إعلان

ما نظرة إيران للتطورات في أفغانستان؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
مقاتلون من "طالبان" - "أ ب"
مقاتلون من "طالبان" - "أ ب"
A+ A-

في نيسان (أبريل) الماضي، رحّبت إيران على لسان وزير خارجيتها السابق محمد جواد ظريف بانسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان. كان ذلك متوقّعاً بما أنّ طهران نظرت إلى الاجتياح الأميركي لتلك البلاد، وبعده للعراق على أنّه تطويق لها. حاولت إيران في البداية التنسيق مع الولايات المتحدة في أفغانستان لكنّ قول الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن إنّ طهران تنتمي إلى "محور الشر" غيّر حساباتها. منذ ذلك الحين، عمدت إيران بشكل بطيء لكن متدرّج إلى دعم "طالبان" لاستنزاف الولايات المتحدة، كما لتخفيض احتمالات تعرّض الحركة للأقلية الشيعية (الهزارة) في أفغانستان. فلإيران مصلحة طويلة المدى في حماية تلك الأقلية التي تتركّز خصوصاً في وسط أفغانستان إضافة إلى جيوب أخرى في غرب البلاد كما هي الحال في ولاية هيرات الواقعة على حدود إيران.

 

لم تكن التحالفات الإقليمية دوماً بهذا الوضوح أو الثبات بالنسبة إلى الإيرانيين. على الرغم من أنّ الوجود الأميركي على حدودهم غير مريح، لكنّه في البداية أراحهم من عدوين لدودين: "طالبان" وصدام حسين. بعد تحقيق هذين الهدفين وإعلان واشنطن موقفها من طهران، بدأت الأخيرة تنظر إلى الحركة على أنّها "أهون الشرين". في آب 2017، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تحقيقاً مطولاً عن النفوذ الإيرانيّ في أفغانستان الذي وصل حتى إلى داخل "طالبان" نفسها.

 

"إيران لا تريد الاستقرار هنا"، هذا ما قاله للصحيفة الشرطي ناصر هيراتي في ولاية فرح المحاذية للحدود مع إيران. من جهته، قال حاكم الولاية إنّ "السياسات الإقليمية تغيرت" وإنّ "أقوى (فصائل) طالبان هنا هي (فصائل) طالبان الإيرانية". ذهبت إيران إلى دعم الحركة عبر الأسلحة والأموال والتدريب كما قدّمت الملاذ لقادة "طالبان" والوقود لشاحناتهم. حتى حين قتلت الولايات المتحدة زعيم "طالبان" الملا أختر منصور، كان أحد أهداف ذلك، بحسب القائد السابق لقوى التحالف في أفغانستان الجنرال جون نيكلسون، خلقَ شرخ بين إيران والحركة، خصوصاً أنّها اغتالته بعد عودته من إيران.

 

اليوم، تعود المتغيّرات الجذريّة لتشكّل صدمة بالنسبة إلى الإيرانيين. على الأرجح، لم يتوقّعوا انسحاباً أميركياً سريعاً وفوضوياً. وربّما لم يتوقّعوا أيضاً انتصاراً واسعاً إلى هذا الحدّ لعناصر "طالبان". حتى 9 تموز، كانت الحركة قد سيطرت على حوالي 700 من أصل 950 كيلومتراً من الحدود المشتركة بين أفغانستان وإيران. جزءٌ من هذا السبب يعود إلى سحب حكومة كابول معظم مقاتليها من المناطق البعيدة لحماية المراكز المدينية الكبيرة. وفي أسبوع واحد، سيطرت "طالبان" على 10 عواصم ولايات من أصل 34. كذلك، تدور حالياً معارك شرسة بالقرب من مدينة هيرات التي تسمّى "إيران الصغيرة".

 

هل من جواب؟

إذا كان المراقبون يتساءلون عن سياسة إيران الحالية تجاه "طالبان" فإنّهم على الأغلب لن يحصلوا على جواب في أي وقت قريب. فالإيرانيون أنفسهم منقسمون حول كيفية التعاطي مع الحركة. في حزيران (يونيو) الماضي، كتبت صحيفة "كيهان" المقرّبة من المرشد الإيرانيّ علي خامنئي أنّ "طالبان اليوم مختلفة عن طالبان التي كانت تقطع رؤوس الناس" وأنّ المكاسب الأخيرة التي حققتها لم تشمل "جرائم فظيعة شبيهة" بفظائع داعش وأنّها لم تستهدف الأفغان الشيعة. بالمقابل، انتقدت صحيفة "الجمهورية الإسلامية" المحافظة القادة الإيرانيين الذين قلّلوا من أهمية تهديد مقاتلي "طالبان الإرهابيين". وفي 4 تموز (يوليو)، أصدر مركز أبحاث تابع للبرلمان الإيراني تقريراً حذّر المسؤولين الإيرانيين من تداعيات سيطرة طالبان على الحكم، بينما وصل الأمر إلى اعتبار بعض الإعلام الرسمي الانسحاب الأميركي بـ"غير المسؤول". وتصاعدت الانتقادات مع هجوم طالبان على مدينة "هيرات"، حيث كان المرجع الديني المقرّب من الإصلاحيين أسد الله بيات زنجاني في مقدّمة منتقدي الحركة.

 

مع التقدّم السريع لحركة "طالبان" على الأرض، حشدت إيران قوّات من جيشها التقليديّ ومن الحرس الثوري على حدودها الشرقية. ليس واضحاً ما إذا كان الهدف من ذلك دفاعيّاً أو هجوميّاً. لإيران مصلحة في التصدّي لموجة لجوء جديدة قد تحمل معها مليون لاجئ أفغانيّ إضافيّ إلى البلاد. وتستضيف إيران حالياً حوالي مليوني لاجئ علماً أنّ الأرقام تختلف بين تلك التي تقدّمها الأمم المتحدة وتلك التي تتحدّث عنها طهران. مع ذلك، حتى في مسألة اللجوء، لا يبدو أنّ هنالك توافقاً إيرانياً حول النظرة إلى هذه القضية. إذا كان اللجوء يفرض تهديداً محتملاً على الأمن في إيران، فإنّ البعض ينظر إليه بصفته عامل تحفيز للاقتصاد. فقد توقّع المستشار الإيراني للحكومات السابقة والاقتصادي البارز سعيد ليلاز أن تمكّن موجة اللجوء إيران من مواجهة الأزمة الديموغرافية وإنعاش الاقتصاد الإيرانيّ. حتى أنّه ذهب إلى توصيف استقبال المهاجرين من أفغانستان بأنّه "أفضل وأقرب وأرخص وسيلة لتخطي هذه الأزمة الديموغرافية".

 

بين الانفتاح والتلويح بالحرب

ليس مستبعداً أن تلجأ إيران إلى التدخّل المباشر في أفغانستان إذا كان هدفها دعم حكومة كابول وتأمين مظلة حماية للشيعة أو الحفاظ على الوضع الراهن عبر منع الانتصار الكامل لـ"طالبان" وفقاً لفرزين نديمي، وهو محلل متخصص في الشؤون الأمنية والدفاعية المتعلّقة بإيران في "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى". مع ذلك، سيكون هذا التدخّل "مكلفاً للغاية" بحسب المحلّل لأنّه سيتطلّب من إيران إقامة وجود عسكريّ كبير والاعتماد على خطوط إمداد طويلة وهشّة إضافة إلى إنشاء منطقة عازلة على الجانب الأفغاني.

 

استضافت إيران مؤخراً وفوداً من كابول و"طالبان" لرعاية حوار بينهما. هذا ما حصل على سبيل المثال أوائل تموز حين تحدّث ظريف عن أنّ الشجاعة في زمن السلم أهمّ من الشجاعة في زمن الحرب. وقال إنّ المحادثات الأفغانية الداخلية هي أفضل حلّ للبلاد. ردّت "طالبان" بخطوات انفتاحية على إيران فعيّنت الشيعي من إثنية الهزارة مولوي مهدي مجاهد حاكماً لأحد الأقاليم الشمالية. لكنّ الهجوم على هيرات يبدّد الارتياح الذي يمكن أن يكون قد انساب بين المسؤولين الإيرانيين.

 

وعلى أي حال، قد تكون هذه الخطوات اليوم مجرّد تعبير عن "زواج مصلحة" بين الطرفين. ربّما تسعى الحركة إلى تأمين شرعية من طهران بعد وصولها إلى الحكم بينما تسعى الأخيرة إلى توسيع نفوذها في أفغانستان وهو جزء من هدفها بالتوسّع الإقليميّ. لكنّ هذا الزواج قابل للانهيار بعد الخروج الأميركيّ وفقاً لتحليلات أخرى. كذلك، يشير المحلل في "معهد الشرق الأوسط" فيناي كورا إلى أنّ إيران اتّبعت سياسة تحوّطية غير مضمونة في أفغانستان حيث دعمت كابول و"طالبان" على أمل إبقائهما منقسمتين وإبقاء تأثيرها السياسي في البلاد بعد الانسحاب الأميركي. وهذا ما توافقه فيه زميلته من المعهد نفسه فاطمة أمان التي قالت لصحيفة "واشنطن بوست" إنّ الإيرانيين "يعتقدون أنهم يستعملون طالبان، لكنّ البعض يمكن أن يجادل بأنّ طالبان تستخدم إيران لتقديم نفسها (كطرف) أقوى، وأهل لحكم بلد".

 

أبواب الحلّ موصدة؟

بحسب ما قاله مسؤولون ومواطنون لـ"نيويورك تايمس"، تهتمّ إيران بإبقاء أفغانستان ضعيفة كي تبقى مرتبطة بها أمنياً وحتى اقتصادياً. بحسب هؤلاء، تريد طهران تقويض مشاريع التنمية التي تهدّد نفوذها. لا تبدو الخيارات سهلة أمام إيران. يصعب أن تواصل تغذية الانقسامات بين "طالبان" وكابول إلى ما لا نهاية مخافة إبعادهما عنها، كما لا تستطيع وضع كلّ أوراقها في سلّة "طالبان" حتى ولو كانت الأخيرة تحقق انتصارات سريعة. سيؤدي ذلك إلى أن تصبح طهران معتمدة على الحركة بدلاً من العكس. كذلك، ستبدو بمظهر من يتخلى عن الهزارة في حال صعّدت الحركة هجومها ضدّهم. كلا الخيارين يحرم إيران من نفوذ مستدام في أفغانستان. الخلافات الداخلية الإيرانية حتى داخل المعسكر الواحد تُظهر عمق التحدّي الأفغاني الذي يفرض نفسه على طهران... تحدٍّ يفاقم الأزمات الداخلية والخارجيّة التي تعاني منها مؤخراً وبشكل متصاعد. 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم