إعلان

بايدن المستعجل: اتفاقٌ مع إيران قبل نهاية السنة؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
صورة مركّبة للرئيسين الأميركي جو بايدن والإيراني حسن روحاني - "أ ب"
صورة مركّبة للرئيسين الأميركي جو بايدن والإيراني حسن روحاني - "أ ب"
A+ A-

لم يصدق توصيف دونالد ترامب لخصمه جو بايدن بـ"النعسان". القرارات السريعة التي اتّخذها ويتّخذها بايدن لا توحي بذلك حتى من بعيد. يبدو الرئيس الحاليّ مستعجلاً دوماً. يوافق كثر على هذا الواقع، من بينهم الكاتبة السياسية البارزة في شبكة "سي أن أن" فريدا غيتيس. من العودة إلى اتفاقية باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية وإطلاق رسائل سياسيّة قاسية إلى الصين وروسيا وصولاً إلى خطّة التحفيز البالغة 1.9 تريليون دولار، تبيّن هذه الخطوات كيفيّة خوض بايدن نوعاً من السباق مع الزمن.

 

تبيّن غيتيس سببين لهذه العجلة. الأوّل سياسيّ ويرتبط بتحقيق أكبر مقدار ممكن من الأهداف قبل الانتخابات النصفية في 2022 حيث يمكن أن يعرقل فوز جمهوريّ محتمل أجندته السياسيّة، كما حصل سنة 2010 مع باراك أوباما. الثاني هو ميتافيزيائيّ ويتّصل بتقدّم بايدن في السنّ، حيث يعتنق كبار السنّ نظرة مختلفة إلى الحياة قوامها أنّ الوقت محدود. تضيف غيتيس أنّ بايدن سيرتكب أخطاء بشكل حتميّ وسط هذه العجلة وسيفشل في تحقيق بعض، إن لم يكن الكثير من أهدافه. مع ذلك، وصفت رؤيته بالطموحة والساعية إلى تغيير صورة البلاد على مدى العقود المقبلة.

 

مزيج خطير: العجلة واليأس

في ما يخصّ الشرق الأوسط، أفضل مثل على عجلة بايدن هو مسارعته إلى فتح قنوات التواصل مع إيران للعودة إلى الاتفاق النوويّ. يمكن استنتاج أنّ بايدن بدأ فعلاً يرتكب الأخطاء، على الأقلّ من وجهة نظر المناوئين للاتّفاق. فهو لا يريد فقط إحياء "خطّة العمل الشاملة المشتركة" على ما فيها من عيوب وأبرزها عدم قدرتها على منع إيران من رفع نسبة التخصيب وتفعيل أجهزة طرد حديثة بسرعة قياسيّة. بل إنّه يُظهر أيضاً أنّه "يائس" لتحقيق هدفه. في كتابه "فنّ الصفقة" كتب ترامب أنّ "أسوأ شيء يمكنك فعله في اتّفاق هو أن تبدو يائساً لإتمامه. هذا يجعل الرجل الآخر يشتمّ (رائحة) الدماء، وعندها أنت ميت".

 

والإيرانيّون متخصّصون بتلمّس شعور اليأس لدى نظرائهم الأميركيّين لأنّ إدارتي أوباما وبايدن مكّنتاهم من اكتساب هذا التخصّص. أغدق جون كيري الوعود على الوفد الإيرانيّ المفاوض بين 2014 و 2015 حتى أنّ إدارته قدّمت مكاسب ماليّة للإيرانيّين لمجرّد المجيء إلى المفاوضات. وكان المفاوضون الأميركيّون يتوسّلون بقاء نظرائهم الإيرانيّين في المحادثات كلّما همّوا بمغادرة قاعة التفاوض.

 

نتيجة طبيعية ومتوقّعة

ينطلق استعجال بايدن حلّ الأزمة النوويّة مع إيران من معطيات واضحة. يؤمن الديموقراطيّون بأنّ الاتّفاق النوويّ هو أفضل وسيلة لمنع إيران من الحصول على قنبلة نووية في المدى القريب ولمنع الولايات المتحدة وإيران من الانزلاق إلى الحرب. كما يؤمنون بضرورة احترام الولايات المتّحدة تعهّداتها الدوليّة خصوصاً إذا كانت مقترنة بجهد ديبلوماسيّ متعدّد الأطراف.

 

كذلك، لا يمكن استبعاد عامل المناكفات السياسيّة الداخليّة من جملة العناصر التي تولّد مقاربة بايدن للعلاقات مع إيران. فانسحاب ترامب من الاتّفاق النوويّ يعدّ ضربة لإرث أوباما في السياسة الخارجيّة. ليس خارجاً عن المألوف أن يردّ بايدن الاعتبار لإرث من كان نائبه طوال ثماني سنوات ومن ساهم في إيصاله إلى سدّة الرئاسة في انتخابات 2020. لهذه الأسباب، كان متوقّعاً أن يطلق بايدن مسار التفاوض مع إيران، عاجلاً أم آجلاً.

 

ومع الخوف من استلام الجمهوريّين الكونغرس في 2022 والقلق الآخر من أن تُغلَق نافذة التفاوض بعد الانتخابات الرئاسيّة الإيرانيّة، يصبح التوقّع بأن يطلق بايدن مفاوضاته عاجلاً لا آجلاً، بصرف النظر عن صحّة هذا القلق. فحتى مع افتراض فوز المتشدّدين بالرئاسة، تبقى الكلمة الفصل في التفاوض أو عدم التفاوض مع الغرب للمرشد الأعلى علي خامنئي. ومفاوضات فيينّا في هذا التوقيت والتي أتت وفقاً للشروط الإيرانيّة، هي نتيجة طبيعيّة لنظرة الإدارة إلى الملفّ النوويّ الإيرانيّ.

 

العدّ التنازليّ بدأ

يزداد عدد المراقبين الذين يعتقدون بإمكانيّة عودة الولايات المتحدة وإيران إلى الاتّفاق النوويّ قبل نهاية 2021، علماً أنّ الحديث عن أطر زمنيّة في توقّعات كهذه غالباً ما يكون محفوفاً بالصعوبات. يقول المحلل البارز للشؤون الإيرانيّة في "مجموعة أوراسيا" هنري روم إنّ "الاجتماع العلنيّ اليوم (الثلاثاء) بدا أنّه سار وفقاً للخطّة وجميع الأفرقاء على الرؤية نفسها بأنّ إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة هو الهدف". وتابع قائلاً إنّ المسار سيكون متعرّجاً وليس بسيطاً كما يفترض كثر "لكنّ التوجّه العام نحو إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة هذه السنة يبدو واضحاً".

 

الأكاديميّ البارز في "معهد المشروع الأميركيّ" فريديريك كايغان وجد أيضاً في دراسة مطوّلة أنّ العودة التدريجيّة المتزامنة إلى الاتّفاق النوويّ كما هو، أو مع تعديلات غير جوهريّة، سيتمّ على الأرجح قبل نهاية السنة. فهذه العودة لا تفرض خطراً كبيراً على أهداف بايدن لأنّ العقوبات يمكن أن تعاد سريعاً إذا لم يمتثل الإيرانيّون له كما أنّها لا تفرض خطراً كبيراً على الإيرانيّين لأنّ التصعيد النوويّ الأخير (كرفع تخصيب اليورانيوم إلى 20%) يهدف إلى كسب النفوذ لا إلى خلق إمكانات جديدة. ولم يتوقّع كايغان توصّل بايدن إلى اتّفاق موسّع مع إيران لأنّه سيصعب عليه انتزاع تنازلات عجز سلفه عن انتزاعها منها كما أنّ طهران ستطلب تنازلات إقليميّة لن تقبل بها الإدارة مثل سحب القوّات الأميركيّة من المنطقة. أطلق كايغان توقّعه حتى قبل الحديث عن إمكانيّة عقد اجتماع غير مباشر في فيينّا لدراسة سبل العودة إلى الاتّفاق.

 

إذاً، بدأ العدّ التنازليّ لعودة واشنطن إلى خطّة العمل الشاملة المشتركة. التطمين الذي أطلقه وزير الخارجية أنطوني بلينكن إلى الكونغرس حول طول المسافة الزمنية الفاصلة عن العودة إلى الاتّفاق، وكلام بايدن عن أنّ واشنطن لن تعود إليه قبل التزام إيرانيّ كامل ببنوده، وقول مسؤولين في الإدارة إنّ إيران قد تتسبّب "بمأزق" إذا أصرّت على مطالبها، يمكن أن تكون مجرّد محاولات لاستهلاك الوقت وتهدئة الجمهوريّين. تبقى معرفة ما إذا كان بإمكان هؤلاء منع الإدارة من تحقيق هدفها خلال الفترة القصيرة المقبلة.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم