إعلان

إيران في فيينا أواخر تشرين الثاني مبدئياً... جولة كسابقاتها؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس الأميركي جو بايدن.أب
الرئيس الأميركي جو بايدن.أب
A+ A-

في محاولة لتفسير التباطؤ الإيرانيّ بالعودة إلى محادثات فيينا، كتب الباحث الزائر في "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية" إسفندريار باتمانقليج في 19 تشرين الأول (أكتوبر) أنّ الإيرانيّين "متّفقون بشكل عام" على ضرورة إحياء الاتفاق النوويّ بالنظر إلى التوق لتحسين وضع الاقتصاد المتدهور. أمّا بطء حكومة الرئيس الإيراني الجديد ابراهيم رئيسي في التفاوض فمردّه إلى محاولة ظهورها بمظهر "الذكيّ" بالمقارنة مع حكومة روحاني التي كانت "ساذجة" بتصديق الوعود الغربيّة. ما تفعله حكومة رئيسي حالياً هو باختصار تأكيد للداخل على أنّها حذرة تجاه تلك الوعود، وفقاً للباحث نفسه.

 

بعد قرابة أسبوعين على هذا التحليل، أعلنت إيران رغبتها بالعودة إلى طاولة المفاوضات أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي. لكنّ الإعلان عن العودة والعودة أمران مختلفان. في الثالث من هذا الشهر الجاري، قال نائب وزير الخارجية الإيراني علي باقري كني إنّ مفاوضات إحياء الاتفاق النووي ستُستأنف في فيينا يوم التاسع والعشرين من هذا الشهر. وكانت واشنطن قد عقدت محادثات غير مباشرة مع الإيرانيين في النمسا على مدى ست جولات حتى توقفت بفعل الانتخابات الرئاسية وإجراء الحكومة الجديدة مراجعة لسياستها النووية. تلك المراجعة كانت أقرب إلى تبرير لتعليق المفاوضات.

 

حتى الأميركيون يدركون أنّ السياسة النووية العامة هي بيد المرشد الأعلى علي خامنئي لا بيد الحكومة الإيرانيّة. وهذا ما قاله مستشار البيت الأبيض للأمن القومي جايك سوليفان تعليقاً على سؤال بشأن آفاق المفاوضات النووية بعد فوز المتشدد ابراهيم رئيسي في الانتخابات الرئاسية: "لا يهم من هو الرئيس بمقدار ما إذا كان نظامهم على استعداد لتقديم التزامات بالحدّ من برنامجهم النووي".

 

توقيت لافت

كان الإيرانيون أنفسهم قد تحدّثوا في الجولات الأخيرة عن الاقتراب من الاتفاق على العودة إلى "خطة العمل الشاملة المشتركة" (اتفاق 2015 النووي). وقال رئيس الوفد الإيراني السابق إلى فيينا عباس عرقجي بعد الجولة السادسة: "نحن الآن أقرب من أي وقت مضى إلى اتفاق. لكن ليس من السهل تقريب المسافة بيننا وبين الاتفاق". كان هدف الإيرانيين – ولا يزال – إعطاء أمل للأميركيين بأنّ إعادة إحياء "خطة العمل" ممكنة جداً لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى بذل جهد أميركيّ. يحتاج إعلان الثالث من تشرين الثاني إلى السؤال عمّا تغيّر كي تقبل إيران بالعودة إلى فيينا، على افتراض أنّها ستعود.

 

باستثناء إشارة انتخابات فرجينيا ونيوجيرسي إلى "موجة حمراء" تزداد وضوحاً في انتخابات 2022 النصفية، لم يحصل أيّ تبديل في الموقف الأميركيّ يستدعي تلك العودة. لا يزال توقيت الإعلان الإيرانيّ لافتاً: بعد أقل من 24 ساعة على الانتخابات المحلية في الولايتين. مع ذلك، يبقى الربط بين الحدثين غير مؤكّد. على العكس من ذلك، إنّ استناد إيران إلى النتائج الانتخابية للإعلان عن العودة إلى طاولة التفاوض يجعلها تبدو بمظهر المحتاج إلى استئناف المحادثات.

 

لبّ المسألة

يمكن أن تعود إيران إلى فيينا أواخر الشهر الحاليّ أو تمتنع عن ذلك، بحجّة أنّها لم تحصل على ضمانات حول "جدّيّة" المحادثات. والجدّيّة بالمفهوم الإيرانيّ تعني الحصول على تعهّد – من بين تعهدات أخرى – بأنّ واشنطن لن تغادر مستقبلاً الاتّفاق النوويّ. وربّما يتوجّه المفاوضون الإيرانيّون إلى النمسا ثمّ ينسحبون لاحقاً من المفاوضات بناء على الحجّة نفسها أو أخرى مشابهة. بذلك، سيكونون قد أظهروا استعدادهم للإصغاء إلى مقترحات الأميركيّين والأطراف الوسيطة، لكنّهم يتحجّجون في الوقت نفسه بـ"التصلّب" الأميركيّ قبل معاودة الانسحاب. لا تكمن المسألة الأساسية في العودة أو عدم العودة إلى المحادثات. فالنتيجة ستكون على الأرجح واحدة في كلتا الحالتين: عدم إحراز أيّ تقدّم في الأسابيع وربّما الأشهر القليلة المقبلة من جهة الإيرانيّين.

 

لا تشعر إيران بأيّ ضغط للقبول بتسوية، أو بحسب تحليل كبير الباحثين في "مجلس السياسة الأميركية الخارجية" لورنس هاس، هي لا تشعر بأيّ ضغط لتغيير مسارها بشكل عام. بإمكان الأميركيين والأوروبيين استخدام مزيج من الضغوط السياسية والديبلوماسية والعسكرية لتوسيع المحادثات كي تشمل برنامج إيران الصاروخي ورعايتها للميليشيات الوكيلة ونشاطاتها المزعزعة للاستقرار. لكنّ هاس يرى أنّ الغرب لا يميل لاعتماد هذه الاستراتيجية.

 

في الواقع، يبدو الغرب عاجزاً أو غير راغب بزيادة هذه الضغوط مخافة انسحاب إيران نهائياً من المفاوضات. في الوقت نفسه، بات توسيع الاتفاق النووي بما يتلاءم مع وعود بايدن الانتخابية شبه مستحيل في المستقبل القريب. ينصبّ جهد الإدارة حالياً على إعادة إحياء الاتفاق كما هو، ربّما مع بعض التعديلات على "بنود الغروب"، ريثما يتمّ التفاوض لاحقاً، أي بعد "الاتفاق الأوّليّ"، على اتّفاق مكمّل. وتُعرف السياسة الأميركيّة الحاليّة بـ"الأقل مقابل الأقلّ" أيّ تخفيض العقوبات مقابل تخفيض نسبة التخصيب.

 

أرقام توضيحية

حتى قبل الوصول إلى "الاتفاق الأوّليّ"، ما من مؤشّر إلى أنّ إيران مستعدّة لتقديم الكثير. ليس الأمر أنّ الرئيس الحاليّ جو بايدن لم يفرض ضغطاً إضافيّاً على إيران كي تعدّل سلوكها وحسب، إنّما ذهب إلى حدّ تخفيف الضغوط التي أرساها سلفه دونالد ترامب. نظرة سريعة إلى ارتفاع احتياطات إيران من العملات الصعبة تكشف الكثير: قدّر صندوق النقد الدوليّ ارتفاع هذه الاحتياطات من 4 مليار دولار في نهاية 2020، إلى أكثر من 31 مليار دولار في نهاية 2021 وإلى قرابة 43 مليار دولار في نهاية 2022. وهذه الأرقام لا تأخذ بالاعتبار احتمال رفع رسميّ للعقوبات من قبل الإدارة الحاليّة. ازدياد الاحتياطات الأجنبيّة هذا يعود فقط إلى غضّ بايدن الطرف عن انتهاكات العقوبات الحالية وفي مقدّمتها استيراد الصين للنفط الإيرانيّ.

 

بطبيعة الحال لا يعني هذا التطور أنّ إيران مرتاحة حاليّاً مع وضعها الاقتصاديّ، لكنّها بالتأكيد أكثر ارتياحاً ممّا كانت عليه منذ عشرة أشهر. باتمانقليج نفسه يرى أنّ "الحكومات الغربيّة محقّة في تقييمها بأنّ إيران تستطيع العيش من دون اتّفاق نوويّ". لكنّه يضيف أنّ "القدرة على العيش من دون أمر ليس هو نفسه عدم الرغبة بهذا الأمر".

 

إذا كانت إيران راغبة بالاتفاق النوويّ لكنّها قادرة على التخلّي عن هذه الرغبة في آن، فهذا يعني أنّ ما يكسر هذا التوازن أو ما يرجّح كفّة على أخرى هو القرار الأميركيّ. وحتى اليوم، لا ينبثق عن هذا القرار سوى المناشدات وتآكل العقوبات.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم