إعلان

لماذا جاء اغتيال لقمان سليم في توقيت سيّئ لإيران؟

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
المفكّر اللبناني لقمان سليم - "أ ب"
المفكّر اللبناني لقمان سليم - "أ ب"
A+ A-

لا تزال مقاربة إدارة بايدن للملفّ الإيرانيّ غامضة إلى حدّ ما، وربّما خاضعة للتقلّبات. إذا كان واضحاً أنّ الرئيس مصمّم على العودة إلى الاتّفاق النوويّ فالتكتيك الذي سيعتمده لتحقيق هذه الغاية مبهم. وفي قضايا كهذه، قد يكون التكتيك على مستوى الأهمّيّة نفسه للاستراتيجيا. تحتاج هذه المقاربة لبعض الوقت من أجل النضوج.

لكنّ الاجتماعات التحضيريّة لرسمها بدأت فعلاً. وهي انطلقت على وقع تطوّرات شرق أوسطيّة مختلفة، كان آخرها اغتيال المثقّف والناشط السياسيّ اللبنانيّ لقمان سليم، وهو معارض شيعيّ بارز لـ"حزب الله". واتّهم قسم كبير من اللبنانيّين الحزب بالوقوف وراء عمليّة الاغتيال بينما "استنكر" الأخير العمليّة ودعا الدولة إلى "مكافحة الجرائم المتنقّلة في أكثر من منطقة في لبنان وما يرافقها من استغلال سياسي وإعلامي".

 

أصداء في الولايات المتحدة

أعرب مسؤولون أميركيّون عن حزنهم الشديد لاغتيال الناشط اللبنانيّ. الممثّل الأميركيّ السابق للشؤون السوريّة جويل رايبورن، وفي تغريدتين على "تويتر" بالعربيّة والإنكليزيّة، وجّه تعازيه "لعائلة وزملاء عزيزنا لقمان سليم" واصفاً إيّاه بأنّه "كان قائداً شجاعاً بأفكاره". وأضاف: "أعداؤه لا يعرفون حتى الآن أنهم خسروا بالفعل. لن يستطيعوا إيقاف رؤيته بلبنان حر لجميع الأطفال اللبنانيين. ستعيش رؤيته طويلا بعد أن يتحول أعداؤه إلى تراب."

وأصبح رايبورن مستشاراً للسيناتور الجمهوري بيل هاغيرتي عضو لجنة الشؤون الخارجيّة في مجلس الشيوخ. وأوضح أنّه سيدعم هاغيرتي في العمل على "الحفاظ على سياسات أميركية قوية تجاه سوريا، إيران، وسائر شرق المتوسط".

الشجب كان حاضراً على الضفّة الديموقراطيّة أيضاً. أعرب زعيم الغالبيّة في مجلس النوّاب الأميركيّ ستيني هوير عن "انزعاجه العميق من خبر اغتيال الناشط لقمان سليم في لبنان. كما العديد من اللبنانيّين، كان محبطاً من الوجود المستمر لـ‘حزب الله‘، منظّمة إرهابية غير مبالية عميلة لإيران، في حكومة لبنان ومن جهوده المستمرة لمنع السلام والديموقراطية في تلك البلاد". ودعا هوير إلى الحفاظ على حقوق الإنسان الأساسية في لبنان وأمكنة أخرى وحضّ بايدن ووزير الخارجيّة أنطوني بلينكن على وضع قضايا حقوق الإنسان وحرية التعبير في واجهة السياسة الخارجية الأميركيّة.

وذكر أنّه "يجب عدم السماح لإيران ووكلائها بزرع الرعب حول المنطقة وعلى امتداد العالم، ويجب محاسبة ‘حزب الله‘ على انتهاكاته في لبنان" الذي "يستحقّ مستقبلاً من السلام والحرّيّة". وكانت وزارة الخارجية الأميركيّة قد شجبت اغتيال سليم داعية المسؤولين اللبنانيّين والقضاء إلى تقديم الجناة سريعاً أمام القضاء، لكنّها لم تذكر "حزب الله".

 

إشارات متضاربة

تزامنت عمليّة الاغتيال مع تحرّك أميركيّ داخليّ، لكن أيضاً دوليّ لمعالجة الملفّ الإيرانيّ. عقد بلينكن أمس مؤتمراً افتراضيّاً مع نظرائه الأوروبّيّين في مجموعة الدول الثلاث للتطرّق إلى هذا الموضوع. بعد الاجتماع، وصف وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان النقاش بأنه "مهم ومعمّق" وقد هدف إلى "التعامل مع التحديات الأمنية والإقليمية". جاء المؤتمر الافتراضيّ بعدما عُقد اجتماع لمجلس الأمن القوميّ في البيت الأبيض من أجل مراجعة السياسة الأميركيّة تجاه إيران. لكنّه لم يتطلّع إلى الخروج بقرارات حاسمة كما أوضحت الناطقة باسم البيت الأبيض جين بساكي.

واقترح وزير الخارجيّة الإيرانيّ محمد جواد ظريف الاثنين أن تعود واشنطن وطهران في الوقت نفسه إلى الاتفاق، بالتزامن مع دعم ديبلوماسيّ يقدّمه الاتّحاد الأوروبّيّ. لكنّ الإدارة رفضت المقترح سريعاً. في اليوم التالي، أعلن الناطق باسم وزارة الخارجيّة نيد برايس أنّ "المقترح المطروح على الطاولة كما قال الرئيس بايدن هو أنّه إذا استأنفت إيران الامتثال الكامل لـ‘خطة العمل الشاملة المشتركة‘ فسنكون مستعدّين لفعل ذلك".

تراوحت الإشارات الأميركيّة إلى إيران خلال الأسبوع المنصرم بين التشدّد والليونة. أعلن بايدن وقف دعم العمليّات العسكريّة للتحالف العربي في اليمن ضدّ الحوثيّين، لكنّه أضاف أنّ "السعوديّة تواجه تهديدات وسنواصل دعمها لحماية أراضيها من هجمات مجموعات تدعمها إيران". وعيّنت الإدارة روبرت مالي ممثّلاً أميركيّاً للشؤون الإيرانيّة، وهو معروف بسجلّه في محاباة الإيرانيّين. لكن من جهة أخرى، نقل موقع "أكسيوس" الأميركيّ عن مصدر مطّلع قوله إنّ بلينكن طلب من مالي تأسيس فريق من الديبلوماسيّين والخبراء الذين يتمتّعون بنظرات مختلفة وواسعة إلى السياسة الإيرانيّة طالباً منه دعوة شخصيّات "أكثر تشدّداً" إلى الفريق. وذكر الموقع نفسه قبل الاجتماع أنّ الأخير كان سيناقش خيار العودة إلى الاتّفاق النوويّ قبل الانتخابات الرئاسيّة الإيرانيّة أو خيار الانتظار إلى ما بعد انتهائها.

 

حقوق الإنسان إلى الواجهة

لن يغيّر اغتيال سليم التوجّه الأميركيّ العام للإدارة المقبلة في سياستها الإيرانيّة. لكنّه عنصرٌ قد يعيد مسألة حقوق الإنسان إلى الواجهة في المفاوضات الأميركيّة المحتملة مع طهران. انصبّ التركيز الأساسيّ للاتّفاق النوويّ على منع أو تأجيل حصول إيران على السلاح النوويّ. حاول الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب توسيع الاتّفاق ليشمل برنامجها للصواريخ للبالستيّة ودعمها للميليشيات في المنطقة. اليوم، تطلق إدارة بايدن المحاولة نفسها لكن بأسلوب جديد. غير أنّ اللافت للنظر في الآونة الأخيرة تعالي الأصوات المطالبة بضمّ ملفّ حقوق الإنسان إلى السياسة الأميركيّة الإيرانيّة.

مديرة المنشورات ضمن "مركز حقوق الإنسان في إيران" ومقرّه نيويورك كارن كرامر حذّرت منذ أيام من فصل حقوق الإنسان عن سائر القضايا المرتبطة بإيران. وكتبت في مجلّة "فورين أفيرز" أنّ حماية الحريات وحقوق الإنسان الأساسيّة تروّج للحوكمة الجيّدة التي توفّر الاستقرار الداخليّ. وينعكس الأخير إيجاباً على الاستقرار الإقليميّ كما أضافت. حتى صحيفة "واشنطن بوست" خصّصت مساحة لمقالة أكاديميّين بارزين مناهضين لإيران في "معهد المشروع الأميركيّ"، مايكل روبين ودانيال بيلتكا. تناول الأكاديميان مسيرة لقمان سليم، وانتقدا إدارة أوباما لأنّها عمدت إلى قطع التمويل عن مؤسّسة "هيّا بنا" التي أسّسها سليم. ووجدا أنّ مردّ ذلك يعود إلى "ضعف" و "خوف" إدارة أوباما من إيران إضافة إلى محاولة طمأنتها.

لن يكون من السهل على إدارة بايدن إدخال ملفّ حقوق الإنسان في التفاوض مع إيران، على الرغم من أنّها تعهّدت جعل هذه القضيّة إحدى أولويّاتها في السياسة الخارجيّة. فطهران ترفض إجراء أيّ تعديل على الاتّفاق الأساسيّ، وقد لا تجد واشنطن وقتاً أو نفوذاً لفرض التفاوض على القضايا الحقوقيّة إذا كانت راغبة بإطلاق التفاوض قبل الانتخابات الرئاسيّة. لكن في ظلّ هذه الأجواء، ليس هنالك شكّ كبير في أنّ إيران كانت تريد انطلاقة أميركيّة للبحث في التفاوض معها بعيداً من خبر اغتيال شخصيّة وازنة فكريّاً مثل لقمان سليم.  

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم