إعلان

أيّ "كوابيس" لإيران يسبّبها الصراع حول ناغورنو كراباخ؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس الإيراني حسن روحاني - "أ ب"
الرئيس الإيراني حسن روحاني - "أ ب"
A+ A-
لم يكن ينقص إيران في الآونة الأخيرة سوى أزمة ناغورنو كراباخ كي تكتمل الضغوط الدولية والإقليمية على سياسييها. الباحث في "منتدى الشرق الأوسط" أليكس وطن خواه لم يستبعد أن تتحوّل هذه الحرب إلى "أسوأ كابوس" لإيران. أمكن أن يُحجَز هذا التوصيف للحالة التي يفوز فيها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بولاية ثانية. لكنّ المخاطر التي يحملها تحوّل الصراع حول ناغورنو كراباخ إلى حرب شاملة ليست أقلّ زعزعة لاستقرار إيران.
 
عامل الديموغرافيا
بحسب ما كتبه الباحث نفسه في مجلّة "فورين بوليسي"، ثمّة نقاط عدّة تعقّد مشكلة طهران. أوّلاً عدم قدرة الأخيرة على تأدية دور الوساطة الذي لعبته منذ حوالي ربع قرن مع تراكم مشاكلها الاقتصادية وازدياد عزلتها الإقليمية. من ناحية ثانية، تتخوّف إيران من إلقاء الحرب ثقلها النفسيّ على حوالي 20 مليون أذريّ يعيشون داخل حدودها، علماً أنّ لهذه البلاد مشاكل مع أقليات إيرانيّة أخرى. لهذا السبب، أصدر ممثّلون للمرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي في محافظات ذات غالبية أذريّة بياناً قالوا فيه إنّ ناغورنو كراباخ يعود إلى دولة أذربيجان "من دون شك". صدر البيان بعدما ذكرت تقارير أنّ طهران فتحت مجالها الجوّيّ لإمدادات عسكرية روسية كانت متوجهة إلى أرمينيا، الأمر الذي أطلق تظاهرات لا في أذربيجان الشرقية (محافظة في إيران) فقط بل أيضاً في العاصمة طهران.
 
إنّ الضغط الذي يفرضه الأذريون على السلطات الإيرانية قد يُضعف العلاقات الإيجابية التي بنتها طهران مع يريفان في العقود الماضية. فإيران دعمت أرمينيا خلال الحرب الأولى مع أذربيجان بين عامي 1991 و 1994. وللعامل الديموغرافيّ الداخليّ آثار مختلفة على الحسابات الإيرانيّة. في إيران حوالي 100 ألف أرميني فقط، مقابل 20 مليون أذري وهو ما يكاد يشكّل ضعف عدد سكان أذربيجان نفسها. لا يرتبط الأمر فقط بعدد الأذريين الذين يشكّلون تقريباً خُمس العدد الإجمالي للإيرانيين. بل هم إحدى المجموعات الإثنية الأكثر تأثيراً في البلاد، إذ يسيطرون على جزء كبير من سوق البازار في طهران، كما أنّ خامنئي يتحدّر من أصول أذرية لجهة نسب والده. من جهتهم، يقدّم الأرمن فرصة كبيرة لإيران من أجل التواصل مع العالم الغربيّ بالنظر إلى اللوبيات القويّة التي يقيمونها في الغرب. وثمّة مخاوف أيضاً على تماسك النسيج الاجتماعيّ الإيرانيّ في حال توسّعت الحرب حول الإقليم. فأبرز الكنائس الأرمينيّة موجودة في مناطق ذات غالبيّة أذريّة. لذلك، إنّ الاضطرابات الداخليّة بين الأقلّيتين هي آخر ما تتمنّى إيران حصوله في أيّ وقت. 
 
"كلمات فارغة"
 
يضاف إلى كلّ ذلك تخوّف الإيرانيّين من سقوط قذائف وصواريخ على بلداتهم كما حصل الأسبوع الماضي حين سقط صاروخ في منطقة حدوديّة شمال غرب إيران. تملك الأخيرة مع القوقاز 800 كيلومتر من الحدود المشتركة، حيث لمحافظتي أردبيل وأذربيجان الشرقية 569 كيلومتراً مع أذربيجان. بينما لا تملك إيران سوى 35 كيلومتراً مع أرمينيا. علاوة على ذلك، ومن بين الدول المؤثّرة في النزاع، إيران هي الدولة الوحيدة التي تقع على تماس مع حدود إقليم ناغورنو كراباخ. 
 
وما قد يخيف طهران أكثر هو إرسال تركيا للمرتزقة الجهاديين إلى أذربيجان بحسب تقارير مختلفة، وهو أمر لا يستطيع الإيرانيّون تحمّله. وصف الرئيس الإيرانيّ حسن روحاني هذا التطوّر بـ"غير المقبول" بالرغم من أنّه لم يسمِّ تركيا. مع ذلك، خلق الصراع في الإقليم برودة في العلاقات بين أنقرة وطهران. ذكر الباحث المساعد في جامعة سكاريا التركية مصطفى جانر أنّ موقف إيران من النزاع "مشبوه" وأنّ كلامها عن إرسال مسلّحين من سوريا إلى إيران لا أساس له من الصحّة. كما اتّهمها في صحيفة "دايلي صباح" التركيّة بأنّ هدفها في بناء "هلال شيعيّ" لا ينطبق على أذربيجان ذات الغالبيّة الشيعيّة مضيفاً أنّ حديث طهران عن "الوحدة الإسلامية، القانون الدوليّ، وخلق جيرة حسنة في القوقاز هي مجرّد كلمات فارغة".
 
لماذا لا تتحالف الدولتان الشيعيّتان؟
 
حين تصطدم الروابط الدينيّة بالتعقيدات الجيوسياسيّة، غالباً ما تميل الدول إلى إعطاء الأولويّة للتعامل مع تلك التعقيدات. علاقة إيران الشيعيّة بأذربيجان الشيعيّة تقدّم أفضل مثل على ذلك. الباحثة والأستاذة الجامعيّة في "دورهام" البريطانيّة مرضيه كوهي-أصفهاني توضح أنّ لأذربيجان مقاربات توسّعيّة دائمة تجاه الأراضي الإيرانيّة منذ استقلالها وهذا ما يجعل التحالف غير مرجّح بصرف النظر عمّن يحكم إيران. وتضيف في موقع "ذا كونفرسايشن" أنّ أذربيجان استثمرت كثيراً في الترويج للأفكار الانفصاليّة بين الإيرانيّين من أصل تركيّ وحافظت على شهيّة ضمّ محافظتي أذربيجان الشرقيّة والغربيّة في جمهوريّتها. كذلك، أقامت باكو شراكات مع الولايات المتّحدة وإسرائيل رافضة أيّ تأثير لطهران عليها.
 
كلّ هذه التشابكات تجعل الديبلوماسيّة الحلّ الأمثل لإيران، بما أنّها تمكّنها من الحفاظ على حيادها وعدم التورّط في مشاكل داخليّة وإقليميّة هي بغنى عنها. لكنّ العقدة تكمن في عدم تمتّع إيران بالنفوذ الكافي لتقديم نفسها كوسيط. بحسب وطن خواه، تأقلمت إيران مع واقع أنّ باكو تتمتّع بعلاقات إيجابيّة مع إسرائيل. فخوفها من الاضطرابات التي يمكن أن تنشأ وسط الأقلّيّات في إيران هو الدافع وراء التحوّل الإعلاميّ الفجائيّ نحو باكو. من جهة ثانية، تخشى طهران من أن تقوم أنقرة بتحريض الشعب الأذريّ على العنف داخل إيران، كما تخشى أن تزداد عزلتها في حال أغضبت تركيا التي تشكّل شريكاً تجاريّاً مهمّاً لها.
 
مفارقة
 
من المفارقات السياسيّة أنّ إيران توسّعت في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ووصلت شبكات وكلائها إلى أوروبا وأميركا اللاتينيّة إلى أن وجدت نفسها غير قادرة على حلّ مشكلة حدوديّة قادرة على إثارة الاضطرابات الداخليّة. إنّ عدم قدرة إيران على تقديم نفسها كوسيط في الأزمة الأذريّة-الأرمينيّة كما كانت تفعل سابقاً هو أحد الأدلّة على كيفيّة انعكاس سياستها الخارجيّة سلباً على وضعها الإقليميّ. وستكشف المرحلة المقبلة ما إذا كانت طهران تملك أوراقاً لحلّ مشكلة ناغورنو كراباخ أو أنّ جميع آمالها باتت معلّقة على التدخّل الروسيّ. 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم