إعلان

شكوك بنيّة إيران العودة إلى الاتفاق النووي... ما أسسُها؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي (ا ف ب)
الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي (ا ف ب)
A+ A-

بحسب ما تتقاطع عنده غالبيات القراءات السياسية، ذهبت إيران إلى فيينا للتفاوض حول العودة إلى الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة بهدف رفع العقوبات الأميركية التي أنهكت اقتصادها. فمن دون هذا الهدف، ستجد طهران صعوبة في مواجهة الاضطرابات المستقبلية التي شهدت شكلاً من أشكالها بين سنتي 2017 و2019. قد تحاول طهران انتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات الأميركية، خصوصاً في ما يتعلق بمطلب بايدن توسيع وتعزيز الاتفاق. لكن بحسب التيار السائد من التحليلات، تبقى النية الإيرانية واضحة: إحياء الاتفاق النووي أو "خطة العمل الشاملة المشتركة" بحسب الاسم الرسمي للاتفاق. لكنّ الجزم بوجود هذه النية هو استنتاج متسرع وفقاً لمحلّلين.

 

أربع فرضيات

في مقال بارز يخرج قليلاً عن سياق التحليل التقليدي، يقدّم إريك بروير من "مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية" وهنري روم من "مجموعة أوراسيا" فرضيات تظهر أنّ إيران قد لا تنوي فعلاً العودة إلى الاتفاق النووي. تحت عنوان "هل تريد إيران فعلاً معاودة الانضمام إلى الاتفاق النووي"، طرح بروير وروم في موقع "وور أون ذا روكس" أربع فرضيات ينبغي أخذها بالاعتبار عند مراقبة الديبلوماسية الإيرانية في فيينا.

أولاً، ربما فقد الغربيون اهتمامهم بمعرفة ما إذا كانت الأحداث منذ 2015 قد أقنعت إيران بأنّ العناصر الأساسية للاتفاق لم تعد تصب في صالحها. لا يرتبط الموضوع بحملة الضغط الأقصى وحسب بل بأنّ الاتفاق لم يكن فاعلاً حتى خلال سنوات أوباما. قد تطلب إيران مطلباً غير قابل للتفاوض حول ضمان عدم تكرر هذا الظرف، لكنّ الأمر قد يفقدها ماء الوجه بحسب الكاتبين.

ثانياً، يشكك المحللان في إجماع القراءات حول عدم إرادة الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي فض المفاوضات بما أنّ القرار النهائي بيد المرشد. مع ذلك، يتمتع رؤساء إيران بالقدرة على صياغة التفاوض حيث اختلف الأخير بين ولايتي أحمدي نجاد وروحاني لأنّ فريق الأول لم يكن معروفاً بالنسبة للغربيين بعكس الثاني الذي قاده سياسيون درسوا في الغرب وشكلوا صداقات مع بعض مسؤولي الإدارة. ولو تشدد فريق رئيسي قليلاً في بعض التفاصيل فقد يُفشل ذلك العودة إلى الاتفاق بحسب بروير وروم.

ثالثاً، وعن عدم قدرة إيران على الصمود بدون رفع للعقوبات، يرى الكاتبان أنْ ليس للغربيين إمكانية معرفة ما يظنه المسؤولون الإيرانيون أنفسهم عن مسار اقتصادهم. ناصرَ المرشد طويلاً فكرة "تحييد" العقوبات بدلاً من رفعها. وقد يستنتج أنّ إعادة ربط إيران بالنظام المالي العالمي يجعلها أضعف لو فاز جمهوري بالرئاسة. ويمكنه الاعتقاد بأنّ بايدن سيتردد بفرض حملة ضغط أقصى لو فشل الاتفاق وبأنّ الباسيج سيخمد أي انتفاضة مستقبلية.

رابعاً وأخيراً، يذكر الكاتبان احتمال مقتل جنود أميركيين في القصف المستمر على قواعدهم في العراق أو رفض إيران التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مسألة كاميرات المراقبة أو طلب واشنطن قيوداً تقنية جديدة بسبب تفعيل طهران أجهزة طرد متطورة، وهي أحداث قد تجهض التفاوض عن غير قصد.

 

هل تكشف الكثير عن نوايا إيران؟

على الرغم من احتمال تحقق واحدة أو أكثر هذه الفرضيات، يبقى أنها لا تشير بمعظمها إلى النية الحقيقية في إيران تجاه المفاوضات. هي تظهر السيناريوهات التي يمكن أن تتعثر خلالها المفاوضات حتى ولو خيضت بناء على حسن نية، أو بناء على رغبة إيرانية حقيقية بإحياء الاتفاق، خصوصاً في الفرضيتين الثانية والرابعة. حتى الفرضية الأولى التي تتعلق برغبة إيران بضمانات أكثر تشدداً للمستقبل تفادياً لإمكانية إجهاض أي رئيس جمهوري للاتفاق، يبدو المطلب أقرب إلى توليد استفادة حقيقية من العودة إلى الاتفاق لا إلى محاولة لإجهاض المفاوضات.

لهذا السبب، تبقى الفرضية الثالثة المرتبطة بإمكانية إدارة إيران اقتصادها بعيداً من الاتفاق النووي هي الأقرب إلى استقراء نية طهران تجاه المحادثات. إذا كان الإيرانيون يعتقدون حقاً أنهم قادرون على تحمّل هذا الواقع لفترة قريبة ريثما تحقّق إيران "اقتصاد المقاومة" الذي تتحدث عنه، فربما يكونون غير متمسّكين بالتوصل إلى اتفاق نووي مع إدارة بايدن. لكن ذلك بدوره لا يعني أنّ إيران لن تبذل جهداً بإحياء الاتفاق كما كان في 2015. الفرق هذه المرة هو أنها ستقاوم أي محاولة من الإدارة لتعديل الاتفاق في ما يخص بنود الغروب ووسائل المراقبة والتفتيش. وقد ترفض إيران تفكيك أجهزة الطرد المتطورة، لكنّ ذلك قد لا يكون أساسياً في المعادلة، بما أنّ المعرفة المتراكمة الناجمة عن تفعيل هذه الأجهزة لا يمكن إلغاؤها.

وثمة أسباب أخرى تدعو إيران لعدم الرغبة بإطالة التفاوض حول الاتفاق النووي. من جهة، هي وقعت على اتفاق الشراكة الاستراتيجية مع الصين والذي يستمر لربع قرن. يمكن أن تساعد هذه الشراكة إيران في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، مع الأخذ بالاعتبار أنّ هذا الاستقرار يصب في مصلحة الصين. من جهة ثانية، ومنذ خسارة دونالد ترامب الانتخابات الرئاسية، بدأت إيران ترفع تدريجياً صادراتها النفطية.

ومع مجيء بايدن إلى السلطة، برزت أرقام تظهر أنّ صادرات إيران النفطية ارتفعت حتى قبل رفع العقوبات بالنظر إلى معرفة طهران وبيجينغ المسبقة بأنّ بايدن لن يكون متشدداً في تنفيذ العقوبات التي فرضها سلفه حتى من دون التوصل إلى إحياء "خطة العمل". علاوة على ذلك، نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" في آذار (مارس) عن الخبيرة في صناعة النفط ساره فاخشوري قولها إنّه "لو باعت إيران مليون برميل يومياً بالأسعار الحالية، فلن يكون لديها حافز للتفاوض". ووفقاً لتقرير صادر عن خدمة الأبحاث في الكونغرس الأميركي شهر نيسان (أبريل) الماضي، كانت إيران تبيع حوالي 900 ألف برميل يومياً إلى الصين في آذار.

 

أسئلة لا بد منها

هل تستطيع إيران فعلاً الاكتفاء ببيع مليون برميل يومياً لتأمين الحدّ الأدنى من مقوّمات الاستمرارية؟ وحتى مع افتراض وجود هذه القدرة لدى طهران، هل تقبل الصين بأن تكون إيران متحررة من أي قيود في تخصيب اليورانيوم؟ ولماذا ترفض إيران عودة إلى الاتفاق النووي بينما تدرك أنّ الغرب "مستميت" لإحيائه؟ ألا تستطيع الاستفادة من الأموال التي سيؤمّنها الغرب مقابل اتّفاق يمكن أن تراوغ موجباته كما فعلت مع اتفاق 2015؟

هذه الأسئلة وسواها تفتح المجال للتقليل من احتمالات غياب الرغبة الإيرانية بالعودة إلى الاتفاق النووي. مع ذلك، لا يمكن لصنّاع القرار إسقاط هذا الاحتمال بشكل نهائي. في نهاية المطاف، تقتضي صناعة القرار نفسها الاستعداد لجميع المفاجآت.  

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم