح بوجه أي معترض مهما كان سبب اعتراضه".
 
ويرى أستاذ الفلسفة السياسية حاتم قادري في "تشابك الاقتصاد الإيراني والسياسة الخارجية المتعنتة والمنبوذة لهذا البلد سبباً رئيسياً في التراجع المفاجئ لمستوى حياة الناس المعيشية، وما لم يحصل تغيير في ماهية سياسة إيران الخارجية لا يمكن توقع حصول أي تحسن في الاقتصاد الإيراني، أو إيقاف وتيرة الاستياء الشعبي المتصاعدة، والتي تهز كيان النظام الإيراني بين الحين والآخر".

أي حلول؟
وصول تداعيات التضخم لتطاول الطعام والدواء وسائر البضائع الأساسية كالخبز، يعني بوضوح أن النظام يمر بمشكلة بالغة التعقيد وتحتاج لوفرة في الإيرادات المالية لإنفاقها على ما يسند الشعب في محنته المتصاعدة، غير أن قادة النظام لا يرون في البلاد ما يستحق الإنفاق سوى المؤسسات الأمنية التي يعملون جاهدين على تعزيزها، وذلك استعداداً لقمع الاحتجاجات المرتقبة.

ويعتقد حاتم قادري أن "النظام لا يستطيع الخروج من المنحدر الذي يمر به ما لم يغيّر في علاقاته مع العالم عموماً ومع محيطه الإقليمي خصوصاً، وأن يكف عن تدخله وإشعال الفتن في العراق وسوريا واليمن ولبنان وغيرها، ليتمكن من تخفيف حدة الحصار ويتيح سيولة تجارية مع العالم، ليستطيع بعد ذلك رفع بعض الأعباء عن كاهل الاقتصاد الإيراني المتعثر منذ عقود".

ويضيف: "أما اكتفاء النظام بالحلول العسكرية والقمعية في معاملة شعبه المعترض على ضنك العيش، فإنه لا شك سينتهي بحالة تفوق الانهيار السياسي، حيث قد يتعدى ذلك ليصل بإيران إلى حالة من التفكك الاجتماعي لا يمكن عند حصول معالجته بأي حال من الأحوال".
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم