إعلان

انتخابات فرجينيا ونيوجيرسي تقلب سرديّة إيران عليها؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس الإيراني ابرهيم رئيسي - "أ ب"
الرئيس الإيراني ابرهيم رئيسي - "أ ب"
A+ A-

طوال أشهر، وخاصّة منذ مجيء حكومة الرئيس إبراهيم رئيسي إلى الحكم، بدا أنّ إيران مستلمة دفّة القيادة في لعبة شدّ الحبال النوويّة مع الولايات المتحدة. علّق الإيرانيون محادثات فيينا، متذرّعين بالحاجة إلى إجراء مراجعة للسياسة النووية قبل استئناف المفاوضات. كانت إيران مرتاحة للتقدّم السريع في برنامجها النووي. أو هذا هو منظور الإدارة الأميركية على الأقل. لقد توقّع الأميركيّون تقليص طهران الفترة الزمنية التي تفصلها عن "الخرق النووي" إلى بضعة أسابيع. وبعد تحقيق هذا "الخرق" الذي يعني إنتاج اليورانيوم المخصّب القابل للاستخدام العسكريّ، يقدّر الخبراء أنّ إيران تحتاج لما بين سنة ونصف وسنتين من أجل صنع سلاح نوويّ. بذلك، فرضت إيران ضغطاً على إدارة الرئيس الأميركيّ جو بايدن لتقديم المزيد من التنازلات.

 

انتهزت طهران "اليأس" الأميركيّ لإعادة إحياء الاتفاق النوويّ، فماطلت في المحادثات وتقدّمت بمطالب شبه تعجيزيّة، مثل ضمان عدم مغادرة أيّ إدارة مقبلة الاتفاق الجديد لو أبصر النور. ثمّة خلافات بين خصوم إيران وأعدائها بشأن مدى اقتراب الأخيرة من لحظة "الخرق". فبلايس ميستزال وجوناثان روهي من "المعهد اليهودي للأمن القومي الأميركي" يريان أن ما تتحدّث عنه طهران مجرّد مبالغات لانتزاع مكاسب أميركية، ولإخفاء الانتكاسات التي لحقت ببرنامجها عبر عمليات التخريب. ويشيران إلى أنّ زعمها وجود 120 كيلوغراماً من اليورانيوم المنخفض التخصيب (20%) هو تضليل، بما أنّها تُحوّل هذا المخزون باستمرار إلى معدن اليورانيوم. وتوقّعا ألّا تتمكّن إيران من الحصول على قنبلة نووية قبل أواسط 2022 بالحدّ الأدنى.

 

"الاتّفاق النّووي مات"

أياً تكن حقيقة التقدّم النوويّ الإيرانيّ، تمكّنت طهران من إدارة لعبتها بفاعليّة. إذا كان وجود المبالغات صحيحاً فهي نجحت بزراعة القلق في أروقة البيت الأبيض. (ميستزال وروهي اعترفا بهذا النجاح). وإذا كان حجم التقدّم صحيحاً فالإدارة تخاطر بإمكانيّة أن تصبح إيران دولة نوويّة تحت أنظار جو بايدن الذي كان قد تعهّد عدم حصول ذلك. لضمان ردع إيران عن الوصول إلى تلك العتبة، وفي الوقت المستقطع، كرّرت الإدارة حديثها عن "خطة باء". لم توضح هذه الإدارة ماهية الخطة، لكنّ مزجها لخياري التشدد الاقتصادي والضربة الاقتصادية غير مستبعد. ويشكّك مراقبون في حقيقة وجود خطة كهذه، ليس أقلّه بسبب حذر الإدارة من الانخراط في أيّ ضربة عسكريّة ضدّ إيران، حتى لو نفّذتها حليفتها إسرائيل. فمن الممكن أن تتحوّل ضربة كهذه إلى حرب إقليميّة تجرّ واشنطن إليها بعكس رغبتها الحقيقية. وهذا السيناريو سيكبّل واشنطن في شرق آسيا حيث ينصبّ التركيز الأميركيّ حالياً أو يكاد.

 

ووجّهت الإدارة الأميركيّة رسائل عدّة بشأن عدم رغبتها بالتصعيد العسكريّ مع إيران، حتى حين عمدت الأخيرة إلى استهداف مصالح أميركية في العراق وسوريا، وآخرها على سبيل المثال استهداف قاعدة التنف. وكان الكاتب السياسيّ في صحيفة "واشنطن بوست" جوش روغين أحد المشكّكين بوجود خطّة كهذه، إذ دعا الإدارة في مقالة له تحت عنوان "الاتفاق (النووي) الإيراني مات، أين الخطة ‘باء‘؟" إلى تسريع خطواتها في هذا الإطار. وفيما أعرب عن أمل كثر بإدراك النظام الإيراني أنّ التخلّي عن طموحاته النووية وإفساده الإقليمي يصبّ في مصلحته، ذكّر روغين بأنّ "الأمل ليس استراتيجية".

 

غير مدرج على جدول طموحاته

وسط كلّ هذه الأجواء، برز حدث أميركيّ محلّي ذكّر إيران بأنّ سياسة الانتظار قد لا تخدمها طويلاً. يوم الثلثاء الماضي، تلقّى بايدن والحزب الديموقراطيّ انتكاسة جليّة في انتخابات حاكمية ولايتي فرجينيا ونيوجيرسي، وكذلك في انتخاباتهما التشريعية حيث حقّق الجمهوريّون مكاسب شعبيّة هائلة فيها. أمكن وضع تلك الانتخابات في إطارها المحلّي الضيّق لو أنّ بايدن لم يكن قد كسب هاتين الولايتين الديموقراطيتين بامتياز أمام منافسه ترامب بـ10 و16% على التوالي منذ عام واحد. من هنا فإنّ تمكّن الجمهوريّين من ردم الهوّة الكبيرة يوم الثلثاء لا يؤكّد صحّة استطلاعات الرأي التي تظهر تراجعاً حاداً في شعبية بايدن وحسب، بل يجعل محلّلين انتخابيين يتحدّثون عن احتمال بروز "موجة حمراء" في الانتخابات النصفية المقبلة.

 

طبعاً لا يزال هناك وقت أمام بايدن لتصحيح المسار. لكنّ ما حدث مجرّد تذكير لإيران بأنّ الوقت ينفد أمامها مع احتمال تكبيل الجمهوريّين يدي بايدن بعد عام من اليوم. لا يعني ذلك بالضرورة أنّ فوزاً جمهورياً في انتخابات 2022 سيمنع بايدن من التوصّل إلى اتّفاق مع إيران لا يعجب الجمهوريّين. في نهاية المطاف، سيكون بوسع الرئيس الحالي استنساخ تجربة باراك أوباما بعدم تحويل الاتفاق إلى معاهدة خشية عدم حصولها على موافقة غالبيّة الثلثين في مجلس الشيوخ. لكنّه بذلك سيخاطر بإعادة إلغاء الاتفاق حين يصل الجمهوريّون مجدّداً إلى البيت الأبيض. إنّ انهيار "إرث" بايدن النوويّ المحتمل مع إيران ليس على جدول طموحاته من حيث المبدأ. ومع تمدّد قوة الجمهوريين في الكونغرس، سيضطر بايدن إلى المساومة معهم بشكل أو بآخر. 

 

انقلاب السرديّة عليها

للتاريخ أسلوبه الخاص في تبديل الأدوار. عندما وصل بايدن إلى البيت الأبيض، حثّت إيران إدارته على دخول المفاوضات النوويّة مع "بداية إغلاق النافذة" أمام التوصّل إلى اتّفاق جديد، على أعتاب مجيء المتشدّدين إلى الحكم. هذه كانت سرديّة إيران، ويبدو أنّها نجحت إلى حدّ ما بإقناع الأميركيّين. اليوم تلوح في الأفق معادلة معكوسة: على إيران المسارعة إلى المفاوضات النووية خوفاً من سيطرة الجمهوريّين على الكونغرس بعد عام وتبدّد آمال طهران بإمكانيّة رفع العقوبات. يمكن إدارة بايدن أن تعتمد بطريقة من الطرق هذه السرديّة لتحقيق هدفها. لا شكّ في أنّ إيران تقيس الأجواء الانتخابية في الولايات المتحدة، وهذا كان جزءاً من الأمل الذي احتفظت به لتستطيع تحمّل الضغط الأقصى بانتظار رحيل ترامب عن الإدارة. في المرّة الأولى، استفادت إيران من هذه الحسابات بعدما تبيّن أنّ أملها كان في محلّه. لكن بحسب تذكير روغين، "الأمل ليس استراتيجيّة". لا هو كذلك بالنسبة إلى بايدن، ولا بالنسبة إلى الإيرانيّين.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم