إعلان

العقوبات على بنوك إيران... هل يتلقّى اقتصادها "الضربة القاضية"؟

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
الرئيس الإيراني حسن روحاني - "أ ب"
الرئيس الإيراني حسن روحاني - "أ ب"
A+ A-
صعّدت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضغطها على إيران ففرضت عليها أمس عقوبات قاسية على قطاعها المصرفي طالت 18 بنكاً إيرانياً بارزاً. وكان الصقور المقرّبون من الإدارة قد حذّروا سابقاً من أنّ قنوات الاتّصال بين القطاع المصرفيّ الإيرانيّ والنظام الماليّ العالميّ لم تُقطع جميعها.

ففي مقال رأي نشرته صحيفة "ذا وول ستريت جورنال" في آب، حضّ المدير التنفيذي لـ"مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات" مارك دوبوفيتز والمستشار البارز في المؤسسة نفسها ريتش غولدبيرغ، الإدارة الأميركية على اتّخاذ هذه الخطوة. وكتبا أنّها ستكون "ضربة قوية لنظام يعاني للبقاء واقفاً على قدميه، وليس لدى الرئيس ما يخسره".

تضييق الخيارات
أوضح وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين أنّ العقوبات الأخيرة تهدف إلى "وقف الحصول غير القانوني على الدولار الأميركي" متعهّداً مواصلة فرض العقوبات "إلى أن تتوقّف إيران عن دعم النشاطات الإرهابية وتضع حدّاً لبرامجها النوويّة". وستدخل العقوبات الأخيرة حيّز التنفيذ بعد 45 يوماً، أي في الفترة الفاصلة ما بين الانتخابات الرئاسية وحفل تنصيب الرئيس الجديد في كانون الثاني 2020.

من الواضح أنّ الإدارة الحاليّة تبذل جهداً كبيراً لا لفرض الضغوط على إيران وحسب، بل أيضاً من أجل تصعيب عودة الإدارة الديموقراطية المحتملة إلى الاتفاق النووي، إذا فاز جو بايدن بالسباق الرئاسيّ. أمّا في حال فوز ترامب بولاية ثانية، فهذا يعني أنّ الخيار الوحيد المتبقّي أمام إيران لتفادي الانهيار هو الذهاب إلى طاولة المفاوضات، وهذه المرة بنفوذ شبه منعدم. وليس مستبعداً أن تكون سلسلة العقوبات الأخيرة رسالة أميركيّة خاصّة لرفض الإيرانيّين الانفتاح على ترامب على الرغم من العرض الذي تقدّم به مراراً.

أزمة سيولة خانقة
تنقل صحيفة "واشنطن بوست" عن مسؤولين من داخل الإدارة قولهم إنّ الأخيرة لم تكن متحمّسة لتلك الفكرة لكنّ ضغط الصقور مثل السيناتورين تيد كروز وتوم كوتون والإسرائيليّين دفعت واشنطن لاتّخاذ هذه الخطوة. ويعتقد الصقور أنّ هذا القرار سيجعل الاقتصاد الإيرانيّ المتداعي بفعل العقوبات المفروضة أساساً يتّجه صوب الانهيار.

ويبدو أنّ الأوروبّيّين نبّهوا الإدارة من اللجوء إلى هذه الخطوة لأنها ستؤثّر على قدرة الإيرانيين في الحصول على السلع الحيويّة كالأدوية والحبوب لكنّ واشنطن قالت إنّ السلع الإنسانيّة ليست خاضعة للعقوبات. ونقلت الصحيفة عن الباحث الإيراني إسفانديار باتمانغليدج قوله إنّ القرار سيدهور قيمة العملة الإيرانية وسيخلق أزمة سيولة خانقة ولذلك، ستنظر طهران إليه على أنّه تصعيد خطير.

اقتصاد ينهار
توقّع صندوق النقد الدوليّ انكماش الناتج المحلّيّ الإجماليّ بـ 6% خلال السنة الماليّة الحاليّة في إيران والتي تنتهي في آذار 2021. لكنّ مؤسّسة الرأي الإسبانية "فوكوس إيكونوميكس" توقّعت أن يصل الانكماش إلى 8.5%. وينقل تقرير لمؤسّسة "الخدمات المستقلّة لمعلومات السلع" ومقرّها سنغافورة أنّ التضخّم الإيرانيّ قفز في أيلول إلى 34.4% بعدما سجّل في آب 30.4%.

وأضاف أنّ البلاد قد تواجه أزمة في العملة الأجنبيّة إذا فشلت في مضاعفة الصادرات في السنوات المقبلة وفقاً لما قاله رئيس الغرفة التجارية المشتركة بين إيران والصين مجيد رضا حريري. وستسجّل الصادرات النفطيّة حوالي 5 مليارات دولار في أفضل الأحوال هذه السنة بعدما كانت تُدخل 120 مليار دولار سنوياً في الماضي إلى الخزانة. ومن المتوقّع أن تنخفض الصادرات غير النفطيّة بـ 25% بالمقارنة مع السنة الماليّة السابقة.

لكمةٌ لهم أيضاً
هذه الأرقام قابلة للتعديل باتّجاه المزيد من السلبيّة بعد فرض العقوبات الأخيرة. فحرمان إيران بشكل شبه كلّيّ من العملات الصعبة، سيوجب عليها محاولة التعويض عبر رفع الصادرات الخارجيّة إلى أكثر من الضعف. ويكاد هذا الأمر يكون مستحيلاً بعد الخطوة الأميركيّة الأخيرة.

تشكّل أوروبا نحو ثلثي وجهة الصادرات الإيرانيّة السنويّة. والعقوبات على البنوك الإيرانيّة موجّهة في جزء منها إلى الأوروبّيّين بحسب البعض. تشبّه الباحثة في "مركز الأمن الأميركيّ الجديد" إليزابيث روزنبرغ الخطوة بـ"اللكمة على وجه الأوروبّيّين، الذين بذلوا قصارى جهدهم كي يشيروا للأميركيّين إلى أنّهم ينظرون إليها على أنّها مهدِّدة للغاية للمساعدة الإنسانية أو التجارة الإنسانيّة المتوجّهة إلى إيران"، بحسب ما تنقله عنها وكالة "رويترز".

وتأتي هذه العقوبات بعد وقوف الأوروبّيّين ضدّ الولايات المتّحدة في مجلس الأمن على مستوى تفعيل آليّة الزناد (سناپباك) القاضية بإعادة فرض العقوبات الأمميّة على إيران لانتهاكها الاتّفاق النوويّ. وعلى الرغم من أنّ روسيا والصين وقفتا ضدّ هذا الإجراء في مجلس الأمن، يبقى للموقف الأوروبّيّ حساسيّته الخاصّة بالنسبة إلى الأميركيّين الذين ينقلون عن ديبلوماسيّين أوروبّيّين في الغرف المغلقة قولهم إنّ الإدارة الحاليّة محقّة في نظرتها الإيرانيّة.

لهذا السبب، يعدّ الملفّ النوويّ من أبرز الخلافات بين الحلفاء الأطلسيّين. كذلك، وقف الأوروبّيّون أيضاً ضدّ مشروع قرار أميركيّ في مجلس الأمن يقضي بتمديد حظر تصدير السلاح المفروض على إيران والذي ينتهي بعد أقلّ من أسبوعين، إلى ما لا نهاية.

الرهان الدائم
ولم تقتصر العقوبات الأميركيّة على القطاعات العسكريّة والنفطيّة والتعدينيّة وحسب بل طالت أيضاً أشخاصاً تصنّفهم الولايات المتّحدة على أنّهم منتهكون لحقوق الإنسان داخل إيران من بينهم قاضٍ فرض عقوبة الإعدام على المصارع الإيرانيّ نويد أفكاري بتهمة قتل حارس أمن خلال احتجاجات في مدينة شيراز سنة 2019. وكان ترامب قد طالب إيران بالامتناع عن إصدار هذا القرار فغرّد على "تويتر" الشهر الماضي كاتباً: "إلى قادة إيران، سأكون ممتنّاً للغاية لو أنقذتم حياة هذا الشاب ولم تعدموه".

ومع عودة أرقام ضحايا فيروس "كورونا" داخل إيران إلى الارتفاع بشكل حادّ في الأسابيع القليلة الماضية، تصبح منافذها نحو إنعاش اقتصادها أكثر ضيقاً. الضربة الاقتصاديّة "القاضية" لإيران والتي توقّعها دوبوفيتز وغولدبيرغ يمكن أن تكون قد اقتربت فعلاً هذه المرّة. لكنّ الرهان الإيرانيّ يبقى على الثالث من تشرين الثاني. وحدها الأسابيع والأشهر المقبلة ستكشف ما إذا كان هذا الرهان صائباً أم خائباً.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم