إعلان

لماذا سُرّب اليوم خبر قتل تل أبيب أبرز قياديّي "القاعدة" في إيران؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
عبدالله أحمد عبدالله الرجل الثاني في تنظيم "القاعدة" - "أ ب"
عبدالله أحمد عبدالله الرجل الثاني في تنظيم "القاعدة" - "أ ب"
A+ A-
في خبر لافت للنظر من حيث توقيته ومضمونه، نشرت صحيفة "نيويورك تايمس" الجمعة تقريراً ذكرت فيه أنّ عميلين إسرائيليّين اغتالا في آب الماضي الرجل الثاني في تنظيم "القاعدة" عبدالله أحد عبدالله (واسمه الحركيّ أبو محمد المصري) لصالح الأميركيّين، في أحد شوارع طهران. واتّهمت واشنطن عبدالله بالوقوف خلف الهجوم الذي استهدف سفارتيها في نيروبي ودار السلام سنة 1998. وجاءت عمليّة الاغتيال في السابع من آب، أي في اليوم نفسه الذي تعرّضت خلاله السفارتان للهجوم منذ 22 عاماً. وقتل العميلان اللذان كانا يستقلّان درّاجتين ناريّتين ابنة عبدالله، ميريام، وهي زوجة حمزة بن لادن، نجل الزعيم السابق لتنظيم "القاعدة" أسامة بن لادن. وأعلنت الولايات المتّحدة أنّها تمكّنت من قتل حمزة في أيلول 2019.

قال المسؤولون الاستخباريّون للصحيفة نفسها إنّ "المصري" كان "يعيش بحرّيّة في حي باسدران من طهران، وهو حيّ راقٍ، منذ 2015 على الأقلّ". من جهتها، قالت وكالة "مهر" للأنباء الإيرانيّة في آب إنّ مسلّحين قتلوا أستاذ مادّة التاريخ اللبنانيّ "حبيب داود" (58 عاماً) وابنته مريم (27 عاماً) من دون إعطاء تفاصيل إضافيّة. لكنّ "نيويورك تايمس" تشير إلى أنّ هذا الاسم كان حركيّاً. من جهتها، نفت وزارة الخارجيّة الإيرانيّة اليوم ما نشرته الصحيفة الأميركيّة واضعة الخبر في سياق "الكذب" و"تسريب معلومات خاطئة" من قِبل واشنطن وتل أبيب.

ما قبل وما بعد وثائق أبوت آباد
على الرغم من الاختلاف العقيديّ-المذهبيّ بين إيران و"القاعدة"، ثمّة اعتقاد بأنّ تقاطع المصالح قادر على ردم هذه الهوّة بين الطرفين حين تكون الولايات المتّحدة عدوّهما المشترك. على الأقلّ، هذا ما أظهرته وثائق أبوت آباد التي حصل عليها الأميركيّون عقب اغتيالهم بن لادن في باكستان سنة 2011 وقد نشرت الإدارة الأميركيّة الحاليّة الجزء الأكبر منها في تشرين الثاني سنة 2017. وبلغ عدد الوثائق 477 ألفاً ومن بينها مذكّرات بن لادن التي كتبها في 228 صفحة.

من بين الوثائق رسالة وجّهها بن لادن إلى شخص يدعى "كارم" كتب له فيها أنّ "إيران هي الممرّ الرئيسي لنا بالنسبة إلى الأموال والأفراد والمراسلات، وكذلك مسألة الأسرى". وأظهرت الوثائق أنّ إيران استضافت بعض أفراد أسرة بن لادن عقب هجمات 11 أيلول، ومن بينهم حمزة الذي عقد زواجه فيها أيضاً من ميريام. لكن يبدو أنّ بن لادن عاد وحذّر ابنه من البقاء في إيران والتوجّه إلى قطر، غير أنّ الأخير غادر إلى باكستان.

وكان بن لادن قد وصف الإيرانيّين بـ "البراغماتيّين" كاتباً انّهم مستعدّون لدعم أكثر الأشخاص السلفيّين في مواجهة الولايات المتّحدة قبل أن يشير إلى أنّ الإيرانيّين "ينبذونه في الوقت المناسب". وأضاف أنّ "أيّ شخص يريد أن يضرب أمريكا فإن إيران مستعدة لدعمه ومساعدته بالمال والسلاح وبكل المطلوب ممّا لا يورطهم بشكل صريح وواضح!.."

حتى قبل نشر الوثائق، اتّهمت الولايات المتّحدة تنظيم "القاعدة" بنسج علاقات مع إيران. فبعد تفجير السفارتين الأميركيّتين سنة 1998، قالت إدارة الرئيس الأسبق بيل كلينتون إنّ التنظيم كان على علاقة مع "الجبهة الإسلامية الوطنيّة" في السودان ومع حكومة إيران و"حزب الله". وذكر الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب العلاقة بين الطرفين كأحد مبرّرات انسحابه من الاتّفاق النوويّ قائلاً إنّ طهران درّبت وكلاء من "القاعدة" لتفجير السفارتين كما ذكر إيواءها لحمزة.

في حديث إلى "رويترز" نفى مسؤول أميركيّ التفاصيل التي ذكرتها "نيويورك تايمس" ولم يشأ التعليق على ما إذا كانت الولايات المتّحدة متورّطة بشكل أو بآخر في تلك العمليّة. في الوقت نفسه، لم يصدر عن تنظيم "القاعدة" أيّ بيان حول مقتل "المصري". كذلك، رفض البيت الأبيض ومجلس الأمن القوميّ الأميركيّ الإجابة على أسئلة صحيفة "ذا هيل" في هذا المجال. لكنّ الصحيفة تذكر أنّ الشائعات عن وفاة المصري سرت طوال أشهر غير أنّ الخبر لم يتأكّد قبل يوم الجمعة. وأضافت أنّ عمليّة القتل تتبع نمطاً إسرائيليّاً في إطلاق النار والتفجيرات الهادفة للتخلّص من مقاتلين إيرانيّين ومن علماء نوويّين إيرانيّين على حدود إيران.

أسئلة وسيناريوهات
أتت العمليّة الأخيرة بعد سلسلة من الحوادث الأمنيّة الغامضة التي طالت محطّات للطاقة الكهربائيّة والنوويّة، والتي لا تُستبعد عنها البصمة الأميركيّة أو الإسرائيليّة بالنظر إلى عمليّة "ستاكسنت" في 2010 ضدّ مراكز الطرد النوويّ الإيرانيّة والتي شنّها الطرفان. نشرُ "نيويورك تايمس" هذا الخبرَ اليوم أعاد فتح ملفّ القدرة الأميركيّة و/أو الإسرائيليّة على اختراق العمق الإيرانيّ في مرحلة انتقاليّة تستعدّ خلالها الولايات المتّحدة، مبدئيّاً، لتولّي إدارة أميركيّة جديدة مقاليد الحكم. هل اختار المسرّبون هذا التوقيت – في حال صحّ الخبر –لإعلان أنّ "ظلّ" العمليّات الأمنيّة السرّيّة سيظلّ يطارد إيران حتى مع وصول إدارة جديدة إلى البيت الأبيض؟ أم أنّ هذا التسريب جاء كرسالة إلى الديموقراطيّين وهدفها وضع سياسة معياريّة لطريقة التعامل مع إيران، بحيث تعدّ كلّ خطوة غير ملتزمة بهذا السقف تنازلاً عن الأمن القوميّ الأميركيّ؟

قد يكون الجواب الفرضيّ مزيجاً من الاحتمالين على الرغم من أنّ الثاني أكثر ترجيحاً. فالرئيس الحاليّ لا يزال يفرض عقوبات على الإيرانيّين في محاولة لتصعيب التقارب بين الإدارة الديموقراطيّة المقبلة وبين طهران. من ناحية ثانية، يذكّر الخبر الرئيسَ المقبل بأنّ إيران لم تكفّ عن التعاون مع "القاعدة" وتقديم الإيواء لواحد من أخطر مطلوبي التنظيم. يُفترض بهذا الخبر عمليّاً أن يفرض المزيد من الضغط المعنويّ على بايدن في حال أراد الانفتاح على طهران. لو صحّ هذا السيناريو، فسيكون ترامب غيرَ مكتفٍ بتصعيب المرحلة الانتقاليّة على خلفه وحسب، بل أيضاً مرحلة رئاسته في السنوات الأربع المقبلة. والملفّ الإيرانيّ أحد أهمّ أداوته لتحقيق هذا الهدف.



الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم